مأرب العظيمة: مهد الحضارة السبئية وهندسة البقاء في جنوب الجزيرة

مأرب العظيمة: مهد الحضارة السبئية وهندسة البقاء في جنوب الجزيرة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

مأرب العظيمة: مهد الحضارة السبئية وهندسة البقاء في جنوب الجزيرة

image about مأرب العظيمة: مهد الحضارة السبئية وهندسة البقاء في جنوب الجزيرة

1. مأرب.. الميناء البري وجسر القوافل: تأسست مدينة مأرب في شرق اليمن لتكون نقطة ارتكاز إستراتيجية ومحطة استراحة كبرى لقوافل التصدير اليمنية القديمة. لقد كانت المدينة عصب التجارة العالمية، حيث تتدفق عبرها المنتجات الثمينة من بخور ولبان وعطريات، وأحجار كريمة كالعقيق اليماني والياقوت، ومعادن نادرة كالذهب والفضة والحديد الذي صُنعت منه "السيوف اليمانية" الذائعة الصيت. ومن مأرب، كانت هذه الخيرات تنطلق لتصل إلى حوض البحر المتوسط عبر ميناء غزة، وإلى الهند وشرق آسيا عبر موانئ الجنوب والخليج، مما جعلها واحدة من أغنى مدن العالم القديم.

2. مأرب وتمنع.. صراع العراقة والتاريخ: وصف الرحالة والباحثون مأرب بأنها كانت المركز الأهم للحضارة والثقافة في جنوب الجزيرة العربية، ويرجع تاريخها إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام. وبمقارنتها بمدينة "تمنع" عاصمة مملكة قتبان، يتبين أن مأرب كانت تفوقها بعشرة أضعاف مساحةً وأهمية، مما يؤكد أنها أقدم عهداً وأرسخ أساساً. ورغم غموض هوية الباني الأول، إلا أن شواهد العمارة والأسوار والبروج التي شيدها "مكربو سبأ" في القرن التاسع قبل الميلاد تؤكد أن المدينة بلغت ذروة ازدهارها في تلك العصور السحيقة.

3. أطلال مأرب.. مآثر تتفوق على متاحف العالم: تتجلى عبقرية الفن اليمني القديم في الخرائب والآثار المبعثرة حول مأرب اليوم؛ فالحفر البسيط يكشف عن تماثيل رخامية وفصوص مكتوبة تعكس دقة فنية مذهلة في النحت والرسم. وتفوق التماثيل والرؤوس الرخامية الموجودة في متحف مأرب، بروعتها ونقاء رخامها، تلك الآثار الرومانية المحفوظة في متاحف روما واللوفر بباريس. وفي قلب المدينة، لا تزال أعمدة القصر الضخم شاهدة على عظمة العمارة السبئية، بينما يمتد الأفق جنوباً ليكشف عن عرش بلقيس والمعبد الكبير.

4. معبد "أوام".. قداسة الفن السبئي: يعد معبد (المقه) أو "أوام"، المعروف شعبياً بـ "محرم بلقيس"، إحدى روائع العمارة الدينية القديمة. بُني المعبد على شكل مثلث ضخم بقطر يصل إلى ألف قدم، ولا يزال محتفظاً برونقه ومظهره المصقول رغم تقادم العصور. يتميز المعبد بأعمدته الضخمة التي ثُبتت في الصخر بطريقة فنية نادرة تُعرف بـ "المناكحة"، حيث لا يزال ثمانية منها قائمة تتحدى الزمن. وقد أثارت طريقة رفع هذه الأعمدة الهائلة دهشة الخبراء والمؤرخين، حيث تنتهي بشكل مخروطي كان يرتكز عليه سقف متحرك يغطي المعبد بالكامل.

5. تفاصيل العمارة وأسرار الصناعة القديمة: كشفت الحفريات في معبد "أوام" عن تقنيات هندسية وصناعية متقدمة؛ حيث تضم حيطانه نوافذ اصطناعية وتجاويف موشاة بمعدن الرصاص والزئبق، وأحجاراً ذات صنعة شبكية مزدوجة. كما عُثر على درجات مغطاة بالبرونز وبقايا أمكنة تشبه المصانع تضم أفراناً وصناديق حجرية، مما يشير إلى وجود نشاط صناعي وحرفي مرتبط بالمعبد. وإلى الجانب الشرقي، يرتفع بناء يشبه "الكلية" بُني بعناية فائقة، ويُرجح أنه أُقيم كحائط صد لدفع العواصف الرملية أو لمقاومة مياه سد مأرب المتدفقة.

6. التماثيل البرونزية والنقوش الملكية: عثرت البعثات التنقيبية في المعبد على نصوص تاريخية هامة فصلت عن تماثيل برونزية كانت قائمة عليها، وتؤكد هذه النقوش أن الملوك والوجهاء كانوا يهدون تماثيل برونزية (تُسمى في النصوص ذهبية لبريقها) للمعبد تقرباً للإله. ومن أهم هذه النصوص ما يخص الملك "الشرح يحضب" وأخاه "بازل بيين"، واللذين خلدا أسماءهما كملوك لسبأ وذي ريدان. ومع الأسف، ضاعت معظم هذه التماثيل أو لا تزال مطمورة، ولم يبقَ منها سوى مواضع أقدامها التي تشهد على عظمة مفقودة تحت الرمال.

7. صرواح.. عاصمة السبئيين الأولى: على مسافة خمسين كيلومتراً من مأرب، تقع مدينة صرواح الأثرية، العاصمة الأولى لمكربي سبأ والأقدم عهداً من مأرب. يضم معبد صرواح، المشيد بالمرمر الأبيض المنحوت، نقوشاً بالخط المسند تُعد من أقدم الكتابات السبئية المكتشفة. وفي وسط المعبد، تبرز صخرة مستطيلة ضخمة من صخر "البلق" الناصع تزن أربعة أطنان، نُقش عليها تاريخ المملكة بجوانبها الأربعة. وبجوار المعبد، تقع بقايا قصور يُرجح السكان أنها كانت تخص الملكة بلقيس، وتُعرف اليوم بـ "عرش بلقيس الأعلى".

8. سد مأرب.. المعجزة الهندسية للعالم القديم: يمثل سد مأرب ذروة الإبداع الهندسي اليمني، حيث بُني قبل نحو 2700 عام في ممر ضيق تلتقي فيه وديان اليمن المنحدرة. اشترك في تشييده وتطويره جيل من مكربي سبأ، منهم "سمهعلي ينوف" و"يدع إل بيين". بُني السد بأحجار "البلق" الضخمة ذات النحت الفني الدقيق، ولا يقل شأناً في عظمته عن أهرامات مصر، بل يفوقها بقيمته النفعية في تنظيم الري وتأمين معيشة الملايين، حيث مثّل شريان الحياة الذي حول الصحراء إلى جنات خضراء.

9. تقنيات بناء السد وقياسات "العرم": اعتمد بناء السد على هندسة نادرة تضمنت صدفين (أيمن وأيسر) لا يزالان قائمين حتى اليوم كشواهد على "البنيان المرصوص". أما "العرم" أو الجزء المنهار، فقد كان يمتد بطول 350 متراً وارتفاع 45 متراً، وهو ما يحاذي ارتفاع الجبال المحيطة. وتؤكد النصوص التاريخية للملك "شرحبيل يعفر" وأبرهة الأشرم مقاييس هذا البناء العظيم، حيث استُخدمت وحدة القياس "أم" (التي تقارب المتر والنصف) لضبط أبعاد السد، مما يبرهن على مهارة هندسية سبقت عصرها بقرون طويلة.

10. "الجنتان".. ثمرة السد وحلم الخضرة: كانت مياه السد المخزنة تُوزع بدقة على مساحات شاسعة تُعرف في القرآن الكريم بـ "الجنتين" (اليمنى واليسرى). ورغم أن خزان السد كان يمتد لثلاثة كيلومترات طولاً وألف متر عرضاً، إلا أن هذه المياه كانت تُسقي أرضاً يبلغ عرضها 16 كيلومتراً وتمتد لمسافات شاسعة تُقدر بخمس مراحل سفر. إن سد مأرب لم يكن مجرد بناء حجري، بل كان منظومة حضارية متكاملة حققت الرخاء الاقتصادي لليمن القديم وجعلته "أرضاً طيبة" ومركزاً عالمياً للإنتاج الزراعي والتجاري.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Al-Fattany Beauty Channel Vip تقييم 4.96 من 5.
المقالات

1151

متابعهم

687

متابعهم

6693

مقالات مشابة
-