اولاد الظل    -    الفصل الأول    ( الظل الأول )

اولاد الظل - الفصل الأول ( الظل الأول )

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

كانت أنفاسه آخر شيء سمعته قبل أن يبتلعه الظلام.

ليلى التقطت الهاتف المحترق من على أرضية المرآب الرطبة،

 أصابعها ترتجف فوق الشاشة المتشققة. 

لم يكن هناك رسالة. فقط صورة واحدة: وردة ذابلة في إناء مكسور على طاولتهم، التقطها قبل ساعتين فقط.

 إشارتهم. نداء الاستغاثة الصامت الذي اتفقا عليه في لحظة من لحظات الضعف، حين ضحكا معاً على فكرة أنها قد تحدث يوماً.

"لا تخافي أبداً، سأجدك دائماً."

كان هذا ما قاله. كذبة جميلة أخفت تحتها جبلاً من الزيف.


خطوات ثقيلة تدق على الخرسانة في الطابق العلوي. اثنان.

 ربما ثلاثة. ليسوا هنا بالصدفة. المرآب تحت عمارتهم في دبي لم يكن مكاناً يمر به أحد في الثانية صباحاً.

 رائحة البنزين والغبار اختلطت برائحة خوفها الحاد.


قبل 48 ساعة

كان يوسف يربط حذاءه الرياضي حين قالت له:

— المؤتمر التقني في برج خليفة... ألا يبدو مبالغاً فيه لمجرد إطلاق تطبيق محاسبة جديد؟

التفت إليها، ابتسامته التي أحبتها – الواسعة، المشرقة – لكن شيئاً ما كان متصلباً في زواياها.

— العالم كله سيراه، حبيبتي. فرصة العمر.

قبّلها على جبينها. قبلة طويلة، حانية، كأنه يودعها. لو أنها أدركت.


🕛 الآن، في الظلام

صرير باب معدني عند مدخل المرآب. اقتربوا.

نظرت إلى الهاتف المحترق مرة أخرى. تحت ضوء الشاشة الخافت، 

رأت شيئاً دقيقاً على ظهره. خدشاً صغيراً متعمداً، يشكل سهماً. توجه نظرها إلى حيث يشير السهم: جدار خرساني قديم مغطى بشباك عنكبوت.

دفعت بكل قوتها.  الجدار، ومال قليلاً. ليس حائطاً.

 باباً سرياً صغيراً، مخفياً بمهارة. انفتح على فجوة ضيقة تؤدي إلى غرفة صغيرة لا تزيد عن متر مربع. غرفة مراقبة مصغرة.

شاشة واحدة مطفأة. لوحة تحكم. و... علبة معدنية صغيرة.

سمعت الأصوات خلفها مباشرة الآن. ليس وقتاً للتفكير.

انزلقت داخل الفتحة، وسحبت الباب الخفي خلفها. ظلام دامس. صمت.

ثم، تسمع بوضوح صوت رجل يتكلم بالخارج، بنبرة هادئة، خطيرة:

— إنها هنا. الجوّال به إشارة. ابحثوا في كل سنتيمتر.

نَفَسها احتُبِس في صدرها.

فتحت العلبة المعدنية في الظلام. أصابعها تتعثر على محتوياتها: بطاقة ذاكرة صغيرة. قلادة فضية بدائية الشكل، تشبه رمزاً رياضياً قديماً. وورقة صغيرة مطوية.

بلمسة خفيفة، اشتعلت شاشة المراقبة فجأة، ملقية ضوءاً أزرق شاحباً على وجهها.

على الشاشة: بث حي من سبع كاميرات مخبأة في شقتهم. غرفة المعيشة. المطبخ. غرفة نومهم.


شقتهم كانت ممزقة.

الوسائد مشقوقة. اللوحات مقلوبة. كتب مكتبتها الجميلة متناثرة على الأرض كجثث طيور.

ورأت الرجال.

ثلاثة. يرتدون بزات سوداء عادية، لكن تحركاتهم منسقة، عسكرية. أحدهم وقف في منتصف غرفة المعيشة المدمرة، رافعاً شيئاً في يده.

كان إناء الورد المكسور من الصورة.

سحقه تحت حذائه.

والتفت مباشرة نحو الكاميرا المخبأة داخل ساعة الحائط الزخرفية، كما لو كان يعرف مكانها تماماً. ابتسم. ابتسامة باردة، خالية من أي دفء بشري.

قال كلمتين فقط، لكنهما اخترقتا الحاجز الرقيق بين الشاشة وغرفة الاختباء:

"وجدناكِ."


الصوت كان واضحاً، كما لو كان واقفاً بجوارها.

قلبها توقف.

الضوء الأزرق للشاشة انطفأ فجأة، تاركاً إياها في ظلمة مطبقة.

لكن ليس قبل أن ترى، في الزاوية السفلية للشاشة، قبل أن تظلم تماماً، تاريخاً ووقتاً يتوهجان بلون أحمر:

[00:00:00... العد التنازلي بدأ.]


في يدها، الورقة المطوية التي وجدتها في العلبة. فتحتها في الظلام، لا ترى شيئاً.

لكن تحت أناملها، شعرت بنقوش بارزة. كتابة بطريقة "برايل" للمكفوفين.

لم تتعلم ليلى لغة برايل قط.

لكن يوسف تعلمها، قبل عام، بحجة دعم جمعية خيرية. كان يمارسها أحياناً، يمرر أصابعه على صفحات وهم يسهران ليلاً.

— من يعد خطة طوارئ لموعد غرامي؟ كانت تضحك.

— أعد خطة لكل شيء، يا ليلى. لكل شيء.


أصابعها ترتجف فوق النقوش. سبعة أحرف فقط، كررها يوسف لها في نزهة قبل أشهر، كأنها لعبة:

ت – ذ – ك – ر – ي – م – ج

حروف عربية بلا معنى واضح.


الخطوات خارج بابها السري أصبحت أكثر وضوحاً. اقتربوا من الجدار الخرساني.

تنفست ليلى بعمق، رائحة الخوف والمعدن القديم تملأ رئتيها.

العد التنازلي في رأسها تزامن مع ذلك الرقم الأحمر الذي اختفى من الشاشة:

71:59:48

والرجال خارج الباب يعرفون أنها هنا.

ولديها ثلاثة أيام فقط لتعرف لماذا.


يتبع...

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed Hasan تقييم 5 من 5.
المقالات

1

متابعهم

2

متابعهم

1

مقالات مشابة
-