أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

نادينه طارق ، النجم الثاقب...

مقتطف يروي بإسترسال عاطفي طقوس ليلة العيد التي تقاسمت روعتها مع والدي رحمه الله.

نادينه طارق ، النجم الثاقب...
تنبيه لحاله هذا المقال

تم تصنيف هذا المقال كغير مؤهل لتحقيق الدخل وفق معايير المنصة الحالية. لذلك لا تُعرض عليه إعلانات، ولا يظهر ضمن قوائم المقالات العامة أو نتائج البحث داخل المنصة، لكنه يظل متاحًا للقراءة من خلال رابطه المباشر.

لا تعني حالة عدم الأهلية بالضرورة أن المقال مخالف؛ فقد ترتبط بمعايير المحتوى أو جودة الزيارات أو متطلبات تحقيق الدخل المعتمدة في المنصة.

لطالما كان ثاقبا كالنجم المقدس ،إنه طارق أو كما يحلو للجميع مداعبته ب “طروق” …

غادر "طروق" المسجد بعد طول مكوث إمتد من ما قبل رفع آذان صلاة المغرب إلى ما بعد إنقضاء صلاة العشاء ، سويعات قليلة إنغمس خلالها رحمة الله عليه إنغماس الناسك في التعبد و الإبتهال و التجويد و الدعاء و المناجاة ملامسا بأطراف أصابعه سقف النشوة الروحانية ... إرتدى "طروق" نعله الجلدي ثم تخطى عتبة باب المصلى بخطوات ثقيلة و مشية عسكرية على النمط الإستعراضي للجنود السوفيات ، لطالما تميز بمشية مميزة و قامة منتصبة و كتفين بارزتين تمثلتا بوابتان متوازيتان و متناظرتان واحدة شرقية و الأخرى غربية . مشى رحمة الله عليه بأناقة و تناسق في درب مستقيم رأسه مرفوعة إلى السحاب و صدره الواسع مندفع إلى الأمام فراقص الهواء و تمايل معه بكتفيه الهرقليتين ليصور لنا نفسه وكأنه نازل من السماء نحو الأرض سيرا على القدمين . رجل أسمر البشرة ، عسلي العينين ، ضخم الجثة ، قد إشتعلت لحيته و ما تبقى من شعر رأسه شيبا ، مرتديا قميصا ناصع البياض قد فتحت أزراره العلوية و بنطالا قماشيا فضفاضا فتمثل هذا المشهد الأسطوري في أبعاده في شكل لوحة فنية زيتية لا يقوى على بعث ملامحها و تفاصيلها الدقيقة و الغامضة جهابذة الرسم مجتمعين ... هرولنا بجنون نحو باب المنزل عند سماعنا لرنين مفاتيحه المعدنية فتدافعنا و حشرنا من أجل الضفر بشرف تقبيله و معانقته و شم رائحته الطيبة كما جرت العادة العرفية .. فتحنا له الباب فوجدناه واقفا أمامنا بتأمل و كأنه علم بأمرنا ، تعلو محياه إبتسامته الملائكية المعتادة وقد حمل في يده اليمنى كيسا ورقيا إحتوى على قطع من بسكويت الزبدة و اللوز الذي لطالما عشق "طروق" تغميسه في فنجان قهوته و هو يصغي و يردد بلاوعي تام مقاطع من روائع عبد الوهاب فيزور معبد "الكرنك" العظيم و يغتسل من مياه "النهر الخالد" المقدسة ثم يستلقي داخل "الجندول" الخشبي ليتم نزهته الشاعرية تحت ضوء قمر "فيينا" الساحرة ... و في لحظة إستفاقة ملعونة و بينما كنا نتأمله بتمعن و تمحيص ، نهض "طروق" من مجلسه و توجه نحونا فقبلنا و ملأ جيوبنا بعيدية دسمة ثم إستأذن قائلا :"الله غالب ، عندي شغل ، هيا بسرعة إلى النوم ، فقد تأخر الوقت "... آلا لعنة الله على الشغل الذي يكافئ صاحبه بمنية في صندوق هدية فينهش من عزمه و يشرب من مياهه إلى أن تنقطع عن الخرير ثم يستمر في تعذيبه بآدوات رأسمالية متوحشة. ... غادر "طروق" البيت و نحن نرقبه بعيون حزينة فشغل السيارة مرددا "بإسم الله الرحمان الرحيم ، بإسم الله مجراها ، بإسم الله مرساها" ثم إنطلق مبتعدا إلى أن غاب بين أجنحة الظلام الدامس ، غادر و لكنه إصطحبني معه في مخيلته فرافقته دون تردد بين أروقة و أزقة وجداني و مهجتي و خاطري و روحي ..
كم عشقنا أنا و إياه صوت "نجاة الصغيرة" لحظة نزول ستار الليل و حلول الصمت المريب و الكاتم للأنفاس . فالساعة تشير الى العاشرة مساء و نحن لم نقطع سوى ما يقارب الخمسون كيلومترا و لا يزال الدرب ممتدا الى ثلاثة أضعاف ما تقدمناه . كان رحمه الله يقود بسلاسة و روية و هدوء على طريق مظلمة لا يزاحمنا فيها أحد . كانت نظاراته الشمسية السوداء نائمة في الجيب الخارجي لقميصه و كانت ربطة عنقه الرمادية قد أنهت دوام عملها لتستلقي مرتخية بين كتفيه الضخمتين متدلية على قميصه الناصع البياض الذي فتحت أزراره بإنتظام و ترتيب لتكشف عن صدر عريض هو مضيق جبل "الطارق" بالترافق و التلازم مع تلك السيجارة التي صممت على ملازمته في لحظات إسترخائه متخذة من نابه الأيسر منزلا . أطلق رحمه الله العملية معلنا الساعة الصفر فباحت له "نجاة الصغيرة" بما قبع في وجدانها من أحاسيس و مشاعر و عواطف جياشة لكنه بقي صامتا و لم يتفوه بأي حرف يرد به على إعترافات "نجاة الصغيرة" حتى أضربت عن الغناء و ضربت بكل تاريخها و نجاحاتها و إنجازاتها عرض الحائط فوالدي لم يرم مراسلة فؤادها المحترق بنار جميل أسمر و إكتفى بتدخين سيجارة و إحتساء جرعات معدودة من القهوة السادة ... ببساطة كانت هذه ليلة العيد ...

تابع جديد محمد علي المديني

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق