In this article
الشقة الملعونة لم تكن مجرد جدران قديمة، كانت كأنها كائن حي يتنفس في الظلام. كل من دخلها شعر بثقل غريب في صدره، وكأن الهواء نفسه مشحون بشيء غير مرئي. أحمد يقول إنه في أول ليلة نام فيها هناك، استيقظ على إحساس أن أحداً يراقبه من ركن الغرفة، وعندما فتح عينيه لم يجد أحداً، لكنه سمع نفساً ثقيلاً بجواره تماماً.
العمارة كلها كانت مهجورة تقريباً، لا أصوات جيران ولا ضحكات أطفال، فقط صمت موحش يقطعه أحياناً صوت مواسير قديمة. لكن بعد منتصف الليل كان الصمت يتحول إلى جحيم. خطوات ثقيلة تبدأ من المطبخ، تتجه للصالة، ثم تتوقف أمام باب غرفته. الكرسي الخشبي الذي كان يتركه دائماً في المطبخ، يجده كل صباح في منتصف الصالة، وكأن أحداً كان يجلس عليه طوال الليل يراقبه؛ وفي إحدى الليالي، سمع صوت همس باسمه قادم من الحمام، رغم أنه يعيش في الشقة وحده تماماً.
أحمد حاول أن يتماسك، وضع مصحفاً بجانب سريره وشغل القرآن طوال الليل، لكن الأصوات لم تتوقف. في الليلة الأخيرة، استيقظ ليجد باب الشقة مفتوحاً على مصراعيه رغم أنه متأكد أنه أغلقه بالمفتاح. وقتها فقط فهم أن هذه الشقة لا تريد ساكناً جديداً، وأن هناك من يسكنها قبله ولا يريد أن يرحل، فجمع أغراضه وهرب قبل الفجر ولم يعد إليها أبداً.
أما القصة الثانية فكانت على طريق صحراوي مقطوع، الساعة كانت الثانية بعد منتصف الليل، والطريق فاضي تماماً إلا من صوت موتور عربية صديقي محمد. محمد كان راجع من شغل في محافظة تانية، والطريق اللي ماشي فيه معروف انه مهجور ومفيهوش أي خدمات، مجرد أسفلت وجبال على الجانبين وظلام دامس.
وهو سايق على سرعة هادية، لمح على جانب الطريق طفل صغير واقف لوحده، لابس جلابية بيضا وماسك في ايده كورة صغيرة. المنظر كان غريب ومريب، ايه اللي يجيب طفل في السن ده في المكان ده وفي الوقت ده؟ محمد قلبه اتقبض لكنه قرر يقف، ضميره لم يسمح له يسيبه لوحده في الصحرا.
أول ما قرب منه وفتح شباك العربية سأله: "يا حبيبي انت بتعمل ايه هنا لوحدك؟ فين أهلك؟" الطفل لم يرد، كان يبص للأرض وبيعيط بصوت واطي. محمد نزل من العربية وحاول يقرب منه، لكن فجأة الطفل رفع وشه، وهنا كانت الصدمة، وشه كان شاحباً بشكل غير طبيعي وعينيه كلها سواد، وابتسم ابتسامة باردة.
قبل ما محمد يستوعب، سمع صوت ضحكة عالية جاية من وراه من الجبل، لف بسرعة ملقاش حد، رجع يبص للطفل ملقاهوش، اختفى تماماً كأنه لم يكن. الكورة فقط هي اللي كانت موجودة على الأرض. محمد ركب عربيته وطار من المكان وهو يقرأ كل القرآن اللي حافظه، ومن يومها مستحيل يسافر على الطريق ده بالليل مرة تانية مهما حصل.
Keep up with Mohamed Ahamed
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article

Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment