في هذا المقال
الفصل الأول: أحلامٌ أكبر من قرية صغيرة
يوميات منذر... شابٌ يحمل في قلبه أحلامًا كثيرة، ويحاول أن ينتصر رغم كل شيء.
الفصل الأول: البداية من قرية صغيرة
وُلدتُ ونشأتُ في قرية صغيرة في صعيد مصر، حيث البيوت البسيطة، والشوارع الهادئة، والوجوه التي تعرف بعضها بعضًا. لم تكن الحياة هناك مليئة بالرفاهية، لكن كان فيها شيء لا يُشترى بالمال؛ دفء العائلة، ولمة الأهل، وصوت أمي وهي تناديني، ودعوات أبي التي كانت ترافقني في كل خطوة.
كنت طفلًا عاديًا، لكن أحلامي لم تكن عادية أبدًا. كنت دائمًا أنظر إلى المستقبل وأتخيل نفسي في مكان أفضل، أحقق شيئًا يجعل والديّ فخورين بي، وأثبت لنفسي قبل أي شخص آخر أنني قادر على الوصول.
كبرت، وكبرت معي أحلامي، لكن الطريق لم يكن سهلًا كما تخيلت.
الفصل الثاني: سنوات الثانوية العامة
وصلت إلى المرحلة التي يخاف منها معظم الطلاب: الثانوية العامة.
كانت سنوات مليئة بالضغط والتوتر والسهر والتفكير المستمر. كنت أحاول أن أبذل كل ما لدي، وأحيانًا أشعر أنني أركض طوال الوقت دون أن أصل إلى النهاية التي أريدها.
كانت هناك أيام أشعر فيها بالقوة، وأيام أخرى أفقد فيها الشغف تمامًا. كنت أحمل بداخلي حلمًا كبيرًا بأن ألتحق بكلية الطب البشري، وكنت أتخيل نفسي يومًا ما أرتدي البالطو الأبيض وأسمع الناس ينادونني بالدكتور.
اجتهدت، وتعبت، وانتظرت النتيجة وكأن حياتي كلها متوقفة عليها.
وعندما ظهرت النتيجة، لم تكن كما تمنيت تمامًا. حصلت على مجموع 86.72%.
فرحت لأنني نجحت، لكن كان بداخلي حزن كبير على حلم لم يتحقق. كنت أسأل نفسي: لماذا لم أصل إلى ما أريد رغم كل هذا التعب؟
لم أكن أعرف وقتها أن الحياة ستعلمني أن بعض الطرق التي لا نختارها قد تحمل لنا دروسًا لم نكن نتوقعها.
الفصل الثالث: حكاية حب وسط الزحام
في وسط تلك السنوات، حدث شيء لم أكن أخطط له.
تعرفت على فتاة، وبدأت بيننا حكاية مختلفة. لم تكن مجرد شخص أتحدث معه في أوقات الفراغ، بل أصبحت جزءًا من يومي وتفكيري وتفاصيلي الصغيرة.
أحببتها بصدق، وتعلقت بوجودها. كنت أنتظر رسائلها، وأفرح عندما نتحدث، وأجد في كلامها راحة من ضغوط الدراسة والحياة.
مرت الشهور، وأصبحت حكايتنا جزءًا من ذكرياتي الجميلة.
لكن الحياة لا تمنحنا دائمًا النهايات التي نرسمها في خيالنا.
مع الوقت، بدأت المسافات تكبر بيننا. انشغل كل منا بحياته ودراسته، وبدأت الخلافات وسوء الفهم يظهران. حاولت أن أفهم، وحاولت أن أحافظ على ما بيننا، لكن في النهاية وجدت نفسي وحيدًا بعد أن اعتدت وجودها.
رحلت، وبقيت الذكريات.
أحيانًا أشتاق إلى حديث قديم، أو إلى صوت كنت أنتظره، أو إلى أيام كنت أظن أنها لن تنتهي.
ولم يكن الأصعب هو رحيلها فقط، بل أن أتعلم كيف أكمل يومي دون أن أشاركها تفاصيله.
الفصل الرابع: مدينة لم أحلم بها
انتهت الثانوية العامة، وبدأت مرحلة جديدة.
التحقت بكلية الطب البيطري في جامعة أسوان، ووجدت نفسي بعيدًا عن قريتي وأهلي، في مدينة لم تكن ضمن أحلامي.
كنت أحلم بالقاهرة أو الإسكندرية. كنت أتخيل نفسي أعيش تجربة جامعية مختلفة، في مكان أشعر أنه يشبه طموحاتي.
لكنني وجدت نفسي في أسوان.
لم تكن المشكلة في المدينة وحدها، بل في شعوري بأنني وصلت إلى مكان لم أختره بقلب راضٍ.
الكلية نفسها لم تكن اختياري الذي حلمت به، وكنت أقارن بين ما تمنيت وما أصبحت أعيشه.
أيام الجامعة الأولى كانت صعبة. السكن، والمواصلات، والمصاريف، والوجوه الجديدة، والمحاضرات، والمواد التي تحتاج إلى مجهود كبير.
كنت أعود إلى غرفتي أحيانًا وأنا أشعر أنني استهلكت كل طاقتي.
أفتقد أمي وطعام البيت، وأفتقد جلسات العائلة، وأفتقد شعور الأمان الذي كنت أجده في قريتي.
وفي كل مرة أعود فيها إلى البيت، أشعر أنني أستعيد جزءًا من نفسي، ثم أعود مرة أخرى إلى أسوان محملًا بالحنين.
الفصل الخامس: معارك لا يراها أحد
هناك معارك لا يعرف عنها أحد شيئًا.
معركة أن تحاول أن تتعلم وأنت لا تملك الإمكانيات الكافية.
معركة أن تريد تطوير نفسك، وتعلم الذكاء الاصطناعي والتسويق والبرمجة، لكنك لا تملك حتى هاتفًا مناسبًا يساعدك على تنفيذ أفكارك.
معركة أن تحاول توفير مصروفك، بينما بالكاد يكفيك ما تحصل عليه.
معركة أن ترى أشخاصًا في عمرك يحققون أشياء كثيرة، بينما أنت تحاول فقط أن تجعل أيامك تمر بسلام.
أحيانًا أجلس وأفكر: لماذا تبدو الحياة صعبة إلى هذا الحد؟
أريد أن أتعلم، أريد أن أعمل، أريد أن أمتلك هاتفًا جيدًا، وأريد أن أبدأ مشروعًا صغيرًا يحقق لي دخلًا، حتى لا أظل دائمًا محتاجًا إلى مساعدة الآخرين.
لدي أفكار كثيرة، وأحلام أكبر من إمكانياتي الحالية، لكنني لا أريد أن أستسلم.
قد لا أمتلك المال، وقد لا أمتلك الأدوات التي يحتاجها غيري، لكنني أمتلك رغبة حقيقية في تغيير واقعي.
الفصل السادس: منذر الذي لا يعرف الاستسلام
في بعض الليالي، عندما يهدأ كل شيء، أجد نفسي أفكر في حياتي.
أتذكر الطفل الذي كان يعيش في قرية صغيرة ويحلم بمستقبل كبير.
أتذكر طالب الثانوية العامة الذي سهر وتعب وانتظر نتيجة يتمنى أن تغير حياته.
أتذكر قصة الحب التي ظننت أنها ستستمر، ثم أصبحت ذكرى.
وأتذكر الشاب الذي سافر إلى أسوان وبدأ حياته الجامعية بعيدًا عن أهله، وحاول أن يتأقلم مع واقع لم يكن يتمناه.
أحيانًا أشعر أنني أواجه كل ذلك وحدي، وأن لا أحد يعرف حقيقة ما يدور بداخلي.
لكنني بدأت أفهم شيئًا مهمًا: ليس من الضروري أن تكون حياتي مثالية حتى أبدأ في بنائها.
ليس من الضروري أن أكون في القاهرة أو الإسكندرية حتى أتعلم.
وليس من الضروري أن أمتلك هاتفًا غاليًا حتى تكون لدي أحلام تستحق التحقيق.
وليس من الضروري أن تعود فتاة إلى حياتي حتى أستطيع أن أكون سعيدًا مرة أخرى.
أنا ما زلت في بداية الطريق، وما زالت أمامي سنوات كثيرة أستطيع فيها أن أتعلم وأتغير وأكتشف نفسي.
ربما لم أحصل على الكلية التي تمنيتها، وربما لم أذهب إلى المدينة التي حلمت بها، وربما خسرت أشخاصًا كنت أتمنى بقاءهم.
لكنني لم أخسر مستقبلي بعد.
الفصل الأخير: رسالة من منذر إلى نفسه في المستقبل
إلى منذر الذي سيقرأ هذه الكلمات بعد خمس سنوات…
أتمنى أن تكون قد وصلت إلى مكان أفضل.
أتمنى أن تكون قد تعلمت المهارات التي كنت تحلم بها، وأن تكون قد امتلكت هاتفك الخاص، وأصبحت قادرًا على توفير المال لنفسك.
أتمنى أن تكون قد وجدت طريقك في مجال تحبه، وأن تكون قد حققت شيئًا يجعل أمك وأباك يشعران أن كل دعوة وكل دمعة وكل تعب لم يذهب هباءً.
أتمنى ألا تكون قد نسيت قريتك الصغيرة، وألا تنسى الأيام التي كنت تحسب فيها مصروفك، وتتمنى فرصة واحدة فقط لتبدأ.
وإذا كنت قد وصلت بالفعل، فلا تتكبر على البدايات.
تذكر أنك كنت شابًا في أسوان، بعيدًا عن أهله، يحمل حقيبة مليئة بالمحاضرات، وقلبًا مليئًا بالأحلام، وإمكانيات محدودة جدًا.
تذكر أنك كنت تريد أن تصبح شخصًا أفضل، رغم كل الظروف.
وإذا لم تكن قد وصلت بعد، فلا بأس.
لا تقسُ على نفسك، ولا تقارن رحلتك برحلات الآخرين.
فأنا منذر، ابن القرية الصغيرة في صعيد مصر، وربما لم تبدأ قصتي من المكان الذي حلمت به، لكنها لم تنتهِ بعد.
هذه ليست قصة نجاح مكتملة، وليست حكاية بطل انتصر في النهاية... إنها حكاية شاب ما زال يحاول، وما زال يحلم، وما زال يؤمن أن القادم قد يكون أجمل.
النهاية؟ لا... مجرد بداية فصل جديد. ❤️
تابع جديد ibrahim
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق