حين يختنق القلب بشعور عدم الاستحقاق

حين يختنق القلب بشعور عدم الاستحقاق

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

 

 

حين يختنق القلب بشعور عدم الاستحقاق

 

أحيانًا يصيب الإنسان شعورٌ ثقيل يصعب وصفه بالكلمات، شعورٌ خفي يتسلل إلى داخله دون استئذان، ثم يتمدد ببطء حتى يسيطر على أفكاره ومشاعره. إنه شعور عدم الاستحقاق؛ ذلك الإحساس الخانق الذي يلتف حول الروح كقبضةٍ محكمة، يضيق بها النفس ويثقل بها القلب. تحاول جاهدًا أن تتحرر منه، أن تبتعد قليلًا لتلتقط أنفاسك، لكنه يلاحقك بإصرار غريب، كأنه يعرف الطريق إلى أعمق زواياك.

كلما حاولت الهروب، ازداد التصاقًا بك. يقنعك بصوتٍ خافت لكنه حازم أنك لست جديرًا بما تحب، وأن كل ما يبهجك في الحياة ربما لم يُخلق من أجلك. ومع مرور الوقت يبدأ تأثيره في الظهور؛ فتبتعد تدريجيًا عن الأشياء التي كانت تمنحك السعادة. تنفر منها، تتجاهلها، بل وربما تفرّ منها وكأنها خطرٌ يجب تجنبه.

تهرب إلى مساحاتٍ غامضة، إلى أماكن لا تحمل اسمًا ولا معنى. إلى حيث اللامكان واللاوجود، ذلك الفراغ الذي لا تنتمي إليه ولا ينتمي إليك. تظن أن الابتعاد سيخفف وطأة ذلك الشعور، وأن العزلة قد تمنحك بعض السلام المؤقت. لكن الحقيقة أن الإنسان لا يستطيع الهروب طويلًا من ذاته.

ففي أعماقك، يعرف كيانك جيدًا أين ينتمي. هناك خيطٌ خفي يقودك دائمًا نحو المكان الذي تشعر فيه بالراحة، حتى وإن حاولت الابتعاد عنه. قد يكون ذلك المكان شخصًا، أو حضورًا صامتًا، أو حتى نظرة عابرة تمنحك شعورًا غير مفسَّر بالطمأنينة.

ورغم أن أنفاسك بالكاد تُلتقط، ورغم الضجيج الذي يملأ رأسك، قد تحدث لحظة واحدة تغيّر كل شيء. لحظة تقع فيها عيناك على عينٍ أخرى تشعرك بالانتماء. عين لا تراك بوضوح، لكنها تحتضنك بطريقة غريبة، كأنها تحيط بك دون أن تلمسك. تشعر حينها أن هذا الكيان المجهول يعرفك منذ زمن بعيد، رغم أنك لم تره من قبل، ولم يسبق له أن التقى بك.

ومع ذلك يبدو وجوده قريبًا إلى حدٍّ يدهشك، قريبًا بما يكفي لتؤمن أن لقاءكما لم يكن مصادفة، بل حتمية صامتة كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتظهر.

في تلك اللحظات تتناثر الأفكار في رأسك بلا ترتيب، كأوراقٍ بعثرتها الريح. تختنق المشاعر عند باب الهروب، وتتكدّس الأحاسيس أمامك كجدارٍ صلب يمنعك من الفرار. فجأة تجد نفسك مضطرًا إلى المواجهة، مواجهة كل ما كنت تحاول تجاهله.

تجلس أمام ذلك الجدار خالي الوفاض، خائب الأمل، لا تملك القدرة على العودة إلى الوراء، ولا القوة الكافية لتحطيم ما أمامك. فقط صمتٌ ثقيل، وأسئلة لا تجد لها إجابة.

لكن وسط هذا الانسداد الكامل، قد يظهر شقٌ صغير في الجدار. فتحة ضيقة بالكاد تُرى، لكنها تمنحك فرصة العبور. تمرّ منها ببطء، مترددًا، مثقلًا بالمشاعر والتجارب، ومع ذلك تنجو.

ورغم كل ما حدث، يحدث أمرٌ لا يقل غرابة. تجد نفسك تبتسم. ابتسامة خانقة، مزعجة، كأنها لا تنتمي إلى اللحظة. تنظر إلى الشخص الذي أمامك بينما الدموع تملأ عينيك، وتتساءل بصمت:

ما الذي يدفعني للابتسام هكذا؟

ولماذا تنهمر دموعي في الوقت نفسه؟

ألم نكن نظن أننا تجاوزنا فكرة حبك منذ زمن؟

ألم نعتقد أن تلك المشاعر قد انتهت وذابت في الماضي؟

فلماذا تعود الآن دفعة واحدة، قوية ومربكة، كأنها لم تغادر القلب يومًا؟

وكأنها كانت تنتظر فقط اللحظة التي نضعف فيها… لتعود وتعلن وجودها من جديد.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Habiba Amr تقييم 0 من 5.
المقالات

0

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-