In this article
صاحب الظل الأخير
المطر كان نازل برة بصوت مكتوم، زي ما يكون خايف يزعج السكون اللي خيم على البيت القديم. مروان كان واقف في نص الصالة، ماسك المفاتيح الحديدية اللي بقالها أكتر من عشر سنين متلمستش. البيت ده بتاع جده، مقفول من يوم ما جده اتوفى في ظروف غامضة محدش حب يتكلم فيها لحد النهاردة. مروان جه هنا لسبب واحد: يجهز البيت للبيع عشان يسدد ديونه اللي زادت عن حدها.
شغل الكشاف بتاع تليفونه ونور بيه الصالة. الريحة كانت خليط من التراب، والأوراق القديمة، وريحة الخشب المصوف. بدأ يتحرك بين العفش المتغطي بملايات بيضا زي الأشباح. كل خطوة كانت بتعمل صوت تكة مكتومة على البلاط الموزاييك.
دخل حمام الدور الأرضي عشان يغسل وشه من التراب. فتح الحنفية، المية نزلت صديد بني للأول، وبعدين بدأت تصفى بالتدريج. نزل مروان برأسه وغسل وشه بمية ساقعة بتلج، رفع رأسه وبص في المراية المدورة المصدية اللي قدامه.
وهنا قلبه وقفت دقته.
ضوء الكشاف كان اترمى على الحيطة اللي وراه، وعاكس ظله على المراية. مروان رفعه إيده اليمين عشان يمسح وشّه... بس الظل في المراية مارفعش إيده.
مروان اتجمد في مكانه. رمش بعينيه مرتين وهو مش مصدق. تحرك خطوة لورا... الظل فضّل واقف في مكانه، ثابت، باصص لاتجاه مروان. مروان حاسس ببرودة شديدة بدأت تتسلل من رجله لغاية رقبته، وشعر جسمه كله وقف. مسك تليفونه بيده اللي بظت من الرعب، ونور مباشرة على المراية.
الظل جوة المراية بدأ يتحرك ببطء شديد، تحرك من غير صوت، ومسك قطعة طباشير كانت محطوطة على الرف القديم جنب المراية. وبدأ يكتب على الزجاج المليان بخار ومية.
الكتابة كانت بتظهر قدام عينين مروان كأن إيد خفية بترسمها: “ما تخرجش من البيت ده... لو خرجت، أنا الليهطلع مكانك.”
مروان صرخ بصوت مكتوم ورمى التليفون من إيده، التليفون اتقلب على الأرض والنور بقى يضرب فوق وتحت. جرى ناحية باب الحمام، مسك الأكرة وشدها بكل قوته... الباب كان مقفول. المقبض بيلف في الفراغ زي ما يكون حد ماسكه من الناحية الثانية.
"افتح! افتح ياللي برة!" صرخ مروان وهو بيخبط بكتفه على الباب الخشبي التقيل.
الهدوء ساد لحظة، وبعدين سمع صوت همس قريب جداً من ودانة اليمين، نفس دافي حاسس بيه على رقبته: “أنا مش برة يا مروان... أنا اللي جوة.”
التفت مروان ببطء ورعشة. المراية كانت اتكسرت نصين، ومن نص الكسر، كان الظل بيخرج... مش مجرد ضل على الحيطة، ده كان تجسد كامل لظل أسود حاد، ملوش ملامح غير عينين بيضا بتلمع بنور مرعب.
مروان اتسند على الباب وبدأ يتنفس بسرعة. الظل بدأ يقرب منه خطوة خطوة، وفي كل خطوة كان أرضية الحمام بتبصم بسواد حبر خفيف.
"جيدك حاول يهرب قبلك بنفس الطريقة..." الظل اتكلم بصوت شبيه بصوت مروان بالظبط، بس مكتوم وكأنه جاي من تحت الأرض. “البيت ده مش بيتك، البيت ده السجن اللي محبوس فيه ظلك الأصلي، وأنت مجرد نسخة خايبة عاشت برة كتير.”
مروان حاول يفتكر أذكار، حاول يصرخ، بس لسانه اتعقد. الظل مد إيده المظلمة ولمس صدر مروان مكان قلبه بالظبط. في اللحظة دي، مروان حس برطوبة وساقعة شلّت حركته تماماً. عينيه بدأت تظلم، وبدأ يشوف جسمه هو نفسه من وجهة نظر تانية... كان بيشوف جسم مروان واقف، وبيبتسم ابتسامة خبيثة، بينما هو نفسه بيتحول لخيالات سودا بتتسحب جوة الزجاج المكسور بتاع المراية.
أخيراً، الباب اتفتح لوحده.
مروان (أو الكائن اللي بقى جوة جسم مروان) عدل لياقة قميصه، بصل للمراية المكسورة، وابتسم للظل المحبوس جوة الزجاج. أخد مفاتيح البيت من على الأرض، وخرج للشارع وهو بيتنفس الهواء العليل لأول مرة من خمسين سنة، وساب مروان الحقيقي يصرخ من غير ما حد يسمعه، من ورا الزجاج
للكاتبه :Rofida mohmed
Keep up with Rofida mohmed
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article

Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment