ولادة تحت القمر”

ولادة تحت القمر”

Rating 0 out of 5.
0 reviews

عواء لا يموت

image about ولادة تحت القمر”

1. وكر مهجور

في جبال الثلوج، فتح سند عينيه داخل وكر ضيق. كان يعرف أمه من دفء لسانها. كان يعرف أباه من عواء بعيد. لكن ليلة اكتمال قمره الأول، خرج الأبوان لصيد غزال. لم يعودا. انتظر سند طوال الليل، يسمع الريح وحدها. عند الفجر، خرج أنفه الصغير يرتعش من برد قارس. لا أثر لأمه. لا عواء لأبيه. بقي في الوكر ثلاثة أيام، يأكل بقايا عظم قديم ويلعق الثلج.

2. الجوع يعلم

في اليوم الرابع، غادر الوكر. جوعه كان أكبر من خوفه. شم رائحة فأر تحت حجر. حفر بمخالبه الضعيفة حتى تعبت، لكنه لم يمسكه. جلس يبكي عواءً خافتًا، ثم تذكر غريزة قديمة: الذئب الوحيد لا يبكي. إما يصطاد أو يموت. بعد أسبوع، رأى أرنبًا غافلًا. انقض عليه بساقيه المرتجفتين. سقط مرتين، لكنه عض العنق بأنيابه اللبنية. أكل الفريسة كاملة. تلك الليلة، عوى نحو القمر. لم يكن عواء فرح، بل إعلان أنه لم يعد ضعيفًا.

3. وحوش الجبل

واجه سند عقربًا لدغ كفه فانتفخ ثلاثة أيام. واجه ذئبًا ضالًا كاد يمزقه، فهرب بأقصى سرعته. واجه صقرًا حلق فوقه يظنه جيفة، فاختبأ تحت الصخور. تعلم ألا يثق بأحد. تعلم أن يهاجم من الخلف، وأن يختفي كالظل، وأن يركض أسرع من الريح. في ليلة عاصفة، نجا من انهيار صخري بفضل حاسة سمعه التي صقلها الوحدة.

4. صانع القطيع

في شتائه الثاني، وجد ثلاثة جراء يتامى تحت صخرة مهدومة. أمهم ماتت، وأبهم لا يعرف. تذكر سند نفسه الصغيرة. جلس عند مدخل الوكر يحرسهم ثلاث ليال. أطعمهم من صيده. علمهم كيف يختبئون وكيف ينقضون. كبروا معه، وأصبحوا قطيعه. لم يعد وحيدًا أبدًا. وفي كل ليلة، يعوي سند للقمر، ليس حزنًا على من رحلوا، بل فخرًا بمن أصبمرت مواسم أخرى… وتبدّل الجبل.

لم يعد المكان مجرد صخورٍ وثلج، بل صار حدودًا يحرسها “سند” وقطيعه. الجراء الثلاثة كبروا، اختلفت طباعهم، لكنهم تشابهوا في شيء واحد: عيون تعرف أن البقاء لا يُهدى… بل يُنتزع.

كان “سند” يراقبهم من بعيد. لا يتدخل كثيرًا. فقط حين يخطئون الخطأ الذي يقتل.

في إحدى الليالي، عاد أحدهم مصابًا. جرحٌ عميق على كتفه، وآثار أنيابٍ غريبة. لم تكن لذئب. كانت أكبر… وأثقل.

رفع “سند” رأسه، شمّ الهواء، ثم تجمد.

الدببة.

لم تكن تمرّ عادةً من هذه المنطقة… إلا إذا تغيّر شيء.

وفي الأيام التالية، تغيّر كل شيء.

اختفت الفرائس. صمتت الأرض. حتى الريح، بدت وكأنها تحمل رائحة خطرٍ ثقيل. القطيع بدأ يضعف. الجوع عاد… لكن هذه المرة لم يكن وحيدًا، بل ينهش الجميع.

وقف “سند” على حافة مرتفعة، ينظر إلى واديهم الذي عاش فيه كل شيء. ثم اتخذ قراره.

الرحيل.

لم يكن القرار سهلًا. هذا المكان لم يكن مجرد مأوى… كان قصة نجاته. لكنه تعلم منذ زمن: التمسك بما يموت… موت بطيء.

في الفجر، تحرك القطيع.

ثلوجٌ جديدة، طرقٌ مجهولة، وعيونٌ تترقب كل ظل. قادهم “سند” عبر ممراتٍ ضيقة، فوق حوافٍ خطرة، ومن خلال عواصف كادت تبتلعهم. واحدٌ منهم كاد يسقط في هاوية، فعضه “سند” وسحبه بقوة، كأنما يرفض أن يخسر أحدًا… كما خسر من قبل.

بعد أيامٍ من السير، وصلوا إلى وادٍ مختلف.

أقل قسوة… لكنه ليس فارغًا.

كانت هناك عيون تراقبهم.

قطيع آخر.

تقدّم الذئب القائد، ضخمًا، مهيبًا، يحمل ندوب معاركٍ كثيرة. توقف على مسافة، وحدّق في “سند”. لم يكن في نظرته ترحيب… بل سؤال واحد:

هل تستحق البقاء هنا؟

خطا “سند” خطوة للأمام.

لم يعوِ. لم يُظهر أنيابه. فقط ثبت نظره.

صمتٌ ثقيل مرّ بينهما، كأن الجبل كله ينتظر.

ثم، فجأة—هجوم.

اندفع القائد نحوه بسرعة خاطفة. تفادى “سند” الضربة الأولى، دار حوله، هاجم من الجانب. تصادمت الأجساد، تناثرت الثلوج، وارتفع صوت العراك في الوادي.

لم تكن معركة قوة… بل إرادة.

تلقى “سند” ضربة، ترنح، كاد يسقط. في تلك اللحظة، عاد إليه كل شيء: الوكر البارد، الجوع، العواء الذي لم يُجب عليه أحد.

وقف.

وانقض.

بضربة سريعة، أجبر القائد على التراجع خطوة.

خطوة واحدة… كانت كافية.

توقف القتال.

تراجع الذئب القائد، حدّق فيه طويلًا… ثم أدار ظهره ببطء.

لم يكن استسلامًا كاملًا… لكنه اعتراف.

اقترب القطيعان بحذر. لم يحدث عواء. لم يحدث احتفال.

فقط مساحة جديدة… قُسمت بالصمت.

في تلك الليلة، صعد “سند” إلى مرتفعٍ يطل على الوادي الجديد. القطيع خلفه… أكبر، أقوى، لكنه ما زال يحمل أثر كل ما مرّوا به.

رفع رأسه نحو القمر.

وعوى.

لكن هذه المرة… لم يكن إعلان نجاة فقط.

كان وعدًا.

أن لا أحد منهم…

 

comments ( 0 )
please login to be able to comment
article by
Hussam Rating 0 out of 5.
articles

1

followings

1

followings

2

similar articles
-