مقبرة توت عنخ آمون: اكتشاف مذهل بين العلم والجدل
مقبرة توت عنخ آمون: اكتشاف مذهل بين العلم والجدل
تُعد مقبرة الفرعون الشاب توت عنخ آمون واحدة من أهم الاكتشافات الأثرية في تاريخ علم المصريات. فقد كشف اكتشافها عام 1922 عن كنوز هائلة محفوظة بشكل شبه كامل، الأمر الذي جعلها أعظم مقبرة ملكية عُثر عليها في مصر القديمة. لكن هذا الاكتشاف لم يخلُ من الجدل؛ إذ ارتبط اسم مكتشفها هوارد كارتر باتهامات بسرقة بعض القطع الأثرية، كما ظهرت نظريات تربط بينه وبين سياسات الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط، خصوصًا ما يتعلق بـ وعد بلفور.
في هذا المقال سنستعرض قصة اكتشاف المقبرة، والجدل حول سرقة بعض محتوياتها، ودور الحكومة المصرية في حماية آثارها، إضافة إلى حقيقة العلاقة بين كارتر والسياسة البريطانية.
اكتشاف المقبرة في وادي الملوك
تقع مقبرة توت عنخ آمون في وادي الملوك، وهو المكان الذي دُفن فيه ملوك الأسرة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرين من الفراعنة. كان علماء الآثار يعتقدون أن الوادي قد استُكشف بالكامل تقريبًا، لكن كارتر كان مقتنعًا بأن مقبرة توت عنخ آمون ما زالت مفقودة.
بدعم مالي من اللورد الإنجليزي اللورد كارنارفون، بدأ كارتر حفرياته في الوادي منذ عام 1917. وبعد سنوات من العمل المضني، اكتشف العمال في نوفمبر 1922 درجات حجرية تقود إلى باب مختوم يحمل أختامًا ملكية.
وعندما فتح كارتر الباب الداخلي للمقبرة وسأله كارنارفون: "هل ترى شيئًا؟"، أجاب بجملته الشهيرة:
"نعم، أرى أشياء رائعة."
كانت المقبرة شبه سليمة، وتضم آلاف القطع الأثرية، مثل:
القناع الذهبي الشهير
العرش الملكي
العربات الحربية
التماثيل الذهبية
المجوهرات والأسلحة
وقد وفّر هذا الاكتشاف معلومات هائلة عن حياة الملوك في عصر الإمبراطورية المصرية خلال الأسرة الثامنة عشرة.
اتهامات بسرقة هوارد كارتر لقطع من المقبرة
رغم الإنجاز العلمي الكبير، ظهرت لاحقًا اتهامات تشير إلى أن كارتر ربما أخفى بعض القطع الأثرية الصغيرة قبل توثيق المقبرة رسميًا.
تشير بعض الوثائق إلى أن:
بعض القطع ظهرت لاحقًا في متاحف أوروبية.
وُجدت آثار صغيرة في مجموعة كارتر الخاصة.
اشتبه مسؤولو الآثار المصريون في أن بعض القطع أُخرجت قبل الجرد الرسمي.
في ذلك الوقت كانت مصر تحت النفوذ البريطاني، وكان النظام المتبع في التنقيب يسمح أحيانًا بتقسيم الآثار بين البعثة الأجنبية والحكومة المصرية، وهو ما استغله بعض علماء الآثار في السابق.
لكن في حالة مقبرة توت عنخ آمون، اتخذت الحكومة المصرية موقفًا صارمًا.
موقف الحكومة المصرية وحماية المقبرة
كانت مصلحة الآثار المصرية، التي كانت تُعرف باسم مصلحة الآثار المصرية، مصممة على الاحتفاظ بكامل كنوز المقبرة داخل مصر.
ولهذا السبب:
رفضت تقسيم الآثار مع البعثة البريطانية.
فرضت رقابة صارمة على عملية إخراج القطع.
أوقفت العمل مؤقتًا في المقبرة عام 1924 بسبب خلاف مع كارتر.
وفي النهاية تقرر أن جميع كنوز المقبرة ملك لمصر بالكامل، وهو قرار كان له أثر كبير في حماية التراث المصري.
اليوم تُعرض معظم كنوز توت عنخ آمون في المتحف المصري بالقاهرة، ويجري نقل الكثير منها إلى المتحف المصري الكبير.
هل سرق كارتر بالفعل كنوزًا من المقبرة؟
لا يوجد دليل قاطع يثبت أن كارتر قام بسرقة كبيرة ومنظمة، لكن توجد مؤشرات مثيرة للجدل.
فقد اكتشف الباحثون في العقود الأخيرة أن بعض القطع الصغيرة المرتبطة بالمقبرة ظهرت في متاحف أو مجموعات خاصة في أوروبا. كما أقر متحف المتروبوليتان في نيويورك لاحقًا بإعادة بعض القطع إلى مصر بعد التأكد من ارتباطها بالمقبرة.
ومع ذلك يرى بعض المؤرخين أن:
ما حدث قد يكون نتيجة فوضى التوثيق في الأيام الأولى للاكتشاف.
أو بسبب نقل بعض القطع مؤقتًا للدراسة.
وبالتالي ما زال الجدل قائمًا حول حجم هذه السرقات إن وُجدت.
علاقة هوارد كارتر بوعد بلفور
يحاول بعض الكُتّاب الربط بين كارتر والسياسات البريطانية في الشرق الأوسط، وخاصة آرثر بلفور صاحب وعد بلفور عام 1917.
لكن في الواقع:
كارتر لم يكن سياسيًا.
لم يكن جزءًا من الحكومة البريطانية.
لم يشارك في صياغة السياسات الاستعمارية.
كان كارتر في الأساس رسامًا أثريًا ثم عالم آثار متخصصًا في مصر القديمة.
ومع ذلك فإن اكتشاف المقبرة حدث في فترة كانت فيها بريطانيا تمارس نفوذًا كبيرًا في مصر، وهو ما جعل بعض الباحثين ينظرون إلى علم الآثار آنذاك باعتباره جزءًا من مشروع ثقافي وسياسي أوسع للنفوذ الأوروبي في الشرق الأوسط.
بمعنى آخر، العلاقة بين كارتر ووعد بلفور ليست علاقة مباشرة، بل علاقة زمنية وسياسية مرتبطة بمرحلة الإمبراطورية البريطانية.
أهمية المقبرة في علم المصريات
يُعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون أهم حدث في تاريخ علم المصريات لعدة أسباب:
المقبرة كانت شبه سليمة، وهو أمر نادر للغاية.
كشفت عن آلاف القطع الأثرية المرتبطة بالحياة الملكية.
ساعدت العلماء على فهم الطقوس الجنائزية في الدولة الحديثة.
قدّمت معلومات مهمة عن فترة ما بعد ثورة أخناتون الدينية.
كما أن القناع الذهبي لتوت عنخ آمون أصبح أحد أشهر الرموز الأثرية في العالم.