قصة مخبز القمر

قصة مخبز القمر

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات
image about قصة مخبز القمر

قصة مخبز القمر

 

في بلدة "حافة الظل"، كان الليل مختلفًا عن كل ليالي الدنيا. لم يكن ظلامه حالكًا، بل كان يشوبه لون رمادي باهت، كأن السماء تئن تحت ثقل شيء مفقود. فقد سكان البلدة القمر قبل أربعين يومًا، ولم يعد. نسوا شكل اكتماله، ونسوا كيف كان ضوءه يتسلل عبر النوافذ.

في أقصى شارع منسٍ، كان هناك مخبز قديم. جدرانه من اللبن، ونوافذه الخشبية مغلقة بإحكام. داخله، كان الخباز العجوز "ياسر" يعجن عجينته عند منتصف الليل، كعادته كل يوم. لكن هذه المرة، عندما فتح الفرن ليُدخل الأرغفة، وجد شيئًا غريبًا. لم يكن داخل الفرن نارًا، بل كان فضاءً واسعًا مليئًا بالنجوم الباهتة.

تراجع ياسر مذعورًا، لكنه سمع صوتًا ناعمًا يأتي من خلف كيس الطحين. التفت فوجد الطفلة "لمى" جالسة على الأرض، ترسم في الهواء بإصبعها خطوطًا من نور.

-"أنتِ؟ كيف دخلتِ؟ وماذا يحدث لفرني؟"

رفعت لمى رأسها، عيناها الواسعتان تعكسان ضوء النجوم. همست: “الفرن ليس للخبز فقط يا عم ياسر. إنه بوابة. والقمر لم يختفِ، بل تحول إلى رغيف خبز.”

ضحك ياسر في البداية، لكن ضحكته تجمدت عندما أخرجت لمى من جيب ثوبها قطعة صغيرة من ضوء فضي، تشبه فتات الخبز المتلألئ. قالت: “هذا هو القمر. شخص ما سرق خبزه، والآن هو حبيس في فرن آخر، في مكان آخر. إذا لم نخبز له رغيفًا جديدًا من دقيق النجوم قبل شروق الشمس، سيظل محبوسًا إلى الأبد.”

نظر ياسر إلى الفرن الذي تحول إلى كون مصغر. لم يكن خبازًا عاديًا، كان يحمل في دمه سرًا قديمًا تناقله عن أجداده: أن الخبز الحقيقي يُصنع من الحب، والماء، وقليل من ضوء القمر.

أخرج ياسر وعاءً فخاريًا عتيقًا من تحت الطاولة. لمى مدت يدها الصغيرة إلى السماء عبر ثقب في السقف، وكأنها تلتقط شيئًا لا يراه ياسر. وعندما فتحت قبضتها، كان الوعاء مليئًا بدقيق يتلألأ كأنه غبار الماس.

بدأ ياسر يعجن العجينة الفريدة، لكن العجين كان يقاوم يديه، يتصلب تارة، ويذوب تارة أخرى. كان يحتاج إلى عنصر أخير. همس في أذن لمى: “الخبز لا يصبح نورًا إلا إذا عجن بدموع الشوق.”

بكت لمى. لم تبكِ لأنها حزينة، بل بكت لأنها اشتاقت لرؤية القمر يطل من نافذتها. سقطت دمعة واحدة ساخنة على العجين. في تلك اللحظة، اشتعلت العجينة بنور فضي ساطع، وأخذت تتشكل بنفسها داخل الفرن.

انفتح باب الفرن بقوة، وخرج منه رغيف خبز دائري، كبير، يتوهج كأنه الشمس في منتصف الليل. طار الرغيف عاليًا، واخترق سقف المخبز، وصعد إلى السماء.

نظر ياسر ولمى من ثقب السقف، فوجدا الرغيف يستقر في كبد السماء، يتحول ببطء إلى قمر مكتمل، ينشر ضوءه الفضي على البلدة لأول مرة منذ أربعين يومًا.

في اليوم التالي، وجد سكان البلدة أن مخبز ياسر يبيع خبزًا غريبًا، إذا أكلت منه قطعة وأنت تشتاق لشيء، تجده أمامك مباشرة. لكن ياسر كان يبتسم فقط، ويعجن عجينه في صمت، وبجانبه تجلس لمى، تهمس له بأسرار النجوم التي تعرفها وحدها 🌑🌌

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
HUSS EIN تقييم 5 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

0

most highly rated articles week
مقالات مشابة
-