عندما يرفض العقل الفراق

قصة: جدران من سراب
كانت عقارب الساعة تشير إلى الثالثة صباحاً، والصمت يبتلع غرفته الصغيرة إلا من صوت أنفاسه المتسارعة. «كريم» لم يكن وحيداً في تلك الغرفة، أو هكذا كان يظن.
على المقعد المقابل لسريره، كانت تجلس «ندى». بشعرها المنسدل، وابتسامتها الهادئة التي أحبها دائماً، كانت تعاتبه برقة على قلة اهتمامه، وتعده بأنها لن تتركه أبداً. كان كريم يبتسم، يرد عليها، ويناقشها في تفاصيل يومهما المشترك، ويشكو لها من ثقل غيابها.
لكن الحقيقة الباردة كجليد الشتاء كانت تقبع خارج حدود عقله... ندى رحلت بالفعل منذ عام كامل.
الانفصال الحقيقي
قبل ثلاثمائة وستين يوماً، وضعت ندى نقطة النهاية لقصتهما. قالت له بوضوح إن قطار مشاعرهما قد تعطل، وأنها لم تعد قادرة على الاستمرار في علاقة تستهلك روحها. حزمت حقائبها العاطفية وغادرت، بل وتزوجت وسافرت بعيداً.
عقل كريم لم يحتمل صدمة الفراغ. رفضت خلاياه العصبية فكرة "العدم" التي تركتها خلفها. وبدلاً من مواجهة ألم الفقد، قام دماغه بـ "إعادة تعيين" للواقع.
سينما العقل الباطن
في عالم كريم الخاص، ندى لم ترحل. لقد غضبت قريلاً فقط، وهي الآن تعيش معه في تفاصيل يومه:
في الصباح: يطلب كوبين من القهوة، ويترك أحدهما يبرد على الطاولة حتى يتبخر، مقتنعاً أنها شربت منه رشفة.
في العمل: يرسل رسائل نصية طويلة لرقمه القديم المهجور، ويكتب لنفسه ردوداً يقرأها ويبتسم.
في المساء: يخطط معها لمستقبلهما، ويختار ألوان أثاث بيتهما الوهمي.
كانت قصة حب كاملة، متكاملة، تنمو وتتطور، وتحدث فيها خلافات وصلح... لكنها كانت تحدث داخل جمجمته فقط.
لحظة الارتطام بالواقع
في أحد الأيام، وبينما كان كريم يسير في السوق التجاري، يمسك بيده الهواء ويضحك ملتفتاً لليسار كأنه يكلم شخصاً ما، التقى بصديقه المقرب «طارق».
نظر إليه طارق بشفقة بالغة، وأمسك بكتفيه بقوة هزت كيانه:
"كريم! ارجوك استيقظ.. ندى ليست هنا. ندى تعيش حياتها في قارة أخرى الآن. أنت تقتل نفسك داخل سجن من وهم!"
نظر كريم حوله. فجأة، اختفت ندى من جانبه. تلاشت الابتسامة، وانقشع الضباب عن عينيه ليرى نظرات الشفقة والاستغراب من المارة. سقط كوب القهوة "الثاني" من يده لينكسر على الأرض.
المواجهة
عاد كريم إلى غرفته في ذلك المساء. لم يجد ندى تجلس على المقعد. ولأول مرة منذ عام، لم يحاول عقله اختراعها. بكى كريم كما لم يبكِ من قبل؛ لم يكن يبكي على فراق ندى هذه المرة، بل كان يبكي على موت القصة التي ألفها وحماها داخل رأسه لسنوات.
أدرك أخيراً أن أصعب أنواع الفراق ليس رحيل من نحب، بل هو رحيل الوهم الذي التهم عقولنا ليوهمنا بأنهم ما زالوا هنا.
نصيحة: وازن بين العقل والقلب: لا تدع عاطفتك تلغي شخصيتك المستقلة أو أهدافك الخاصة.
أعطِ مساحة: امنح الطرف الآخر مساحة للتنفس لضمان استمرارية الشغف وتجنب الملل.
تأكد من التقدير: تأكد من أن الطرف الآخر يبادلك نفس القدر من الاهتمام والمشاعر.
حب الذات: اجعل حبك لنفسك أولوية ولا تعلق سعادتك بالكامل على وجود شخص آخر.