في هذا المقال
من وجع البقاء إلى حلم الأمان
ما زلت أعيش على شاطئٍ تتفتح الأشواك في جنباته، وتبدو أرضه كأنها عاهدت الوجع ألّا يغادر خطاها، وكأن الربيع، حين مرّ بها، أضاع الطريق إلى بساتينها.
أمضي على رملها مثقلًا بما تركته الأيام في روحي، أجرُّ خلفي حكاياتٍ صامتة، وأخفي تحت ضلوعي انكساراتٍ لم تجد صدرًا يحتويها، ولا يدًا تمسح عنها غبار التعب.

وفي غفلةٍ من قسوة المكان، فتحت لي وردةٌ أبوابها، كأنها رسالةٌ صغيرة من السماء، أو وعدٌ نجا من بين الأنقاض ليقول إن الجمال، مهما حاصرته الأشواك، يستطيع أن يجد لنفسه حياة.
قطفتها برفق، وضممت أوراقها الغضّة إلى صدري، لا خوفًا عليها من الذبول وحده، بل خشية أن ترى بعينيها ما أخفيه عنها من بؤس الأرض، وما تراكم فوق دروبها من خيباتٍ وأحلامٍ مكسورة.
أردتها أن تحتفظ بنداها، أن تظل جاهلةً بقسوة التراب، وألّا تعرف أن بعض الأماكن تسرق من أرواح ساكنيها الضوء، حتى يغدو الأمل فيها أشبه بنافذةٍ تطل على جدار.
لكن خلف هذا الشاطئ كانت ضفةٌ أخرى تناديني، يفصلني عنها مجرى ماءٍ غامض، تبدو صفحته كأنها مستنقع، لا يكشف عمقه، ولا يمنح العابرين وعدًا بالنجاة.
تأملت المسافة بين الضفتين، أبحث عن جسرٍ لم يُبنَ، أو قاربٍ يختصر وعورة الرحلة، أو يدٍ تنتشلني من حيرتي. غير أن الطريق كان خاليًا، ولم يكن أمامي سوى الماء.
كان عليَّ أن أسبح؛ فلا مفرَّ من مواجهة التيار، ولا سبيل إلى النجاة ما دمت أؤثر الوقوف على الحافة. إما أن أظل حبيس الشاطئ، تستنزفني أشواكه يومًا بعد يوم، وإما أن أخوض المجهول وأراهن على ما بقي فيَّ من قوة.
كنت منهكًا إلى الحد الذي صار فيه حمل الجسد عبئًا، وأصبحت أنفاسي تتعثر قبل أن تبلغ صدري، كأن الطريق استهلك أعوامي، وكأن التعب لم يترك في داخلي موضعًا يتسع لمزيدٍ من الألم.
ومع ذلك، لم أستسلم. كان في البعيد شيءٌ يستحق الوصول، ربما طمأنينةٌ لم أعرفها، وربما حياةٌ لا أضطر فيها إلى إخفاء حزني عن العابرين، أو حماية أحلامي من قسوة الأرض.
نظرت إلى وردتي، فرأيت فيها هشاشة الأمل وجماله، وتذكرت أن الأشياء النبيلة لا تحتاج إلى عالمٍ كاملٍ كي تزهر، بل إلى قلبٍ يصون رقتها، ويمنحها فرصةً لمقاومة العاصفة.
شدَدتُها إلى صدري، ثم ألقيت بنفسي في الماء. كان التيار أشدَّ مما توقعت، وكان الخوف يوقظ في أعماقي كلَّ ما ظننته قد مات، لكنني واصلت السباحة، أقاوم الغرق وأستبقي الحلم.
لم أكن بطلًا لا يخشى السقوط، ولا رجلًا عصيًّا على الانكسار؛ كنت إنسانًا أنهكته الحياة، وضاقت به الأرض بما رحبت، لكنه أدرك، في لحظةٍ فاصلة، أن البقاء في موضع الألم قد يكون أشدَّ قسوةً من الرحيل.
لهذا مضيت نحو الضفة الأخرى، أصارع الماء بما بقي من عزيمتي، وأترك خلفي شاطئًا لم يعد يتسع لروحي. لم أكن أبحث عن أرضٍ بلا عيوب، بل عن مكانٍ أستطيع فيه أن أتنفس دون خوف، وأن أزرع أحلامي دون أن أخشى عليها من الأشواك.
فالأمان ليس دائمًا شاطئًا هادئًا، ولا حياةً تخلو من العواصف؛ قد يكون قرارًا شجاعًا نتخذه ونحن في أقصى التعب، وقد يكون خطوةً نحو المجهول، حين يصبح الرجوع أشدَّ وجعًا من احتمال الوصول.
وها أنا أواصل العبور، أحمل وردتي في أعماقي، وأترك للماء أن يختبر صبري. قد تطول المسافة، وقد تتأخر الضفة عن عيني، لكنني لن أعود كما كنت؛ فمن يواجه التيار بحثًا عن النجاة يعرف أن الأمل ليس وعدًا بالوصول، بل شجاعة ألّا يتوقف عن المحاولة.
ما زلت آتي من شاطئ الأشواك، لكنني لم أعد أراه نهاية العالم. ففي الجهة الأخرى من الخوف ربما ينتظرني فجرٌ جديد، وأرضٌ لا أحتاج فيها إلى إخفاء وردتي عن الحياة، ولا إلى الاعتذار عن تعبي.
سأواصل السباحة، حتى تلامس قدماي أرضًا آمنة، وحتى أضع وردتي تحت الشمس، وأمنح روحي حقَّها في السكينة.
فما دمت أقاوم، فإن الطريق لم ينتهِ، وما دام في القلب حلمٌ ينبض، فإن برَّ الأمان، مهما ابتعد، يظل جديرًا بأن نصل إليه.
تابع جديد Alkatp
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق