القرصان ال الأخير
القرصان الأخير 
كان البحارة يعتقدون أن عصرهم قد انتهى. كانوا يقولون إن آخر قرصان حقيقي مات مع الرياح القديمة، لكن الحقيقة كانت أكثر غرابة. كان "مالك ذو العين الزجاجية" لا يزال على قيد الحياة، يختبئ في كوخ على جزيرة نائية، يعد الأيام حتى يحين موعد العودة.
لم يكن مالك يبحث عن الكنوز. لم تعد السفن المحملة بالذهب تعني له شيئاً. ما كان يبحث عنه كان أثمن من ذلك، كان يبحث عن "ليلى". ابنته التي اختفت قبل عشرين عاماً عندما هاجم الأسطول الملكي سفينته وأسره. تركها وهي طفلة في الرابعة على عتبات دار للأيتام في ميناء الإسكندرية، ومنذ ذلك اليوم لم يسمع عنها شيئاً.
في صباح أحد الأيام، تسلل مالك إلى الميناء متنكراً بزي تاجر عجوز. سمع من البحارة أن سفينة حربية تدعى "النسر" كانت تنقل سجناء إلى جزيرة بعيدة. وأن من بين السجناء امرأة شابة تتقن فن الملاحة، تشبه في وصفها ابنته تماماً.
قرر مالك أن يقوم بالمستحيل. لم يكن يملك سوى مركب صيد قديم، وخمسة من رجاله المخلصين الذين رفضوا التخلي عنه، وخريطة ممزقة رسمها من الذاكرة. انطلقوا في الليل تحت جنح الظلام، متجهين نحو مضيق الموت حيث تتمركز سفن الأسطول.
واجهوا عاصفة كادت تبتلع مركبهم، واشتبكوا مع زورق دورية كاد أن يفضح أمرهم، لكن مالك ظل صامداً. كانت ذكرى ليلى تمنحه قوة لا توصف. كلما تعب تذكر ضحكاتها الصغيرة، كلما كاد يستسلم تذكر عينيها اللتين تشبهان عيني أمها.
عندما وصلوا إلى جزيرة السجن، كانت الشمس تغرب خلف الجبال. تسلل مالك وحده إلى السجن تحت جنح الظلام، متخفياً بين الصخور. وجدها خلف القضبان، امرأة شابة في الرابعة والعشرين، شعرها أشعث وعيناها تحدقان في الأفق. اقترب منها بصوت خافت:
· ليلى؟
نظرت إليه، لم تتعرف عليه في البداية، لكن عندما رفعت يده ليخلع نظارته وينزع قبعته، رأت العين الزجاجية التي كانت تخاف منها في قصص الطفولة. رأت الندبة الطويلة على خده. تنهدت وقالت بصوت مرتجف:
· أبي؟ هل أنت حقيقي أم أني أحلم؟
في تلك اللحظة، انطلق ناقوس الخطر. كان الحراس قد اكتشفوا أمره. اندلعت معركة شرسة، أطلق مالك النار من مسدسه القديم، بينما كان رجاله يتبادلون إطلاق النار مع الحراس من بعيد. تمكن من فتح القضبان بمنشار صغير كان يخفيه في حذائه، أمسك بيد ابنته وهربا معاً نحو الشاطئ.
انطلقا في مركب الصيد وسط وابل من الرصاص. كانت السفن الحربية تطاردهم، لكن مالك كان يعرف هذه المياه جيداً. قاد مركبه عبر ممرات ضيقة بين الشعاب المرجانية، حيث لا تجرؤ السفن الكبيرة على الدخول.
عندما اختفت السفن خلف الأفق، جلست ليلى إلى جانب والدها على سطح المركب. نظرت إليه طويلاً ثم سألته:
· لماذا عدت بي؟ كنت ميتاً بالنسبة للعالم كله.
نظر إليها مالك، ولأول مرة منذ عشرين عاماً، ابتسم. خلع العين الزجاجية ومسح دموعه بكم قميصه الممزق.
· لأن القرصان الحقيقي لا يموت قبل أن يحمي كنزه الأخير.
احتضنته ليلى، وشعرت للمرة الأولى في حياتها أنها وجدت وطناً آمناً. لم يكن وطناً من أرض أو بحر، بل من ذراعي رجل عجوز قضى عمره يبحث عنها. ومنذ تلك الليلة، لم يعد مالك قرصاناً، بل أصبح أباً يعوض ابنته عن سنوات الحرمان، ويعلمها أن البحر ليس للنهب فقط، بل للحياة أيضاً.