المتحف المصري الكبير: أعظم صرح حضاري في القرن الحادي والعشرين
المتحف المصري الكبير: أعظم صرح حضاري في القرن الحادي والعشرين
هل تبحث عن تفاصيل قصة بناء المتحف المصري الكبير وكيف تحول هذا الصرح العالمي من مجرد فكرة في تسعينيات القرن الماضي إلى أكبر متحف مخصص لحضارة واحدة في تاريخ البشرية؟ إن التاريخ المصري القديم يحمل في طياته أسرارًا لم تكشف كاملة بعد، ولكن مع افتتاح هذا المشروع القومي العملاق، أصبح للعالم نافذة حقيقية ومبهرة تطل على عظمة الفراعنة بجوار أهرامات الجيزة الخالدة. في هذا المقال الشامل والمفصل، سنغوص معًا في رحلة عبر الزمن لنكشف تاريخ نشأة المتحف، ومراحل تشييده، وأبرز الكنوز الأثرية التي يضمها بين جدرانه.
ما هي قصة تأسيس المتحف المصري الكبير؟
تعد قصة نشأة المتحف المصري الكبير (Grand Egyptian Museum - GEM) ملحمة وطنية وتاريخية استثنائية بدأت قبل عقود من الزمن. لم يكن قرار بناء هذا المتحف مجرد رغبة في التوسع، بل كان ضرورة ملحة فرضتها الظروف التاريخية للأثار المصرية المكتشفة على مدار القرنين الماضيين.
المتحف المصري بالتحرير، والذي تم افتتاحه عام 1902، كان قد امتلأ عن آخره بآلاف القطع الأثرية الثمينة، وتحولت مخازنه وقاعات عرضه إلى تكدس يعوق الرؤية السياحية المتكاملة، وتحديدًا بعد الاكتشاف التاريخي لمقبرة الملك الذهبي توت عنخ آمون عام 1922 على يد عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر. من هنا، ولدت فكرة إنشاء صرح جديد يستوعب هذه الثروة التاريخية ويعرضها بأسلوب تكنولوجي حديث يحافظ عليها للأجيال القادمة.
المحطات التاريخية الفارقة في بناء المتحف المصري الكبير
مر مشروع بناء المتحف بعدد من المراحل التاريخية والقرارات المصيرية التي ساهمت في تشكيل ملامحه الحالية:
1.انطلاق الفكرة و تتخصيص الارض (1992- 1993)
تعود الفكرة الأولى لإنشاء المتحف إلى وزير الثقافة المصري الأسبق الفنان فاروق حسني في عام 1992. وبناءً على ذلك، صدر القرار الجمهوري رقم 402 لسنة 1992 لتخصيص مساحة واسعة من الأرض تبلغ حوالي 117 فدانًا (ما يعادل 490 ألف متر مربع) في موقع استراتيجي فريد يقع غرب القاهرة بالقرب من هرم خوفو وأهرامات الجيزة الثلاثة، ليربط الماضي العريق بالحاضر والمستقبل.
2. المسابقة المعمارية الدولية لعام 2002
في عام 2002، أطلقت الحكومة المصرية مسابقة معمارية دولية برعاية منظمة اليونسكو لتصميم مبنى المتحف. شارك في المسابقة أكثر من 1550 تصميمًا من 82 دولة حول العالم، مما جعلها ثاني أكبر مسابقة معمارية في التاريخ. وفاز بالتصميم المكتب الهندسي الأيرلندي الشهير (Heneghan Peng Architects)، والذي قدم تصميمًا مستقبليًا يعتمد على خطوط بصرية تتلاقى مباشرة مع قمم الأهرامات الثلاثة. وفي نفس العام وتحديدًا في شهر فبراير، قام الرئيس الأسبق حسني مبارك بوضع حجر الأساس للمشروع.
3. مركز ترميم الآثار و بداية التشييد.
بدأت أعمال التشييد الفعلي على مراحل؛ ففي عام 2010 تم افتتاح "مركز ترميم الآثار" الخاص بالمتحف، والذي يُعد اليوم واحدًا من أكبر وأحدث مراكز حفظ وترميم الآثار في الشرق الأوسط والعالم، حيث خضعت فيه آلاف القطع الأثرية للترميم الدقيق بأيدي خبراء مصريين ودوليين قبل عرضها للجمهور.

الهندسة المعمارية المتحف المصري الكبير
لا يقتصر تميز المتحف المصري الكبير على القطع الأثرية المعروضة بداخله فحسب، بل يُعد المبنى نفسه تحفة معمارية وهندسية فريدة من نوعها:
• الواجهة الزجاجية والمثلثات الفراعية: تتميز واجهة المتحف بتصميمها الذي يحاكي المثلثات الهندسية المرتبطة بالأهرامات، حيث تنساب الإضاءة الطبيعية من خلالها لتضيء البهو العظيم بشكل دراماتيكي مريح للعين.
• الباب الدوار والبهو العظيم: عند دخولك للمتحف، يستقبلك البهو العظيم الذي يتربع في وسطه التمثال العملاق للملك رمسيس الثاني، والذي يبلغ وزنه 83 طنًا وارتفاعه 11 مترًا، حيث تم نقله في موكب مهيب من ميدان رمسيس بوسط القاهرة ليكون أول مستقبل لزوار هذا الصرح التاريخي.
• الدرج العظيم (Grand Staircase): صُمم الدرج العظيم ليكون رحلة بصرية وتاريخية متدرجة، حيث يصعد الزائر من خلاله عبر العصور التاريخية المختلفة لمصر القديمة، ويضم الدرج أكثر من 60 تمثالاً ملكياً ضخماً تم ترتيبها بعناية فائقة لتنتهي ببانوراما زجاجية تطل مباشرة على الأهرامات.
الكنوز والقطع الأثرية الأبرز داخل المتحف
يحتضن المتحف بين جنباته ما يزيد عن 100,000 قطعة أثرية فريدة تغطي فترات ما قبل التاريخ، مرارًا بالعصور الفرعونية المختلفة (القديمة، الوسطى، والحديثة)، ووصولاً إلى العصرين اليوناني والروماني.
مجموعة الملك توت عنخ آمون الكاملة
الحدث الأبرز والأهم الذي يقدمه المتحف المصري الكبير هو عرض المجموعة الكاملة لآثار الفرعون الذهبي الملك توت عنخ آمون مجتمعة في مكان واحد لأول مرة منذ اكتشافها. تبلغ هذه المجموعة حوالي 5,398 قطعة أثرية تشمل القناع الذهبي الشهير، التوابيت الملكية المرصعة بالأحجار الكريمة، العجلات الحربية، الأسرّة الجنائزية، الملابس، والمجوهرات الذهبية الدقيقة، معروضة في قاعتين ضخمتين مجهزتين بأحدث وسائل العرض والتحكم البيئي لحمايتها.

مركب الشمس للملك خوفو
من بين الإنجازات الهندسية الرائعة المرتبطة بالمتحف، عملية نقل مركب الشمس الخاصة بالملك خوفو (التي يبلغ عمرها أكثر من 4500 عام) من موقعها القديم بجوار الهرم الأكبر إلى مبنى مخصص لها داخل المتحف المصري الكبير. تمت عملية النقل باستخدام عربة ذكية يتم التحكم بها عن بعد لضمان عدم تعرض الأخشاب الأثرية الحساسة لأي اهتزازات.

الأهمية السياحية والاقتصادية للمتحف المصري الكبير
يمثل هذا الصرح الثقافي نقلة نوعية كبرى في قطاع السياحة والاقتصاد المصري، حيث يُتوقع أن يستقبل المتحف ما يقرب من 5 إلى 7 ملايين زائر سنويًا. بفضل قربه من مطار سفنكس الدولي وتكامله مع مشروع تطوير هضبة الأهرامات، سيسهم المتحف بشكل مباشر في:
جذب السياحة الثقافية الفاخرة: وتنشيط حركة الطيران والضيافة في منطقة الجيزة وغرب القاهرة.
توفير فرص العمل: عبر توفير آلاف الفرص المباشرة وغير المباشرة للشباب المصري في مجالات الإرشاد السياحي، الإدارة، الخدمات، والترميم الأثري.
تطوير البحث العلمي: من خلال معامل الترميم والمكتبة المتخصصة التي يضمها ليكون مركزًا عالميًا لعلماء المصريات والباحثين من شتى بقاع الأرض.
خاتمة المقال
في النهاية، لا يمكننا النظر إلى المتحف المصري الكبير على أنه مجرد مبنى لعرض الآثار القديمة، بل هو رسالة فخر ووفاء من مصر المعاصرة إلى أجدادها الفراعنة الذين علموا العالم الكتابة، العمارة، والفنون. إنه تجسيد حي لكيفية دمج التكنولوجيا الحديثة مع التراث الإنساني الخالد لإبهار العالم من جديد. نسعد دائمًا بمشاركتكم لآرائكم حول هذا الصرح العظيم في التعليقات، وندعوكم لزيارة أقسام موقعنا "أموالي" لقراءة المزيد من المقالات الثقافية والتاريخية المميزة.