في هذا المقال

“ لَكِنّها المسافاتُ يا سادة ”
ذاتَ مَرّةٍ سألتُ صَديقَتي عَبرَ الهاتِف : لِماذا أراكِ تَكتُمينَ عَنّي ما يُؤلِمُك ، وَ أنا لَم أعتَد مِنكِ الكِتمانَ يَومَاً ؟!فَأجابَت باقتِضاب : لاأرغَبُ في التّحدُّث ، اتركيني الآن .سَكتُّ قليلاً ثُمّ سألتُها بعدَ تَرَدُّد : لَو كُنتُ أمامَكِ الآن ، و عانَقتُكِ عِناقاً طَويلاً ؛ هَل كُنتِ لِتَبتَعدي عَنّي ، و تَرفُضي التّحدُّثَ كما الآن ؟فَأجابَت بالنّفي .فَسَألتُها بصوتٍ مُتَألّمٍ : إذن لماذا تَرفُضينَ التّحَدُّثَ الآن ، بَينما أنا عاجِزةٌ عنِ الوصولِ إليكِ ؟فَكانَ رَدُّها صَمتاً طويلاً ، كانَ ذلكَ الصَّمتُ بِمثابَةِ صفعةٍ تُذَكِّرُني بالحَقيقةِ الّتي لا طالما حاولت الهروبَ مِنها ، حَقيقَةُ أنّي عاجِزَةٌ عَن لِقاءِ صَديقَتي الوَحيدَة .
“ضيفتي المميزة ”
مِن أحب الفُصولِ إلى قلبي ؛ فَصلُ الخريف ، أنتَظِرُهُ بِفارِغِ الصَّبر ، فَلَيالِيه البارِدَةُ تَعني ليَ الكَثير !في كُلِّ لَيلَة ، وَ بعدَ مُنتَصَفِ اللَّيل ، أنتَظِرُ ضَيفَتي المُمَيَّزَة ، آه ؛ ها هي قَد أتت ، تِلكَ الرِّياحُ غَيرُ صَبورَةٍ أبداً ! ، تَطرُقُ نافِذَتي كُلَّ لَيلة ، أحياناً بِلُطفٍ وَ خِفّة ، وَ أحياناً أخرى أشعُرُ أنّها قد تُحَطِّمُ النّافِذَةَ فوقَ رأسي !
ها أنا ذي ، ألا يُمكِنُكِ الانتظار قليلاً ؟ وَلكِن لا بأس ، فأنتِ في النِّهايةِ رَفيقَتي في ليالي الخَريف ، وَ مِرسالي الصّامِت ، و لكن قبل أيّ شيء ، أخبريني ؛ أينَ كُنتِ اليَوم ؟ وَ إلى أيُّ بِلادٍ ذهبتِ ؟ كَم قَطَعتِ مِنَ المسافاتِ يا تُرى ؟
“ ماذا لو كنتُ رياحاً فَحَسب! ”
أغبِطُكِ حَقّاً ؛ فَأنتِ حُرَّةٌ طَليقة ، تَزورينَ أيّ مَكانٍ في أيّ زمانٍ ، ولا تحتاجينَ تَذكرةَ طَيرانٍ ،أحياناً أتمنّى لو أنّي كُنتُ رياحاً فَحَسب ، حينها ؛ كُنتُ لِأذهَبَ حيثُ رَفيقَتي وَ صَديقَتي الوَحيدَة ، وَ الّتي تَبعُدُ عَنّي بِلاداً ، كُنتُ لِأُسرِعَ إليها في الحال ، كُنتُ لِأُجاوِرها لِلأَبَد ، وَ أضحَك في وَجهِ المسافاتِ وَ أُخبِرها : الآنَ لَن تستَطيعي التَّفريقَ بَيننا مهما فَعَلتِ .
“ أخبريني رجاءً! ”
أَخبريني عَزيزَتي الرِّياح ، هَل زُرتِ صَديقَتي اليَومَ كما اتّفقنا ؟ هَل مَرَرتِ بِها في إحدى جَولاتِك ؟ تُرى ، هَل كانَت بِخَير ؟ أتأكُلُ جَيِّداً ؟ أنا أَعرِفُها تِلكَ الفتاة ، تَتَصَرّفُ بِلامُبالاة ولا تَهتَمُّ بِصِحَّتِها ، أكادُ أجزِمُ أنّها نَسَت أن تَأكُلَ مُنذُ اللَّيلةِ المَاضية ، هَل .. هَل كانَت حَزينَةً اليَوم ؟ أنا لا أشعُرُ أنّها على ما يُرامُ هذه الأيّام ، رُبّما أحزَنها أحَدُهُم ! إِذن عَزيزَتي الرِّياح ، بِما أنّي لا أستَطيعُ الوُصولَ لِذلك ال ( أحَدُهُم ) وَ أوسِعَهُ ضَرباً ، سَتَقومينَ بِذَلك مِن أجلي صَحيح ؟ ، أُريدُكِ أن تُعاقبيهِ لِأجلي حَتّى يَتوَقّف عَن إحزانِ صَغيرَتي مُجدّداً !
“سافري بصوتي إليها و أخبريها...”
و الآن يا مِرسالِيَ الصّامِت ، أريدكِ أن تَنقلي ما سأُخبِرُكِ به إلى صَديقَتي ، أريدُكِ أن تنقلي صَوتي لها ، أوَلَستِ تَنقلينَ صدى الصّوتِ إلى أبعَدِ مدًى مُمكِن ؟ظَنَنتُ أنّه رُبّما يَصِلها صوتي عَبركِ ، أنّه ربّما إن حاولتُ فقد يُسافِرُ صَوتي يَومَاً إليها ، أخبريها أنّي أفتقِدُها ، وَ أنّني في غيابها أشعُرُ بالوحدةِ بَينَ الجَميع ، أخبريها أنّي أبحَثُ عَن طَيفِها بَين وُجوهِ الجَميع ، عن أيّ أثرٍ لها هُنا أو هناك ، لكِنّها فَريدةٌ في هذا العالم ، أشباهُها الأربعون ورودٌ بَنَفسَجِيّة ، وَ فراشاتٌ رقيقَة ، وَ بُستانُ زُهور ، أخبريها أنّي أشعُرُ بالخواء يَعتمِرُ صَدري في غيابها ، و أنّني كُلّما رأيتُ صديقاتٍ يَسرنَ معاً و يتضاحَكن ، أفتقدها في تلكَ اللّحظَةِ أكثَر مِن أيّ شيء ، وَ أشعُرُ بِحاجةٍ مُلِحَّةٍ لِلعَودَةِ إلى غُرفتي و الانفراد بنفسي في انتظارِ لُقياها ، و أخبريها رجاءً ، أنّني كُلّ ليلةٍ وَ قَبل النّوم ، أتَخَيّلُ لِقاءنا الأول ، وَ أضَعُ الخطط له حتّى أغفو ، و أنّي أنتظر أول لِقاءٍ لنا ؛ كَي لا أُفلِتَ يَدها أبداً .
تابع جديد خديجة حسان
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق