همسات من خلف الباب الأسود

همسات من خلف الباب الأسود:
لم يكن آدم يؤمن بالقصص التي يتداولها الناس عن الأشباح والبيوت المسكونة. كان يرى أن كل ما يسمعه مجرد أوهام صنعها الخوف، حتى جاء اليوم الذي ورث فيه منزل جده المتوفى في قرية بعيدة، قرية لم تطأها قدماه من قبل.
كان المنزل قديمًا، تحيط به أشجار ضخمة حجبت ضوء الشمس حتى في منتصف النهار، وكانت نوافذه الخشبية تصدر صريرًا مع كل هبة ريح، وكأنها تهمس بشيء لا يريد أحد سماعه.
في الليلة الأولى، لم يحدث شيء غريب. لكن عند الثالثة فجرًا تمامًا، استيقظ آدم على صوت خافت.
"آدم..."
فتح عينيه بسرعة.
ظن أن الصوت حلم، لكنه سمعه مرة أخرى، هذه المرة أوضح.
"آدم... افتح الباب..."
تتبع الصوت حتى وصل إلى نهاية الممر الطويل. هناك وجد بابًا أسود اللون، مختلفًا عن باقي أبواب المنزل. كان مغطى بطبقة كثيفة من الغبار، ومقفلًا بقفل حديدي صدئ.
في الصباح، بحث عن مفتاح الباب، لكنه لم يجده. وبينما كان ينظف غرفة جده، عثر على دفتر قديم كتب على غلافه:
"لا تفتح الباب الأسود... مهما سمعت."
تردد للحظة، لكنه أغلق الدفتر ساخرًا من الكلمات.
مرت الليلة الثانية.
وعند الثالثة تمامًا، عاد الصوت.
لكن هذه المرة لم يكن وحده.
كانت هناك طرقات بطيئة على الباب.
طق...
طق...
طق...
ثم همسات متداخلة لعشرات الأصوات.
"أنقذنا..."
"لقد طال انتظارنا..."
"افتح الباب..."
شعر آدم بقشعريرة تسري في جسده، لكنه قاوم خوفه وعاد إلى غرفته.
في اليوم التالي، بدأ يسمع خطوات داخل المنزل رغم أنه كان وحيدًا. كانت الأضواء تنطفئ وحدها، والمرايا تعكس ظلالًا لا تقف خلفه.
وفي إحدى الليالي، استيقظ ليجد باب غرفته مفتوحًا، مع أنه أغلقه بإحكام قبل النوم.
وعلى الأرض كانت آثار أقدام سوداء مبتلة، تقوده مباشرة إلى الباب الأسود.
لم يستطع النوم بعدها.
بدأ الفضول يلتهمه.
ظل يبحث حتى وجد مفتاحًا صغيرًا مخبأ داخل ساعة جده القديمة.
وقف أمام الباب.
كان قلبه ينبض بعنف.
تذكر كلمات الدفتر.
لكن الفضول كان أقوى.
أدخل المفتاح.
صدر صوت احتكاك معدني طويل.
ثم انفتح الباب ببطء شديد.
خلفه لم تكن هناك غرفة.
بل ممر مظلم بلا نهاية.
هواء بارد اندفع نحوه، يحمل رائحة عفن قديم وصوت أنين مكتوم.
وفجأة...
خرجت يد شاحبة طويلة أمسكت بذراعه.
صرخ آدم بكل قوته، لكن اليد كانت أقوى.
ثم ظهرت عشرات الوجوه داخل الظلام.
وجوه بلا عيون.
أفواهها مفتوحة بطريقة غير طبيعية.
كانت تبتسم.
همست جميعها بصوت واحد:
"أخيرًا... وجدنا من يفتح الباب."
حاول الهرب، لكن الأرض بدأت تتحرك تحته، وكأن المنزل نفسه أصبح حيًا.
الجدران تنزف مادة سوداء كثيفة.
الصور القديمة سقطت من أماكنها، وأصبحت الوجوه داخلها تنظر إليه.
ثم رأى جده.
كان يقف في نهاية الممر.
لكن وجهه كان شاحبًا وعيناه سوداوين بالكامل.
قال بصوت مكسور:
"قلت لك... لا تفتحه."
ثم اختفى.
وفجأة خرجت المخلوقات من الباب الأسود واحدة تلو الأخرى.
كانت طويلة بشكل غير طبيعي، تتحرك على أطرافها الأربعة، ورؤوسها تدور ببطء حتى أصبحت تنظر إليه من الخلف دون أن تتحرك أجسادها.
هرب آدم خارج المنزل.
ظل يركض حتى وصل إلى الطريق الرئيسي.
وعندما التفت خلفه...
اختفى المنزل بالكامل.
لم يعد هناك أي أثر له.
كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
اعتقد أن الكابوس انتهى.
لكن في الليلة التالية، بينما كان في شقته داخل المدينة، استيقظ في الثالثة فجرًا على نفس الهمسة.
"آدم..."
تجمد في مكانه.
ثم سمع ثلاث طرقات على باب غرفته.
طق...
طق...
طق...
اقترب ببطء.
نظر من ثقب الباب.
لم يكن هناك أحد.
لكن عندما ابتعد...
سمع صوتًا خلفه مباشرة.
"هذه المرة... لن نهرب منك."
استدار بسرعة.
ورأى الباب الأسود...
يقف في منتصف غرفته.
ببطء...
بدأ المقبض يتحرك من الداخل.
ثم...
فُتح الباب.
ولم يُرَ آدم بعد تلك الليلة مرة أخرى.