حين يتكلم التراب ..حكايه وطن لاينكسر
عنوان القصة: حين يتكلم التراب… حكاية وطن لا ينكسر
في أحد الأزقة القديمة بمدينة صنعاء، حيث البيوت الطينية المزخرفة بالنوافذ الملوّنة، كان يعيش فتى يُدعى ياسر. لم يكن ياسر مختلفًا عن بقية الأطفال، سوى أنه كبر أسرع من عمره بكثير. فالأيام في اليمن لم تعد تُقاس بالساعات، بل بالأحداث.
كان والده مدرس تاريخ، يؤمن أن الأمم التي تعرف ماضيها لا تموت. كثيرًا ما جلس معه يحدثه عن حضارات اليمن القديمة، عن سبأ وحمير، وعن الأرض التي كانت تُسمى يومًا "العربية السعيدة". كان يقول له:
“يا بني، هذا الوطن مرّ بعصورٍ أشد مما نراه اليوم، لكنه بقي.”
لكن الواقع كان قاسيًا. المدرسة أغلقت أبوابها أكثر من مرة، والراتب انقطع أشهرًا طويلة. صار والد ياسر يعمل بعد الظهر في بيع الكتب القديمة في السوق، محاولًا أن يحافظ على كرامته وكرامة أسرته. كانت الأم تخبز الخبز في التنور، وتبيع بعضه للجيران. لم يكن هناك ترف، لكن كان هناك عزّة.
في الحي نفسه، كانت تعيش أسرة نزحت من مدينة تعز بسبب الاشتباكات. أصبحوا جيرانًا لياسر، وتقاسموا معهم السطح والماء، وحتى الأحزان. تعرّف ياسر على صديقه الجديد عمار، الذي فقد منزله لكنه لم يفقد ابتسامته. كانا يجلسان فوق السطح ليلًا، يتأملان السماء التي لم تتغير رغم كل شيء.
قال عمار ذات ليلة:
“هل تظن أن الحرب ستنتهي قريبًا؟”
أجابه ياسر وهو ينظر إلى النجوم:
“لا أعلم متى… لكني أعلم أنها لن تبقى للأبد.”
مرت الأيام، واشتدت الأزمات. انقطاع الكهرباء أصبح أمرًا معتادًا، والماء يصل مرة كل أسبوعين. كان الناس يقفون في طوابير طويلة أمام شاحنات المياه. ومع ذلك، لم تختفِ روح التكافل. الجار يساعد جاره، والناس يتقاسمون القليل قبل الكثير.
ذات صباح، سمع الحي دويّ انفجار بعيد. ارتجفت القلوب، وأغلقت الأمهات الأبواب سريعًا. جلس ياسر بجانب أمه، فرآها ترفع يديها بالدعاء بصمت. أدرك حينها أن قوة اليمن ليست في سلاح، بل في إيمان أمهات لا يتعبن من الدعاء.
بعد أشهر، أعلنت إحدى المدارس عن فتح أبوابها بدعم من متطوعين. عاد ياسر وعمار إلى مقاعد الدراسة، بكتب قديمة ودفاتر مستعملة، لكن بقلوب جديدة. شعر ياسر أن كل حرف يتعلمه هو لبنة في بناء المستقبل.
في أحد الدروس، طلب المعلم من الطلاب أن يكتبوا موضوعًا عن أحلامهم. كتب ياسر:
“أحلم أن أرى اليمن بلدًا آمنًا، تُفتح فيه المدارس بلا خوف، وتُضاء شوارعه بلا انقطاع، ويعود فيه كل نازح إلى بيته. أحلم أن أكون جزءًا من هذا التغيير.”
قرأ المعلم الكلمات بصوتٍ عالٍ، وساد الصمت الفصل. لم تكن مجرد أمنية طفل، بل كانت أمنية وطن كامل.
ومع مرور السنوات، بدأ الأمل يكبر في قلوب الشباب. ظهرت مبادرات صغيرة لتنظيف الشوارع، ودورات تعليمية مجانية، ومشاريع شبابية بسيطة تعيد الحياة للأسواق. لم يكن التغيير كبيرًا، لكنه كان حقيقيًا.
في مساء هادئ، وقف ياسر على تلة تطل على المدينة. كانت الأضواء قليلة، لكن بعضها عاد يلمع من جديد. تذكّر كلمات والده: “الأمم التي تعرف ماضيها لا تموت.”
ابتسم وقال في نفسه:
“واليمن… لن يموت.”
لأن هذا الوطن، رغم الجراح، يحمل في ترابه تاريخًا، وفي شعبه صبرًا، وفي شبابه حلمًا لا ينكسر.
وكل فجرٍ جديد، مهما كان خافتًا، يهمس في أذن الأرض:
“ما زال في القلب نبض… وما زال في اليمن حياة.”