غزوة تبوك آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم

غزوة تبوك آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

غزوة تبوك آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم 

image about غزوة تبوك آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم

تعتبر غزوة تبوك، التي وقعت في سنة 9 هـ (630 م)، حدثًا فاصلاً في تاريخ الدعوة الإسلامية. لا لأنها كانت آخر غزوات النبي محمد ﷺ فحسب، بل لأنها حملت في طياتها من الدروس والعبر ما يجعلها محطة مضيئة في السيرة النبوية. اشتهرت هذه الغزوة بعدة أسماء تعكس طبيعتها الصعبة، فهي "غزوة العُسرة" لشدة المشقة التي لاقاها المسلمون، و"غزوة الفاضحة" لأنها كشفت حقيقة المنافقين وفضحت أعذارهم الواهية  . في هذا المقال، سنستعرض تفاصيل هذه الغزوة الهامة، من أسبابها إلى نتائجها والدروس المستفادة منها.

لماذا سُميت بغزوة العسرة؟ 

ترتبط تسمية "غزوة العُسرة" بالظروف الاستثنائية التي رافقتها. فقد خرج النبي ﷺ والصحابة الكرام في وقتٍ بالغ الحرارة، في شهر رجب، حيث طابت الثمار وكان الناس في أمس الحاجة إلى الظل والراحة. وقد ورد ذكر هذه الساعة العسرة في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ...﴾ [التوبة: 117]  .

أما اسمها الآخر "غزوة تبوك"، فيعود إلى عين تبوك التي نزل بها جيش المسلمين، وهي منطقة تقع شمال الحجاز، تبعد عن المدينة المنورة حوالي 700 كيلومتر  . وتشير بعض المعاجم اللغوية إلى أن الاسم اشتق من "البوك"، وهو تحريك الشيء وإدخال اليد فيه، في إشارة إلى تحريكهم للماء في العين .

ما هو السبب الحقيقي لخروج جيش العسرة؟

اختلفت الروايات حول السبب المباشر لهذه الغزوة، لكن الراجح أنها كانت استباقية بحتة. فقد بلغ النبي ﷺ أن هرقل، إمبراطور الروم (الإمبراطورية البيزنطية)، قد حشد جيشًا عرمرميًا قيل إن تعداده بلغ أربعين ألف مقاتل من الروم وحلفائهم من القبائل العربية المتنصرة كالغساسنة، وكانت مقدمات جيشه قد وصلت إلى البلقاء في الشام  .

كان هذا التحرك الروماني رد فعل طبيعي على تنامي قوة المسلمين وتهديدها للنفوذ البيزنطي في المنطقة، خاصة بعد غزوة مؤتة التي أظهرت قوة المسلمين. ولم يكن النبي ﷺ ليترك الفرصة للروم ليباغتوا المدينة المنورة، فقرر المبادرة لقتالهم في عقر دارهم، مؤتمرًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123]  .

 

كانت الاستعدادات لهذه الغزوة استثنائية. فقد حث النبي ﷺ الصحابة على النفقة وبذل المال، نظرًا لبعد المسافة وكثافة العدو. هنا برزت صور رائعة من التضحية والبذل، سُمي جيش المسلمين بـ "جيش العُسرة":

 بذل عثمان بن عفان: يُعد المثل الأعلى في البذل، فقد جهز ثلث الجيش، حيث أنفق نفقة عظيمة، تصدق بمائتي بعير بأحلاسها وأقتابها، ثم جاء بألف دينار فنثرها في حجر النبي ﷺ، فجعل النبي يقلبها ويقول: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ»  .

في المقابل، كان هناك صحابة فقراء أرادوا الخروج لكنهم لم يجدوا ما يركبون، فجاءوا إلى النبي يطلبون الحملان، فلما أخبرهم أنه لا يجد ما يحملهم عليه، تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون. نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92]  .

ومع ازدياد قسوة الظروف، بدأت حقيقة المنافقين في الظهور. تخلّف كثير منهم عن الجيش، وحاولوا تثبيط عزيمة المؤمنين. ومن أشهر أقوالهم الباطلة: "لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ"، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: 81]  .

كما بنى المنافقون مسجدًا بجوار مسجد قباء، وأرادوا منه تفريق صفوف المسلمين وإيواء من حارب الله ورسوله. لكن النبي ﷺ أمر بهدم هذا المسجد، الذي سُمي "مسجد الضرار"، ونزلت فيه آيات تنهى عن الصلاة فيه أبدًا .

وبعد مسيرة شاقة استمرت أسابيع، وصل جيش المسلمين إلى تبوك، وقدرت عدده بحوالي ثلاثين ألف مقاتل  . وهنا كانت المفاجأة الكبرى: لم يجدوا أي أثر لجيش الروم. فقد أصاب الرعب قلوبهم، وفضلوا الانسحاب إلى داخل أراضيهم دون قتال. ويُعد هذا تحقيقًا لحديث النبي ﷺ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» . لم يحدث قتال، لكن هيبة المسلمين ثبتت في المنطقة.

النتائج الاستراتيجية والسياسية للغزوة

حققت غزوة تبوك أهدافًا استراتيجية كبرى، لا تقل أهمية عن أي معركة:

1. توسيع النفوذ: خضعت للإسلام إمارات وقبائل كانت تحت النفوذ الروماني. فقد صالح النبي ﷺ أهل "إيلة" (العقبة) وأهل "جرباء" و"أذرح" على دفع الجزية، مما ضمن الأمن على حدود الدولة الإسلامية الشمالية  .

2. إضعاف هيبة الروم: أثبتت الغزوة أن جيش الروم لم يعد ذلك الجيش الذي لا يُقهر، وأن قوة المسلمين أصبحت تُرعب أقوى إمبراطورية في ذلك الوقت.

3. تمحيص الصفوف: كشفت الغزوة عن المنافقين وعزلتهم، كما ميزت الصادقين الذين تاب الله عليهم بعد ذلك، وفي مقدمتهم الثلاثة الذين خُلفوا (كعب بن مالك، وصاحبه) والذين اهتزت الأرض على رحابتهم فرحًا بتوبتهم .

الدروس المستفادة من غزوة تبوك في العصر الحديث

لا تزال غزوة تبوك نبراسًا يُحتذى به، ومن أبرز دروسها:

· أهمية الإعداد والقوة: مهما بلغت قوة العدو، فإن الإعداد المتقن والتوكل على الله كفيل بردعه.

· الجهاد بالمال: لا يقل أهمية عن الجهاد بالنفس، وهو ركيزة أساسية لنهضة الأمم.

· التمحيص خير للمؤمنين: فالمحن تكشف معادن الرجال، وتميز الصادق من الكاذب.

· فضل الصدق والثبات على المبدأ: كما حدث مع كعب بن مالك وصاحبيه الذين نالهم فضل التوبة النصوح.

وفي النهاية تظل غزوة تبوك أيقونة خالدة في تاريخ الإسلام. فهي لم تكن مجرد حملة عسكرية، بل كانت مدرسة في الإيمان والثبات على المبادئ، وفي البذل والعطاء، وفي التمييز بين الحق وأهله والباطل وأتباعه. إنها تؤكد أن النصر ليس مقصورًا على المعارك الدامية، بل قد يتحقق بهيبة الأمة وإعدادها وإيمانها الراسخ، لترسم للأجيال طريق العزة والتمكين.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
اسلام علي تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

1

متابعهم

2

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.