
السفينة المهجورة من اقدم تاريخ بالعالم
لغز السفينة الشبح: ماري سيليست
في صباح بارد من ديسمبر عام 1872، أبحرت سفينة بريطانية تُدعى دي غراسيا عبر المحيط الأطلسي، عندما لمح طاقمها سفينة أخرى تتهادى بلا وجهة وسط الأمواج. كانت هذه السفينة هي ماري سيليست، واحدة من أكثر الألغاز البحرية غموضًا في التاريخ.
اكتشاف السفينة المهجورة

عند اقتراب سفينة دي غراسيا، لاحظ البحارة أن ماري سيليست كانت تتحرك ببطء، كما لو كانت تُبحر دون قائد. لم تكن هناك إشارات استغاثة، ولم يكن هناك طاقم على سطح السفينة. قرر القبطان يفيد مورهاوس إرسال مجموعة من رجاله للصعود على متن السفينة المهجورة لمعرفة ما يجري.
عند دخولهم، وجدوا أن السفينة سليمة تمامًا، ولم تكن هناك أي أضرار جسيمة تدل على عاصفة أو هجوم. كانت المؤن موجودة، والمياه العذبة متوفرة، وشحنة الكحول الصناعي التي كانت تحملها السفينة لا تزال في مكانها. الأغرب من ذلك، أن ممتلكات الطاقم الشخصية، مثل الملابس والأحذية والكتب، ظلت كما هي، وكأن أفراد الطاقم اختفوا فجأة دون أي تفسير واضح. ومع ذلك، كان قارب النجاة الوحيد مفقودًا، مما يشير إلى أن الطاقم ربما غادر السفينة طوعًا.
التحقيق في اللغز
تم قطر ماري سيليست إلى جبل طارق، حيث جرى تحقيق رسمي في القضية. نظر القاضي والمسؤولون في عدة فرضيات، لكن لم يتمكن أي منهم من تقديم تفسير نهائي لاختفاء الطاقم. بعض النظريات أشارت إلى احتمال حدوث شغب أو جريمة على متن السفينة، لكن لم يكن هناك دليل على قتال أو عنف. كما أن القبطان بنيامين بريجز كان معروفًا بأنه رجل هادئ ومتزن، ولم يكن هناك أي سبب منطقي يدفعه أو أفراد طاقمه إلى الهروب وترك السفينة.
خلال التحقيق، تم فحص السفينة بعناية. لم تكن هناك تسريبات مائية خطيرة، ولم يكن هناك أي مؤشر على تعرضها لهجوم قرصنة. حتى الطعام على متن السفينة كان لا يزال صالحًا للأكل، مما زاد من غموض القضية.
نظريات حول اختفاء الطاقم
١- تسرب أبخرة الكحول وانفجار محتمل
إحدى أكثر الفرضيات منطقية تفترض أن أبخرة الكحول المتبخرة من البراميل الموجودة في الشحنة قد تسببت في حالة من الذعر. ربما خشي القبطان والطاقم من انفجار السفينة بسبب تسرب الأبخرة القابلة للاشتعال، فقرروا مغادرة السفينة على متن قارب النجاة، لكنهم لم يتمكنوا من العودة إليها لاحقًا بسبب الظروف الجوية.
٢- القرصنة أو التمرد
تحدث البعض عن احتمال تعرض السفينة لهجوم من قراصنة، لكن هذه النظرية ضعيفة لأن القراصنة عادة ما ينهبون السفن، في حين أن جميع ممتلكات الطاقم والشحنة الثمينة ظلت سليمة. أما فرضية التمرد الداخلي، فتعتمد على احتمال نشوب خلاف بين الطاقم وقبطان السفينة، مما أدى إلى مغادرتهم، ولكن لا توجد أي دلائل تشير إلى وجود صراع عنيف على متنها.
٣- موجة عاتية أو إعصار مفاجئ
نظريات أخرى تشير إلى أن السفينة قد واجهت موجة ضخمة أو إعصارًا مفاجئًا، مما دفع الطاقم إلى مغادرتها سريعًا على متن قارب النجاة، لكنهم لم يتمكنوا من العودة لاحقًا. لكن السفينة لم تظهر عليها أي علامات واضحة تدل على تعرضها لظروف جوية قاسية.
٤- هجوم من مخلوق بحري عملاق
من النظريات التي طرحتها بعض الصحف في القرن التاسع عشر أن السفينة ربما تعرضت لهجوم من مخلوق بحري عملاق، مثل الحبار الضخم أو نوع من الكائنات البحرية غير المعروفة، مما أجبر الطاقم على الفرار. رغم أن هذه النظرية تبدو خيالية، إلا أن البحارة في تلك الحقبة كانوا يعتقدون بوجود مخلوقات بحرية هائلة لم يتم اكتشافها بعد.
٥- اختطاف من كائنات فضائية أو عبور إلى بُعد آخر
من بين الفرضيات الغريبة التي طرحت في العصر الحديث أن طاقم السفينة ربما تعرض لاختطاف من قبل كائنات فضائية، أو أنهم دخلوا في بوابة زمنية نقلتهم إلى بُعد آخر. بالطبع، هذه النظريات ليست مدعومة بأي دليل علمي، لكنها تزيد من الغموض المحيط بالقضية.
ماذا حدث للسفينة بعد ذلك؟
بعد العثور على ماري سيليست، تم سحبها إلى جبل طارق لإجراء تحقيق رسمي، لكن المحكمة البحرية لم تتمكن من تحديد سبب الاختفاء. تم بيع السفينة لاحقًا، لكنها لم تستطع التخلص من سمعتها الغامضة. تعرضت لحوادث متكررة، وانتهى بها المطاف غارقة قبالة سواحل هايتي عام 1885، بعد أن حاول مالكها إغراقها عمدًا للحصول على تعويض التأمين.
لماذا يظل اللغز حيًا حتى اليوم؟
ما يجعل قصة ماري سيليست مثيرة هو عدم وجود تفسير نهائي لما حدث. فلو كان الطاقم قد غادر السفينة بمحض إرادته، فلماذا لم يعثر أحد على أي أثر لهم؟ وإن كانت كارثة طبيعية أو تمردًا، فلماذا لم تظهر أي علامات تدل على ذلك؟
ظل هذا اللغز حيًا في الأدب الشعبي ووسائل الإعلام، حيث استُخدمت القصة في العديد من الروايات والأفلام والمسلسلات الوثائقية. البعض يرى أنها مجرد حادثة بحرية عادية، بينما يراها آخرون كواحدة من أعظم الألغاز البحرية التي لم تُحل أبدًا.
خاتمة: هل يمكن حل اللغز؟
بعد مرور أكثر من 150 عامًا على اكتشاف ماري سيليست، لا يمحي العالم مندهشًا ومستغربأ من هذه القصة الغامضةالمهزوله. هل كان هناك سبب منطقي وراء اختفاء الطاقم؟ أم أن هناك قوى خفية تتلاعب بالمصير؟
ومن رغم كل المحاولات والمصاعب لكشف الحقيقة، لا تمحي ولا تزال السفينة ماري سيليست تبحر في صفحات التاريخ كواحدة من أعظم الألغاز في العالم التي لم يُفك شفرتها حتى اليوم.




