أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

ما وراء المجموع

حكاية مريم بين حلم الطب وواقع الطفولة المبكرة منذ سنوات، كان حلم مريم واضحًا أمام عينيها. كلية الطب... ذلك الحلم الذي عاشت من أجله، وسهرت لتحقيقه، وتخيلت نفسها يومًا ترتدي البالطو الأبيض وتبدأ رحلتها في عالم الطب. لكن الحياة لم تمنحها ما تمنّت. جاء يوم ظهو

ما وراء المجموع

ما وراء المجموع

رواية اجتماعية واقعية عن الأحلام والانكسار والبدايات الجديدة

الفصل الأول: يوم سقط الحلم

استيقظت من نومي على صوت أمي وهي تناديني من خارج الغرفة.

— قومي يا حبيبتي، النتيجة ظهرت!

فتحت عينيّ ببطء، وشعرت أن قلبي يخفق بشدة. كان ذلك اليوم الذي انتظرته طوال شهور، اليوم الذي تخيلت فيه نفسي أصرخ من الفرحة، وأركض إلى أمي لأخبرها أنني حققت حلمي. لكنني لم أكن أعلم أن هذا اليوم سيغير حياتي إلى الأبد.

جلست على سريري، وأمسكت هاتفي بيدين مرتجفتين. حاولت أن أبدو هادئة، لكن الخوف كان يملأ قلبي. طوال العام الماضي، لم يكن لحياتي عنوان سوى الكتب والمذاكرة والسهر. حرمت نفسي من أشياء كثيرة، وابتعدت عن صديقاتي، وكنت أقول لنفسي دائمًا إن كل هذا التعب سينتهي عندما أرى النتيجة التي أحلم بها.

دخلت أمي الغرفة، وجلست بجانبي، ثم وضعت يدها على كتفي.

— يلا يا حبيبتي، افتحي النتيجة. إن شاء الله خير.

نظرت إليها وابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم فتحت الموقع وكتبت رقم جلوسي.

ثوانٍ قليلة مرت، لكنها بدت وكأنها ساعات طويلة.

ظهرت النتيجة أمام عينيّ.

توقفت أنفاسي للحظة.

أعدت النظر إلى الأرقام مرة، ومرتين، وثلاثًا، وكأنني أنتظر أن تتغير. لكن الحقيقة كانت واضحة؛ لم أحصل على المجموع الذي تمنّيته، ولم يكن قريبًا حتى من الرقم الذي رسمت على أساسه مستقبلي.

قالت أمي بقلق:

— خير يا بنتي؟ جبتي كام؟

لم أستطع الرد. شعرت بأن الكلمات اختفت من داخلي، وأن كل الأحلام التي رسمتها لنفسي بدأت تتلاشى أمام عينيّ.

همست بصوت مكسور:

— يا ماما... أنا مجبتش المجموع اللي كنت بحلم بيه.

ساد الصمت في الغرفة.

احتضنتني أمي، بينما انهمرت دموعي دون أن أستطيع منعها.

— متعيطيش يا حبيبتي، دي مش نهاية الدنيا.

لكنني لم أكن أريد سماع هذه الجملة. كنت أشعر أن الدنيا انتهت فعلًا، وأن كل ما بذلته من تعب لم يكن كافيًا للوصول إلى ما أردته.

بعد دقائق، خرجت من غرفتي لأجد أبي جالسًا في الصالة، يحمل هاتفه ويتصفح أخبار النتيجة. رفع عينيه نحوي وسألني:

— عملتي إيه يا مريم؟

نظرت إلى الأرض وقلت:

— الحمد لله يا بابا، بس المجموع مش زي ما كنت متوقعة.

وضع هاتفه جانبًا، وسألني عن الرقم. أخبرته بهدوء، فظل صامتًا للحظات، ثم قال:

— كنا بنتمنى مجموع أحسن، بس خلاص، نشوف هنعمل إيه.

لم تكن كلماته قاسية، لكنها آلمتني. كنت أنتظر منه أن يخبرني أنني ما زلت قادرة على تحقيق أحلامي، وأنه فخور بي رغم كل شيء. كنت أحتاج إلى كلمة واحدة تجعلني أشعر أنني لم أخسر كل شيء.

عدت إلى غرفتي وأغلقت الباب. فتحت حسابي على مواقع التواصل الاجتماعي، فوجدت صديقاتي ينشرن صور النتائج وعبارات الفرح والتهاني. كانت إحداهن تحتفل بحصولها على مجموع مرتفع، وأخرى تتحدث عن الكلية التي طالما حلمت بها.

أغلقت هاتفي وألقيته بجانبي.

لأول مرة، شعرت أنني لا أريد رؤية أحد أو التحدث مع أي شخص.

في المساء، طرقت أمي باب غرفتي ودخلت تحمل كوبًا من العصير. جلست بجانبي وقالت:

— يا مريم، بصي لي.

رفعت عينيّ إليها بصعوبة.

— أنا عارفة إنك زعلانة، وعارفة إنك تعبتي كتير. بس عايزاكي تفهمي حاجة مهمة: مجموعك مش هو قيمتك، والكلية اللي هتدخليها مش هي اللي هتحدد إذا كنتِ هتنجحي في حياتك ولا لأ.

مسحت دموعي وقلت:

— طب ليه حاسة إني خذلتكم؟ ليه حاسة إن كل تعبي راح على الفاضي؟

أمسكت أمي بيدي وقالت:

— لأنك ربطتي سعادتك برقم واحد. وإحنا كمان يمكن غلطنا لما خليناكي تحسي إن مستقبلك كله واقف على النتيجة دي. لكن لسه قدامك فرص كتير يا بنتي، ويمكن الطريق اللي متخيلاه مش هو الطريق الوحيد لحلمك.

لم أرد عليها، لكن كلماتها بقيت تدور في رأسي.

في تلك الليلة، لم أستطع النوم. جلست أمام نافذتي أراقب الشارع الهادئ، وأفكر في كل ما حدث. كنت أظن أن النجاح طريق واحد، وأن أي طريق آخر يعني الفشل.

لكن هل كانت الحياة بهذه القسوة فعلًا؟

وقبل أن أغمض عينيّ، وصلني إشعار برسالة من رقم غير مسجل.

فتحت الرسالة، فوجدت كلمات قليلة جعلتني أجلس معتدلة في مكاني:

«مريم، أنا عارفة إنك زعلانة من نتيجتك، لكن عندي ليكي فرصة ممكن تغيّر كل حاجة. لو حابة تعرفي التفاصيل، قابليني بكرة الساعة خمسة قدام المكتبة القديمة».

تجمدت أصابعي فوق الهاتف.

من صاحب الرسالة؟ وكيف يعرف ما أشعر به؟ وما الفرصة التي يتحدث عنها؟

نظرت إلى الساعة، ثم عدت لقراءة الرسالة مرة أخرى.

لم أكن أعلم أن هذه الكلمات ستكون بداية حكاية لم أتخيلها يومًا؛ حكاية ستعلمني أن بعض الأبواب لا تُفتح إلا عندما نعتقد أن كل الأبواب قد أُغلقت.

يتبع...image about ما وراء المجموع

تابع جديد يوسف بو شبيكة

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق