عندما تنتصر الكلمات على السيوف

عندما تنتصر الكلمة على السيف
ليست كل المعارك تُخاض بالرماح والسيوف، ولا يُكتب النصر فيها لمن يملك أقوى جيش أو أعتى الأسلحة. بل هناك معارك يكون السلاح فيها هو الكلمة، والعلم، والإصرار على البقاء. واحدة من أعظم هذه القصص، وأقلها شهرة، حدثت في مدينة الزابيد اليمنية قبل خمسة قرون.
الزابيد: "القاهرة الصغرى" وقبلة العلماء
كانت الزابيد، التي تقع في سهل تهامة، قبلة للعلماء وطلاب العلم من شتى أرجاء العالم الإسلامي. ضمت المدينة أكثر من مائتي مدرسة تحيط بمسجدها الكبير، ومكتبات عامة تضم آلاف المخطوطات النادرة. لدرجة أن المدينة لقبت بـ "القاهرة الصغرى" و "دار العلم". وكان من تقاليدها العجيبة أن الطالب إذا أنهى حفظ القرآن أو كتاباً في الفقه، يخلع نعليه عند باب أستاذه تواضعاً.
الخطر القادم من البحر: الأسطول البرتغالي
في عام ۹۳٥ هـ (۱۵۲۸ م)، وبينما كانت أوروبا تنهض من عصورها المظلمة، كانت البرتغال تبحر بأساطيلها نحو الشرق لتدمير مراكز الثقافة الإسلامية في المحيط الهندي. وصلت الأنباء إلى الزابيد بأن أسطولاً برتغالياً ضخماً عازم على نهب المدينة وحرق مكتباتها، بحجة أنها مصدر "البدع والضلالات" التي تهدد طريق تجارتهم.
مشورة العلماء: سلاح مختلف لمعركة مختلفة
تساءل حكام المدينة العسكريون: كيف نواجه المدافع البرتغالية بسيوفنا؟ كان الحل الذي قدمه كبار المعلمين والعلماء غريباً. قالوا: "لنقاتلهم بالعلم الذي يخافونه".
خطة الدفاع العجيبة: نقل الكتب والتعليم في الشوارع
اتخذوا قراراً مذهلاً: تم نقل آلاف المخطوطات من المكتبات إلى برج الجامع الكبير، وهو أقدم مبنى في المدينة. لم يكتفِ العلماء بذلك، بل نُظمت حلقات الدرس في الشوارع المؤدية إلى البرج، وأُجبر كل طالب أن يقرأ بصوت عالٍ. صار مشهداً عجيباً: تعلم الصبيان حروف الهجاء، بينما يلوح أسطول العدو في الأفق.
الحظة الحاسمة: رسالة الإنذار والرد الخالد
عندما اقتربت السفن، رأى القباطنة من خلال مناظيرهم مشهداً أربك حساباتهم: مدينة بلا جيوش مصطفة، ولا خنادق محفورة، بل طلاب وعلماء يرددون القرآن في صمت، وكأنهم يتحدون المدافع الصامتة. أرسل القائد رسالة إنذار: "إما أن تسلموا كتبكم لنحرقها، أو ستحرق المدينة بمن فيها".
جاء الرد من شيخ الجامع: "الكتب تحترق، لكن العلم في الصدور لا يحترق. نحن أمة اقرأ، لن نرضى بالجهل ثمناً للسلام".
الانسحاب: انتصار الروح على المدافع
يقول المؤرخون إن القائد البرتغالي تراجع في اللحظة الأخيرة. ليس خوفاً من الموت، بل لأنه أدرك أن إحراق مدينة تتعلم في وجه الموت هو انتصار للروح لا يمكن لأي مدفعية أن تمحوه. انسحب الأسطول، وعاش العلم في الزابيد لقرون تالية.
الخاتمة: دروس من الماضي لمستقبل مشرق
اليوم، الزابيد ليست كما كانت. هجرها الكثير، وتناثرت مخطوطاتها في متاحف العالم. ولكن في كل عام، وتحديداً في ذكرى ذلك الموقف، يجتمع طلاب المدينة القديمة، ويقرأون آية واحدة: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}، تكريماً لانتصار الكتب على السيوف، وانتصار الفكرة التي لا تموت على قوة الغزاة الذين رحلوا.