لغز السفينة الملعونة ماري سيلست
البحر مبيحكيش أسراره، والرحلة اللي بدأت في نوفمبر 1872 مكنتش مجرد رحلة تجارية عادية، دي كانت بداية لواحدة من أغرب القصص في تاريخ البشرية. لما بنتكلم عن "ماري سيلست"، إحنا مش بنتكلم عن سفينة غرقت، إحنا بنتكلم عن سفينة "عاشت" ومات كل اللي عليها في ظروف خلت العقل البشري يقف عاجز عن التفسير.
البداية من نيويورك.. رائحة الخشب والكحول

في ميناء نيويورك المزدحم، كانت ماري سيلست واقفة بكل شموخ. سفينة ضخمة طولها حوالي 31 متر، بتستعد لنقل شحنة عملاقة من الكحول الصناعي (حوالي 1701 برميل) متجهة لإيطاليا. القبطان بنيامين بريجز كان بيشرف على كل صغيرة وكبيرة. بريجز مكنش مجرد بحار، ده كان راجل "بيفهم في الأصول"، متدين، صارم، وعنده سجل نظيف مفيش فيه غلطة واحدة.
المرة دي الرحلة كانت مختلفة بالنسبة لبريجز، لأنه قرر ياخد معاه زوجته "سارة" وبنته الصغيرة "صوفيا". سارة كانت ست مثقفة وبتحب العزف على البيانو، وصوفيا كانت طفلة عندها سنتين، ضحكتها كانت بتملأ المكان. الطاقم المكون من 7 بحارة تم اختيارهم بالاسم، رجالة "سد" ومجربين في أعتى العواصف. الكل كان متفائل، ومحدش كان يتخيل إن الرحلة دي هي تذكرة ذهاب بلا عودة.
الشبح الذي يطفو فوق الماء

بعد شهر تقريباً من إبحار ماري سيلست، وتحديداً في 5 ديسمبر 1872، كانت السفينة "دي جراتيا" ماشية في نفس المسار. القبطان ديفيد مورهاوس لمح شراع من بعيد بيتحرك بشكل يخلي أي بحار قلبه ينقبض. السفينة كانت "ماري سيلست". مورهاوس كان عارف السفينة وعارف قبطانها، فاستغرب جداً إنها ماشية ببطء غريب وفي اتجاه مش مفهوم.
نزل مورهاوس فريق من البحارة عشان يستكشفوا الوضع. لما طلعوا على ظهر السفينة، لقوا مشهد ميتنسيش. السفينة كانت هادية جداً، هدوء مرعب. مفيش أثر لأي صراع، مفيش بقع دم، مفيش أي علامة إن فيه قرصنة حصلت. لكن الصدمة الحقيقية كانت لما نزلوا للغرف تحت. لقوا الأكل لسه في المطبخ، والهدوم متعلقة، والسرير بتاع الطفلة صوفيا كان "دافي" كأنها كانت نايمة فيه من دقايق. لكن الحقيقة المرة إن مكنش فيه ولا بني آدم على السفينة. الـ 10 أرواح اختفوا كأن الأرض انشقت وبلعتهم.
لغز الدفتر المفتوح والحقيقة المفقودة
البحارة لقوا "دفتر اللوج" الخاص بالسفينة مفتوح على آخر تدوينة بتاريخ 25 نوفمبر. يعني السفينة فضلت ماشية لوحدها في المحيط لمدة 9 أيام كاملة من غير ما حد يلمس الدفة! الإحداثيات كانت بتقول إنهم كانوا قريبين من جزيرة سانتا ماريا. طيب إيه اللي حصل في الـ 9 أيام دول؟ وإيه اللي يخلي طاقم محترف يسيب سفينة سليمة زي دي ويهربوا في قارب النجاة الوحيد اللي كان مفقود؟
هنا بدأت التفاصيل الصغيرة تبان. لقوا إن فيه كمية مياه بسيطة في قاع السفينة، لكنها متغرقهاش أبداً. ولقوا إن البوصلة كانت محطمة، وورق السفينة المهم كله مفقود ما عدا "دفتر اللوج". كأن القبطان بريجز قرر يهرب بسرعة البرق وخد معاه الحاجات اللي تثبت هويته ومسار رحلته.
محاكمة جبل طارق.. حينما يصبح المنقذ متهماً
لما مورهاوس سحب السفينة لميناء جبل طارق، الدنيا اتقلبت. المدعي العام البريطاني "سولومون فلود" كان راجل شكاك جداً. مكنش مصدق إن فيه 10 أشخاص يختفوا كدة "فص ملح وذاب". بدأ يحقق مع طاقم "دي جراتيا" وكأنهم مجرمين. اتهمهم إنهم قتلوا بريجز وطاقمه عشان ياخدوا مكافأة الإنقاذ.
المحكمة فحصت كل ركن، لقوا سيف تحت سرير بريجز وعليه بقع غامقة، صرخوا وقالوا "ده دم!". لكن بعد التحليل، اكتشفوا إنه مجرد صدأ. فحصوا مقدمة السفينة ولقوا علامات تقطيع، قالوا "دي سيوف!". وطلعت في الآخر مجرد خشب متآكل من الميه. المحاكمة استمرت شهور، وفي الآخر ملقوش أي دليل يدين مورهاوس، لكن الشك فضل ملاحقه طول عمره، والمكافأة اللي خدها كانت فتات ميكفيش تعبه.
النظرية الأكثر رعباً.. انفجار الروح
تعال نغوص في اللي حصل بجد حسب رأي الخبراء اللي حللوا القصة دي لسنين. فاكر الـ 1701 برميل كحول؟ لما المحققين عدوهم، لقوا 9 براميل فاضية. الكحول الصناعي اللي كان فيها اتسرب وبدأ يعمل أبخرة سامة وقابلة للانفجار تحت حرارة الشمس.
تخيل القبطان بريجز، وهو واقف مع بنته ومراته، وفجأة يسمع صوت "هسيس" طالع من المخزن، ويشم ريحة قوية جداً. بريجز خاف إن السفينة تتحول لكتلة لهب في ثانية. بصفته أب وقبطان مسؤول، أمر الكل ينزلوا قارب النجاة فوراً. وبسبب سرعته، مربوطش القارب بحبل قوي، أو ربطه بحبل خفيف وسابوه ورا السفينة عشان يراقبوا الموقف من بعيد.
في اللحظة دي، المحيط قرر ينهي اللعبة. هبت رياح قوية فجأة، السفينة "ماري سيلست" اللي شراعها كان مرفوع، جرت مع الريح. الحبل اتقطع، والقارب الصغير اللي فيه 10 أنفس فضل في مكانه، والكل بيتفرج برعب على السفينة وهي بتبعد عنهم وميقدروش يلحقوها. ماتوا كلهم من الجوع والبرد في وسط الضياع، والسفينة كملت طريقها كأنها "نعش" طائر فوق الميه.
اللعنة التي لا تنتهي
ماري سيلست مكنتش سفينة محظوظة. قبل الرحلة دي، كانت اسمها "أمازون" وحصلت عليها حوادث كتير ومات أول قبطان ليها. وبعد حادثة بريجز، السفينة فضلت تتنقل من إيد لإيد، وكل مالك جديد كان بيخسر فلوسه أو بيموت في حادثة، لحد ما في الآخر واحد نصاب قرر يغرقها عمداً عشان ياخد تأمينها، لكنه اتكشف واتسجن ومات وهو فقير.
قصة ماري سيلست هتفضل هي "الثقب الأسود" في تاريخ البحار. مفيش جثة واحدة ظهرت، مفيش رسالة في زجاجة وصلت، مفيش أي حد حكى إيه اللي حصل في اللحظات الأخيرة. الحقيقة الوحيدة اللي باقية هي إن السفينة دي قدرت تهزم الزمن وتفضل عايشة في خيالنا كأكبر لغز بحري في التاريخ الإنساني.