هل قتلت مستحضرات التجميل الملكة حتشبسوت؟ لغز وفاة أعظم ملكات مصر
هل قتلت مستحضرات التجميل الملكة حتشبسوت؟ لغز وفاة أعظم ملكات مصر

تُعد حتشبسوت واحدة من أبرز الشخصيات في تاريخ مصر القديمة، بل ومن أكثر الحكام إثارة للاهتمام في الحضارة المصرية. فقد حكمت خلال عصر الدولة الحديثة، في ظل الأسرة الثامنة عشرة، وهو العصر الذي شهد صعود مصر إلى مرتبة الإمبراطورية الكبرى في الشرق الأدنى القديم. وعلى الرغم من أن حكمها اتسم بالازدهار والاستقرار، فإن نهاية حياتها ظلت لغزًا أثار اهتمام المؤرخين وعلماء الآثار لسنوات طويلة.
وقد أعادت الدراسات العلمية الحديثة فتح هذا الملف، خاصة بعد اكتشاف موميائها وتحليل بعض مقتنياتها الشخصية، مما أدى إلى ظهور فرضية مثيرة مفادها أن مستحضرًا تجميليًا استخدمته الملكة ربما ساهم في إصابتها بالسرطان. وبين الحقيقة العلمية والتفسير المحتمل، يبقى السؤال قائمًا: كيف توفيت حتشبسوت؟
صعود امرأة إلى عرش الفراعنة
وُلدت حتشبسوت ابنة للفرعون تحتمس الأول والملكة أحمس. وبحكم نسبها الملكي كانت تنتمي إلى قلب الأسرة الحاكمة في مصر. تزوجت لاحقًا من أخيها غير الشقيق الفرعون تحتمس الثاني، وهو أمر كان شائعًا في الأسر الملكية المصرية للحفاظ على نقاء السلالة الحاكمة.
بعد وفاة تحتمس الثاني، أصبح وريث العرش هو ابنه الصغير تحتمس الثالث، الذي كان ما يزال طفلًا. لذلك تولت حتشبسوت منصب الوصية على العرش، تدير شؤون الدولة باسمه حتى يبلغ سن الحكم.
لكن بعد عدة سنوات، اتخذت خطوة غير مسبوقة في التاريخ المصري: أعلنت نفسها فرعونًا كامل الصلاحيات. ولم تكتفِ بلقب الملكة، بل تبنت الألقاب الملكية الكاملة وظهرت في النقوش والتماثيل بزي الملوك التقليدي، بل وحتى باللحية الملكية الرمزية.
كان هذا التحول السياسي الجريء محاولة لتأكيد شرعيتها في الحكم داخل مجتمع اعتاد أن يكون الفرعون فيه رجلًا.
عصر ازدهار واستقرار
استمر حكم حتشبسوت قرابة عشرين عامًا، وهي فترة اتسمت بالسلام النسبي والازدهار الاقتصادي. وعلى عكس العديد من الفراعنة الذين ركزوا على الحملات العسكرية، ركزت حتشبسوت على التجارة والمشاريع المعمارية الكبرى.
ومن أشهر إنجازاتها إرسال بعثة تجارية إلى أرض بونت، وهي منطقة يعتقد أنها تقع في القرن الأفريقي. وقد سجلت تفاصيل هذه الرحلة على جدران معبدها الجنائزي.
كما شيدت حتشبسوت واحدًا من أعظم المعابد في مصر القديمة، وهو معبدها الجنائزي في الدير البحري بالقرب من الأقصر. ويُعد هذا المعبد تحفة معمارية فريدة، حيث بُني على ثلاثة مصاطب ضخمة متدرجة داخل الجبل، مما يجعله واحدًا من أجمل آثار مصر القديمة.
إلى جانب ذلك، أمرت بإقامة العديد من المسلات والمعابد في أنحاء مصر، خاصة في معابد الكرنك.
اختفاء مومياء حتشبسوت
على الرغم من أهمية هذه الملكة، فإن مومياءها ظلت مفقودة لقرون طويلة. فقد اكتشف علماء الآثار مقبرتها في وادي الملوك، لكنها كانت خالية تقريبًا من الجثمان.
ظل هذا اللغز قائمًا حتى عام 2007، عندما أعلن عالم الآثار المصري زاهي حواس عن تحديد هوية مومياء يُعتقد أنها تعود إلى حتشبسوت.
كانت هذه المومياء محفوظة في مقبرة صغيرة تُعرف باسم KV60، ولم يكن العلماء متأكدين من هويتها في البداية. لكن التحليل العلمي باستخدام الأشعة المقطعية قاد إلى اكتشاف مهم.
فقد وُجد داخل صندوق كانوبي من مقتنيات حتشبسوت سن مكسور، وعند مقارنته بفك المومياء تبين أنه يتطابق مع سن مفقود في الفك العلوي. وقد اعتبر العلماء هذا التطابق دليلًا قويًا على أن هذه المومياء تعود بالفعل إلى الملكة.
الحالة الصحية للملكة في سنواتها الأخيرة
أظهرت الفحوصات الطبية التي أجريت على المومياء عدة مؤشرات حول الحالة الصحية للملكة قبل وفاتها.
فقد تبين أنها كانت تعاني من:
مرض السكري
السمنة
التهاب المفاصل
مشاكل شديدة في الأسنان
احتمال إصابتها بمرض السرطان
تشير هذه النتائج إلى أن حتشبسوت لم تكن في حالة صحية جيدة خلال السنوات الأخيرة من حياتها. ويعتقد بعض الباحثين أن هذه الأمراض مجتمعة قد ساهمت في وفاتها.
لكن قصة وفاتها لم تتوقف عند هذا الحد.
زجاجة التجميل الغامضة
في عام 2011 درس علماء من جامعة بون قارورة صغيرة نُسبت إلى حتشبسوت وكانت محفوظة ضمن مقتنيات أثرية قديمة.
كانت هذه القارورة تحتوي على مادة تشبه غسول البشرة أو مرهمًا طبيًا. وعندما قام العلماء بتحليل محتواها كيميائيًا، توصلوا إلى نتائج مثيرة للاهتمام.
فقد تبين أن المستحضر يحتوي على:
زيوت نباتية
مواد دهنية
مركبات علاجية للأمراض الجلدية
لكن المفاجأة كانت في وجود مركبات هيدروكربونية عطرية متعددة الحلقات، وهي مواد معروفة اليوم بقدرتها على التسبب في السرطان.
ومن بين هذه المركبات مادة بنزو ألفا بيرين، وهي مادة توجد أيضًا في دخان التبغ وترتبط بزيادة خطر الإصابة بالسرطان.
كما احتوى المستحضر على مادة الكريوسوت، وهي مادة كانت تستخدم في الطب القديم لعلاج الأمراض الجلدية المزمنة، لكنها تُعرف اليوم بآثارها الصحية الخطيرة.
هل كانت حتشبسوت تعالج مرضًا جلديًا؟
يعتقد بعض الباحثين أن هذا المستحضر لم يكن مجرد مستحضر تجميل، بل ربما كان دواءً لعلاج مرض جلدي مزمن مثل الإكزيما.
وقد أشار بعض العلماء إلى أن التحاليل الطبية لمومياء حتشبسوت أظهرت وجود آثار لمرض جلدي في منطقة الرقبة، وهو ما قد يفسر سبب استخدامها لمثل هذا العلاج.
ومن المحتمل أن هذا المستحضر كان يُستخدم لتخفيف الألم أو الحكة الناتجة عن المرض.
لكن المشكلة تكمن في أن بعض مكونات هذا العلاج قد تكون مسرطنة عند استخدامها لفترات طويلة.
فرضية "الدواء القاتل"
بناءً على هذه الاكتشافات، طرح بعض الباحثين فرضية مثيرة:
ربما كانت حتشبسوت تستخدم هذا المستحضر بانتظام لعلاج مرض جلدي، دون أن تعلم أن بعض مكوناته يمكن أن تسبب السرطان.
ومع مرور الوقت، قد يكون التعرض المستمر لهذه المواد ساهم في إصابتها بالسرطان، وهو المرض الذي ربما أدى في النهاية إلى وفاتها.
لكن من المهم التأكيد أن هذه الفرضية ليست مؤكدة علميًا بشكل قاطع.
فالعلماء لا يستطيعون إثبات علاقة مباشرة بين استخدام هذا المستحضر وإصابة الملكة بالسرطان. وقد يكون السرطان الذي أصابها ناتجًا عن أسباب أخرى، مثل العوامل الوراثية أو التقدم في العمر أو الظروف الصحية العامة.
لغز تاريخي مفتوح
رغم التقدم الكبير في تقنيات التحليل العلمي، فإن العديد من جوانب حياة وموت حتشبسوت ما زالت غامضة.
فحتى اليوم لا يوجد اتفاق كامل بين العلماء حول السبب الدقيق لوفاتها. لكن أغلب الدراسات ترجح أنها توفيت نتيجة مرض السرطان مع تدهور صحتها بسبب أمراض أخرى مثل السكري والسمنة.
أما قصة مستحضر التجميل المسرطن فهي تظل فرضية علمية مثيرة تعكس كيف يمكن للعلم الحديث أن يفتح أبوابًا جديدة لفهم التاريخ القديم.
إرث ملكة استثنائية
مهما كان سبب وفاتها، فإن إرث حتشبسوت يبقى واحدًا من أعظم الإنجازات في تاريخ مصر القديمة. فقد استطاعت هذه المرأة أن تحكم واحدة من أعظم حضارات العالم القديم، وأن تثبت قدرتها على القيادة في مجتمع كان يهيمن عليه الرجال.
ولا تزال آثارها المعمارية، وخاصة معبد الدير البحري، شاهدًا على قوة حكمها وطموحها السياسي.
وبعد أكثر من ثلاثة آلاف عام من وفاتها، ما زال اسم حتشبسوت حاضرًا في ذاكرة التاريخ كواحدة من أعظم حكام مصر القديمة وأكثرهم تأثيرًا.