أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

ما لم يُقَل في الغياب

«ليست كل الحكايات التي لم تكتمل حكاياتٍ فاشلة، بعضها كان أكبر من أن تحتمله الحياة.»

FinexFinexالكاتب 4 د للقراءة 0.00 المراجعات
ما لم يُقَل في الغياب

 المقدمة: 

 إلى الحياة التي لم أعشها

لم أعرف متى بدأت الحكاية بالضبط، ولا أذكر أنني اتخذت قرارًا واعيًا بأن أكون بطلتها. أظن أن الأمر حدث على مهل، كما تحدث الأشياء التي تغيّرنا دون استئذان؛ يومٌ يشبه الذي قبله، ووجهٌ يغيب، وكلمةٌ تبقى عالقة في الذاكرة أطول مما ينبغي، ثم نكبر قليلًا دون أن ننتبه إلى أن شيئًا في داخلنا لم يعد كما كان.

لطالما ظننت أن الحياة طريقٌ مستقيم، وأن الناس يعرفون إلى أين يمضون، وأن لكل شخص مكانًا ينتظره في نهاية الطريق. كنت أرى الكبار وأحسب أنهم يملكون إجاباتٍ لكل شيء، وأن السنوات تمنح الإنسان حكمةً كافية ليعرف كيف يتجنب الخيبات، وكيف يحتفظ بمن يحب، وكيف ينجو من الأشياء التي لا تُحتمل. ثم كبرت، واكتشفت أن العمر لا يمنحنا بالضرورة إجابات، وأن بعض الذين يبدون مطمئنين ليسوا إلا أشخاصًا أتقنوا إخفاء ارتباكهم.

لم تكن الحياة قاسية في كل أيامها، وهذا ما يجعل الحكاية أكثر تعقيدًا. فقد منحتني أشياء صغيرة أحببتها، وأشخاصًا تمنيت لو بقيت معهم إلى الأبد، ولحظاتٍ عابرة ما زلت أعود إليها كلما ضاق بي الحاضر. لكنها كانت تأخذ مني أشياء أخرى دون أن تشرح، وتتركني أمام أبوابٍ مغلقة أتساءل إن كنت قد تأخرت في الوصول، أم أن ذلك الباب لم يكن لي أصلًا.

ومع الوقت، صرت أعرف أن الفقد ليس دائمًا موتًا، وأن الرحيل لا يحتاج إلى حقائب، وأن بعض العلاقات تنتهي بينما يظل أصحابها أحياءً في مكان ما، يمارسون أيامهم العادية، ويشربون قهوتهم، ويضحكون، وربما لا يخطر لهم أننا ما زلنا نتذكرهم عند سماع أغنية أو المرور بمكان أو قراءة جملة تشبه حديثًا قديمًا.

ثمة حزنٌ غريب في أن يشتاق المرء إلى شيء لم يحدث؛ إلى بيتٍ لم يسكنه، ولقاءٍ لم يجمعه بمن أحب، وأحاديث كان قد أعدّ لها ألف إجابة ولم تتح له فرصة قول واحدة منها. كيف يمكن للإنسان أن يحزن على مستقبل لم يره؟ وكيف يودّع حياةً لم يعشها؟ لا أعرف. لكنني أعرف أن في داخل كل واحد منا مقبرة صغيرة لأشياء لم تولد، وأحلام لم تجد طريقها إلى الواقع، ونسخ من أنفسنا تركناها خلفنا في محطات لم نعد إليها.

أما أنا، فقد كنت أجمع تلك الأشياء بصمت. أخبئ بعضها في الدعاء، وأترك بعضها للوقت، وأحاول أن أقنع نفسي بأن ما لم يكن لي لن يصبح لي بمجرد أن أتعلق به أكثر. لم أكن دائمًا قوية، ولم أكن دائمًا حكيمة، بل كنت فتاةً تتعلم متأخرة، تخطئ أحيانًا، وتعود إلى الله كلما ضاقت بها نفسها، وتبحث عن معنى لكل ما عجزت عن فهمه.

ولعل أكثر ما أخشاه ليس أن أفقد شيئًا آخر، بل أن يأتي يومٌ أنظر فيه إلى المرآة فلا أتعرف إلى الفتاة التي كنتها؛ أن أكتشف أنني قضيت عمري كله أحاول النجاة من الماضي، حتى نسيت أن أعيش الحاضر.

لهذا أكتب.

لا لأغيّر ما حدث، ولا لأستعيد من رحلوا، ولا لأقنع أحدًا بأنني كنت على حق. أكتب لأن هناك كلمات لم تجد مكانًا لها في الحياة، ولأن بعض الحكايات لا تحتاج إلى نهاية سعيدة بقدر ما تحتاج إلى من يرويها بصدق.

ربما لن تكون هذه الرواية عن الحب وحده، ولا عن الفقد، ولا عن الخذلان. ربما ستكون عن الإنسان حين يُترك وحيدًا مع ذاكرته، وعن المسافة الطويلة بين ما أراده وما صار إليه، وعن محاولاته الصغيرة ليصنع من كل ذلك حياةً تستحق أن تُعاش.

فإن وجدتَ نفسك بين سطورها، فلا تبحث عن اسمك، ولا عن وجهٍ يشبهك تمامًا. يكفي أن تعرف أن هناك أشياء نشترك فيها جميعًا، حتى وإن اختلفت حكاياتنا.

هذه رسائل إلى حياة لم تحدث؛ كتبتها الفتاة التي عاشت كل شيء في خيالها، ثم استيقظت ذات يوم لتكتشف أن عليها أن تحب الحياة التي حدثت فعلًا.

image about ما لم يُقَل في الغياب

تابع جديد Finex

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق