خمسة أيام على عرش العالم… الإمبراطور الذي ابتلعته المؤامرات قبل أن يجف حبر تتويجه

خمسة أيام على عرش العالم… الإمبراطور الذي ابتلعته المؤامرات قبل أن يجف حبر تتويجه
عندما نتحدث عن من “حكم العالم”، فإننا نشير إلى الإمبراطورية الرومانية، تلك القوة العظمى التي امتدت حدودها عبر أوروبا وأجزاء من آسيا وأفريقيا. روما لم تكن مجرد مدينة، بل كانت مركز القرار السياسي والعسكري والاقتصادي للعالم القديم. وعلى عرشها جلس عظماء مثل أغسطس الذي أسس النظام الإمبراطوري، وقسطنطين الأول الذي غيّر وجه التاريخ باعتناقه المسيحية. لكن بين هؤلاء العظماء، ظهر اسم يكاد يضيع بين صفحات التاريخ: بيترونيوس ماكسيموس.
في عام 455م، كانت الإمبراطورية الرومانية الغربية تعيش أيامها الأخيرة. الصراعات الداخلية أنهكتها، والجيوش لم تعد بالقوة التي كانت عليها، والقبائل الجرمانية تحيط بها من كل جانب. في هذا المناخ المتوتر، قُتل الإمبراطور فالنتينيان الثالث في عملية اغتيال هزّت أركان الدولة. تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن ماكسيموس نفسه كان ضالعًا في المؤامرة، مدفوعًا بطموحه العارم للوصول إلى العرش.
كان بيترونيوس ماكسيموس من كبار الأرستقراطيين، شغل مناصب رفيعة، وتمتع بثروة ونفوذ واسعين داخل مجلس الشيوخ الروماني. وبعد اغتيال الإمبراطور، استغل الفراغ السياسي بسرعة مذهلة، وأعلن نفسه إمبراطورًا بدعم بعض النخب السياسية والعسكرية. ولم يكتفِ بذلك، بل أجبر الإمبراطورة الأرملة على الزواج منه، في محاولة لإضفاء شرعية على حكمه وتثبيت أقدامه فوق العرش.
لكن هذه الخطوة كانت الشرارة التي أشعلت النهاية.
كان للامبراطورية تحالف مع الوندال، إحدى أقوى القوى البحرية في البحر المتوسط آنذاك، بقيادة الملك الطموح غايسريك. كان هناك اتفاق مصاهرة بين بيت الإمبراطور السابق والوندال، وعندما استولى ماكسيموس على الحكم وألغى تلك الترتيبات، اعتبر غايسريك ذلك خيانة صريحة.
لم يتأخر الرد. جهّز غايسريك أسطولًا ضخمًا وأبحر نحو إيطاليا. ومع اقتراب سفنه من سواحل روما، بدأ الذعر ينتشر بين السكان. لم يكن لدى ماكسيموس الوقت الكافي لتأمين المدينة أو تنظيم دفاع حقيقي. فجأة وجد نفسه إمبراطورًا بلا جيش قوي، وبلا دعم شعبي حقيقي، وبلا خطة واضحة.
عندما علم أن الوندال على الأبواب، قرر الفرار. وهنا تكشف القصة عن هشاشة السلطة التي قامت على المؤامرة. فبينما كان يحاول الهرب من المدينة متخليًا عن شعبه، ثار عليه بعض الجنود أو السكان الغاضبين. هاجموه ورجموه بالحجارة حتى الموت، ثم ألقوا جثته في نهر التيبر. لم يُمنح حتى جنازة تليق بإمبراطور.
خمسة أيام فقط… كانت كل ما احتاجه التاريخ ليحكم على تجربته بالفشل.
بعد مقتله، دخل الوندال روما ونهبوها لمدة أسبوعين كاملين، في واحدة من أكثر عمليات النهب شهرة في التاريخ. تحولت المدينة العظيمة إلى ساحة فوضى، وأصبح اسم ماكسيموس مرتبطًا بأحد أكثر فصول الانهيار إذلالًا في تاريخ روما.
قصة الرجل الذي حكم العالم خمسة أيام فقط ليست مجرد حادثة عابرة، بل درس عميق في طبيعة السلطة. فالعرش الذي يُبنى على الخيانة قد يسقط قبل أن يستقر، والطموح حين ينفصل عن الحكمة يتحول إلى سيفٍ يرتد على صاحبه. في لحظةٍ كان بيترونيوس ماكسيموس سيد العالم الروماني، وفي لحظة أخرى أصبح ذكرى مأساوية تُروى كتحذير لكل من يظن أن القوة وحدها تكفي للبقاء.