لقاء تحت ضوء القمر

لقاء تحت ضوء القمر

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

لقاء تحت ضوء القمر

كانت الليلة هادئة بشكل غريب، هدوء يجعل أي صوت صغير يبدو وكأنه صرخة في الظلام. الطريق الطويل الممتد بين الجبال كان شبه خالٍ، لا تمر فيه سوى سيارة أو حافلة كل فترة طويلة. القمر كان معلقًا في السماء كأنه مصباح قديم يراقب كل ما يحدث في الأسفل.

كان يوسف يجلس بجوار نافذة الحافلة، ينظر إلى الظلام خارج الزجاج وكأنه يحاول قراءة شيء مخفي بين الأشجار والجبال. كان شابًا في الرابعة والعشرين من عمره، يحمل حقيبة سوداء صغيرة على كتفه، وملامح وجهه تعكس تعب رحلة طويلة لم تنته بعد.

كان في طريقه إلى قرية اسمها جبلية، قرية صغيرة لم يسمع بها معظم الناس، لكنها كانت تحمل بالنسبة له سرًا قديمًا. رسالة قديمة وجدها بين أشياء والده بعد وفاته بأشهر قليلة. رسالة قصيرة، لكنها غيّرت كل شيء في حياته.

كتب فيها والده جملة واحدة فقط:

“لو أردت أن تعرف الحقيقة… اذهب إلى قرية جبلية.”

منذ ذلك اليوم لم يستطع يوسف أن ينسى تلك الجملة.

فجأة توقفت الحافلة.

فتح السائق الباب وقال بصوت مرتفع:

“استراحة عشر دقايق… اللي عايز ينزل يتمشى أو يشتري حاجة.”

نزل بعض الركاب، ونزل يوسف معهم. كان الهواء باردًا قليلًا، والليل ساكنًا لدرجة أنه سمع صوت الرياح بين الأشجار البعيدة.

مشَى خطوات قليلة بعيدًا عن الحافلة، محاولًا أن يمدد قدميه بعد ساعات من الجلوس.

ثم حدث شيء غريب.

على بعد أمتار قليلة، تحت ضوء عمود إنارة قديم، رأى فتاة تقف وحدها.

كانت ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، وشعرها الطويل يتحرك مع الهواء الخفيف. لم تكن تفعل شيئًا… فقط تقف وتنظر في اتجاه الطريق.

توقف يوسف مكانه للحظة.

لم يكن يتوقع أن يرى أحدًا هنا، خصوصًا في هذا الوقت المتأخر من الليل.

اقترب خطوة… ثم خطوة أخرى.

عندما اقترب أكثر، التفتت الفتاة نحوه ببطء.

كانت ملامحها هادئة، لكن عينيها كان فيهما شيء غريب… شيء لم يستطع يوسف تفسيره.

قال لها بتردد:

“مساء الخير… إنتِ مستنية حد؟”

نظرت إليه للحظة، ثم قالت بصوت هادئ جدًا:

“كنت مستنياك.”

تجمد يوسف مكانه.

لم يفهم ما تقصده.

قال متفاجئًا:

“مستنياني أنا؟ بس… إحنا ما نعرفش بعض.”

ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:

“لسه.”

شعر يوسف بشيء غريب في صدره، خليط بين الفضول والقلق.

ثم سألها:

“إنتِ من القرية اللي قدام؟”

هزت رأسها ببطء.

ثم قالت جملة جعلت قلبه يدق أسرع:

“إنت رايح قرية جبلية… صح؟”

اتسعت عينا يوسف من الدهشة.

“إنتِ عرفتي منين؟”

لكن الفتاة لم تجب.

بدلًا من ذلك، نظرت نحو الطريق المظلم ثم عادت بعينيها إليه وقالت:

“لو كملت الطريق ده… حياتك كلها هتتغير.”

سكتت لحظة… ثم أضافت:

“بس السؤال الحقيقي… هل أنت مستعد تعرف الحقيقة؟”

قبل أن يستطيع يوسف الرد…

سمع صوت السائق من بعيد يصرخ:

“يلا يا جماعة! الحافلة هتمشي!”

التفت يوسف للحظة نحو الحافلة…

ثم عاد ينظر إلى المكان الذي كانت تقف فيه الفتاة.

لكن…

لم تكن هناك.

اختفت تمامًا.

كأنها لم تكن موجودة من البداية.

وقف يوسف للحظات ينظر حوله في صمت، وقلبه ينبض بسرعة.

في تلك اللحظة أدرك شيئًا واحدًا فقط…رحلته إلى قرية جبلية لن تكون رحلة عادية أبدًا.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
samah تقييم 0 من 5.
المقالات

0

متابعهم

1

متابعهم

15

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.