حين يصبح المستحيل مجرد كلمة: مصطفى مبارك.. الإسكندراني الذي أعاد كتابة قواعد التفوق في كنتاكي

حين يصبح المستحيل مجرد كلمة: مصطفى مبارك.. الإسكندراني الذي أعاد كتابة قواعد التفوق في كنتاكي

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

حين يصبح المستحيل مجرد كلمة: مصطفى مبارك.. الإسكندراني الذي أعاد كتابة قواعد التفوق في كنتاكي

image about حين يصبح المستحيل مجرد كلمة: مصطفى مبارك.. الإسكندراني الذي أعاد كتابة قواعد التفوق في كنتاكي

في قاعة "روب هايل أرينا" الضخمة بجامعة كنتاكي، حيث تتسع المدرجات لآلاف المتخرجين وعائلاتهم، كان الصمت يخيم للحظات قبل أن ينطلق التصفيق. وسط بحر من القبعات السوداء التقليدية، صعد شاب نحيل القامة، عيناه تلمعان بمزيج من الفخر والدموع المكتومة. لم يكن مصطفى مبارك يرتدي وشاحاً أكاديمياً عادياً؛ بل كان علم مصر بألوانه الثلاثة يطوق عنقه كأنه درع من الانتماء.

في تلك اللحظة، لم يكن يسمع صخب الموسيقى ولا هتافات الحضور. كان يسمع فقط صوت أمه وهي تدعو له عبر مكالمة فيديو من شقة متواضعة في الإسكندرية، وصوت أبيه الذي كان يردد دائماً: "أنت لست هناك لتكون مثل الآخرين، بل لتثبت أننا قادرون على أن نكون الأفضل."

ثلاث شهادات في أربع سنوات: الجنون الأكاديمي الذي اختاره بإرادته

عندما قرر مصطفى مبارك، القادم من مدينة الإسكندرية الساحلية، أن يدرس في جامعة كنتاكي، لم يكن يعلم أنه سيخوض تجربة تشبه محاولة تسلق ثلاثة جبال في وقت واحد. حصل على ثلاث درجات بكالوريوس: الهندسة الكهربائية، هندسة الحاسوب، وعلوم الحاسوب، وكل ذلك في أربع سنوات فقط.

لكن الأرقام وحدها لا تروي القصة. خلف كل شهادة، كانت هناك ليالٍ بيضاء لا تُحصى، ومئات الساعات في المختبرات، ومعادلات رياضية معقدة كانت تطارده حتى في أحلامه. كان جدوله الدراسي يشبه لغزاً مستحيلاً: محاضرات متداخلة، مشاريع تخرج متعددة، وامتحانات تتوالى كالأمواج.

"كانت هناك لحظات شعرت فيها أن عقلي وصل لحدوده القصوى"، يقول مصطفى في حوار سابق. "لكنني كنت أتذكر دائماً أنني لا أحمل حلمي وحدي، بل أحمل أحلام عائلتي ووطني."

الغربة ليست مكاناً.. بل شعور بالمسؤولية المضاعفة

بعيداً عن شوارع الإسكندرية وبحرها الذي اعتاد عليه، وجد مصطفى نفسه في ولاية كنتاكي الأمريكية، حيث الثقافة مختلفة، واللغة تحدٍ يومي، والطقس البارد يذكره بأنه بعيد عن الدفء الذي اعتاده. لكن الغربة الحقيقية لم تكن جغرافية، بل كانت في تلك اللحظات التي يشعر فيها أنه يمثل أكثر من نفسه.

"كلما دخلت قاعة محاضرات، كنت أشعر أنني لست مجرد طالب، بل أنني سفير لبلدي"، يضيف مصطفى. كان يعلم أن أي تقصير منه سيُنسب لأصله، وأن أي تفوق سيكون رسالة قوية بأن الشباب العربي قادر على المنافسة في أعلى المستويات الأكاديمية.

خلف الكواليس: التضحيات التي لا تظهر في الصور

بينما كان زملاؤه الأمريكيون يقضون عطلات نهاية الأسبوع في الحفلات والرحلات، كان مصطفى يجلس في مكتبة "وليام تي يونغ" حتى ساعات الفجر الأولى. كان يعيش على وجبات سريعة رخيصة، ويوفر كل دولار ليرسله لعائلته أو ليشتري كتاباً دراسياً جديداً.

لم يكن الطريق مفروشاً بالورود. كانت هناك مواد رسب فيها في المحاولة الأولى، ومشاريع فشلت، ولحظات شك في قدرته على إكمال هذا الماراثون الأكاديمي المجنون. لكن في كل مرة كان يتعثر، كان يتذكر وجه أمه وهي تودعه في مطار القاهرة، وكلماتها الأخيرة: "ارفع راسنا يا حبيبي."

العلم المصري: أكثر من قطعة قماش

عندما سُئل مصطفى عن سبب ارتدائه لعلم مصر في حفل التخرج، كانت إجابته بسيطة لكنها عميقة: "هذا العلم هو الذي حملني طوال السنوات الأربع. كلما شعرت بالضعف، كنت أنظر إليه وأتذكر أنني لست وحدي."

لم يكن العلم مجرد رمز وطني، بل كان بوصلة تذكره بهويته وسط زحام الثقافة الأمريكية. كان يعلقه في غرفته الصغيرة في السكن الجامعي، وكان آخر ما يراه قبل النوم وأول ما يراه عند الاستيقاظ.

جامعة كنتاكي تحتفي بالإنجاز الاستثنائي

لم يمر إنجاز مصطفى مرور الكرام. نشرت كلية الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسوب في جامعة كنتاكي خبراً على موقعها الرسمي تحتفي فيه بهذا الطالب الدولي الاستثنائي. وصفته الجامعة بأنه "مثال حي على التفاني والتميز الأكاديمي"، وأشارت إلى أن حصوله على ثلاث درجات في أربع سنوات يُعد إنجازاً نادراً حتى بين الطلاب الأمريكيين.

رسالة إلى كل حالم: الحدود وهم نصنعه بأنفسنا

قصة مصطفى مبارك ليست مجرد قصة نجاح أكاديمي، بل هي رسالة قوية لكل شاب عربي يشعر أن الظروف أقوى منه، أو أن الأحلام الكبيرة حكر على الآخرين. إنها تخبرنا أن الحدود ليست جغرافية ولا اقتصادية، بل هي مجرد جدران نبنيها داخل عقولنا.

لم يكن مصطفى يمتلك ثروة، ولا كان ينتمي لعائلة أكاديمية مرموقة. كان يمتلك فقط إرادة حديدية، وإيمان عميق بأن الانتماء لوطن عظيم يفرض عليه مسؤولية أن يكون عظيماً.

اليوم، وبعد أن أصبح مصطفى مبارك خريجاً بثلاث شهادات هندسية، يقف كشاهد حي على أن المستحيل ليس حقيقة، بل مجرد كلمة يستخدمها من استسلموا مبكراً. أما من يحملون أوطانهم على أكتافهم، فلا يعرفون معنى الاستسلام.  

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
ezzat mohamed تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

15

متابعهم

61

قصص النجاح
صورة مقال المقعد الأخير في الحافلة  كان عمر شابًا عاديًا يعيش في حي بسيط، يعمل طوال النهار في متجر صغير، ثم يعود إلى منزله متعبًا في المساء. لم يكن يملك الكثير، لكنه كان يحلم دائمًا بأن يصبح كاتبًا معروفًا، وكان يحتفظ بدفتر قديم يكتب فيه أفكاره وقصصه كل ليلة. كان أصدقاؤه يسخرون من حلمه ويخبرونه أن الكتابة لن تطعمه خبزًا، لكنه كان يبتسم ويجيبهم: «ربما لا أستطيع تغيير حياتي اليوم، لكنني أستطيع أن أبدأ بتغييرها». وفي إحدى الليالي، قرر أن يرسل إحدى قصصه إلى دار نشر، لكنه تلقى بعد أيام رسالة قصيرة تخبره بأن قصته لم تُقبل. شعر بالإحباط، ووضع الدفتر جانبًا، وقرر أن يتوقف عن الكتابة.  في صباح اليوم التالي، استقل عمر الحافلة متجهًا إلى عمله. كانت الحافلة مزدحمة، ولم يجد سوى مقعد واحد في الخلف. جلس بجوار رجل مسن يحمل حقيبة صغيرة وكتابًا قديمًا. لاحظ الرجل الدفتر الذي يحمله عمر، فسأله: «هل تكتب؟» تردد عمر ثم قال: «كنت أكتب». ابتسم الرجل وسأله عن سبب توقفه، فأخبره عمر أن قصته رُفضت وأنه بدأ يشعر بأن حلمه أكبر من قدراته. صمت الرجل للحظات، ثم أخرج من حقيبته ورقة قديمة وقال: «هذه أول قصة كتبتها في حياتي، أرسلتها إلى عشر دور نشر، ورفضتها جميعًا». نظر عمر إليه بدهشة، فسأله: «وهل توقفت؟» ضحك الرجل وقال: «لو توقفت، لما كنت أعيش الآن من الكتابة».  كانت كلمات الرجل بسيطة، لكنها بقيت في ذهن عمر طوال اليوم. في المساء، عاد إلى غرفته، وأخرج الدفتر من الدرج، ثم بدأ يكتب من جديد. هذه المرة لم يكتب لأنه يريد الشهرة أو المال، بل لأنه أحب الكتابة نفسها. كتب صفحة، ثم أخرى، حتى انتهى من قصته بعد أسابيع. أرسلها مرة أخرى إلى دار النشر، ثم انتظر النتيجة. مرت الأيام دون رد، وكاد يشعر باليأس من جديد، لكنه تذكر الرجل العجوز، فقرر ألا يستسلم. بدأ يكتب قصة أخرى، ثم ثالثة، وأصبح كل رفض يحصل عليه سببًا ليكتب أفضل من السابق.  بعد عدة أشهر، تلقى عمر اتصالًا من دار نشر. في البداية ظن أنها رسالة رفض جديدة، لكنه فوجئ بالمحرر يخبره بأنهم قرأوا قصته وأعجبوا بها، ويرغبون في نشرها. ظل صامتًا لثوانٍ، وكأنه لم يستوعب ما سمعه. ثم سأل المحرر: «هل أنتم متأكدون أنكم تقصدون قصتي أنا؟» ضحك الرجل وقال: «نعم، قصتك أنت». أغلق عمر الهاتف، ونظر إلى الدفتر القديم الذي كاد يرميه ذات يوم. لأول مرة شعر أن كل لحظة إحباط مر بها لم تكن نهاية الطريق، بل كانت جزءًا من الطريق الذي أوصله إلى حلمه.  في يوم إطلاق كتابه الأول، ذهب عمر إلى المكان الذي كان يجلس فيه الرجل المسن داخل الحافلة. جلس في المقعد نفسه، وأخرج نسخة من كتابه ووضعها بجواره. كان يتمنى أن يراه مرة أخرى ليشكره، لكنه لم يعرف حتى اسمه. وبينما كان يستعد للنزول، لمح رجلًا مسنًا يدخل الحافلة ويحمل حقيبة صغيرة تشبه الحقيبة القديمة التي رآها منذ سنوات. اقترب منه وسأله: «هل كنت تجلس هنا دائمًا؟» نظر الرجل إليه وابتسم، ثم قال: «أحيانًا، لكنني كنت أترك هذا المقعد لشخص يحتاج إلى كلمة واحدة». شعر عمر بقشعريرة من شدة التأثر، وأعطاه نسخة من كتابه. قلب الرجل الصفحات، ثم قال: «كنت أعرف أنك ستكمل».  عاد عمر إلى منزله في ذلك المساء، ووضع كتابه الأول بجوار دفتره القديم. أدرك أن النجاح لم يبدأ يوم نشرت دار النشر كتابه، بل بدأ في اللحظة التي قرر فيها أن يكتب مرة أخرى بعد أول رفض. ومنذ ذلك اليوم، أصبح عمر كلما قابل شخصًا محبطًا يخبره أن الفشل ليس دليلًا على أن حلمك مستحيل، بل ربما يكون مجرد اختبار لمعرفة مدى رغبتك فيه. فقد لا نحتاج دائمًا إلى فرصة كبيرة حتى تتغير حياتنا؛ أحيانًا تكفي كلمة صادقة من شخص لا نعرفه، أو مقعد أخير في حافلة، أو لحظة واحدة نقرر فيها ألا نستسلم.
المقعد الأخير في الحافلة كان عمر شابًا عاديًا يعيش في حي بسيط، يعمل طوال النهار في متجر صغير، ثم يعود إلى منزله متعبًا في المساء. لم يكن يملك الكثير، لكنه كان يحلم دائمًا بأن يصبح كاتبًا معروفًا، وكان يحتفظ بدفتر قديم يكتب فيه أفكاره وقصصه كل ليلة. كان أصدقاؤه يسخرون من حلمه ويخبرونه أن الكتابة لن تطعمه خبزًا، لكنه كان يبتسم ويجيبهم: «ربما لا أستطيع تغيير حياتي اليوم، لكنني أستطيع أن أبدأ بتغييرها». وفي إحدى الليالي، قرر أن يرسل إحدى قصصه إلى دار نشر، لكنه تلقى بعد أيام رسالة قصيرة تخبره بأن قصته لم تُقبل. شعر بالإحباط، ووضع الدفتر جانبًا، وقرر أن يتوقف عن الكتابة. في صباح اليوم التالي، استقل عمر الحافلة متجهًا إلى عمله. كانت الحافلة مزدحمة، ولم يجد سوى مقعد واحد في الخلف. جلس بجوار رجل مسن يحمل حقيبة صغيرة وكتابًا قديمًا. لاحظ الرجل الدفتر الذي يحمله عمر، فسأله: «هل تكتب؟» تردد عمر ثم قال: «كنت أكتب». ابتسم الرجل وسأله عن سبب توقفه، فأخبره عمر أن قصته رُفضت وأنه بدأ يشعر بأن حلمه أكبر من قدراته. صمت الرجل للحظات، ثم أخرج من حقيبته ورقة قديمة وقال: «هذه أول قصة كتبتها في حياتي، أرسلتها إلى عشر دور نشر، ورفضتها جميعًا». نظر عمر إليه بدهشة، فسأله: «وهل توقفت؟» ضحك الرجل وقال: «لو توقفت، لما كنت أعيش الآن من الكتابة». كانت كلمات الرجل بسيطة، لكنها بقيت في ذهن عمر طوال اليوم. في المساء، عاد إلى غرفته، وأخرج الدفتر من الدرج، ثم بدأ يكتب من جديد. هذه المرة لم يكتب لأنه يريد الشهرة أو المال، بل لأنه أحب الكتابة نفسها. كتب صفحة، ثم أخرى، حتى انتهى من قصته بعد أسابيع. أرسلها مرة أخرى إلى دار النشر، ثم انتظر النتيجة. مرت الأيام دون رد، وكاد يشعر باليأس من جديد، لكنه تذكر الرجل العجوز، فقرر ألا يستسلم. بدأ يكتب قصة أخرى، ثم ثالثة، وأصبح كل رفض يحصل عليه سببًا ليكتب أفضل من السابق. بعد عدة أشهر، تلقى عمر اتصالًا من دار نشر. في البداية ظن أنها رسالة رفض جديدة، لكنه فوجئ بالمحرر يخبره بأنهم قرأوا قصته وأعجبوا بها، ويرغبون في نشرها. ظل صامتًا لثوانٍ، وكأنه لم يستوعب ما سمعه. ثم سأل المحرر: «هل أنتم متأكدون أنكم تقصدون قصتي أنا؟» ضحك الرجل وقال: «نعم، قصتك أنت». أغلق عمر الهاتف، ونظر إلى الدفتر القديم الذي كاد يرميه ذات يوم. لأول مرة شعر أن كل لحظة إحباط مر بها لم تكن نهاية الطريق، بل كانت جزءًا من الطريق الذي أوصله إلى حلمه. في يوم إطلاق كتابه الأول، ذهب عمر إلى المكان الذي كان يجلس فيه الرجل المسن داخل الحافلة. جلس في المقعد نفسه، وأخرج نسخة من كتابه ووضعها بجواره. كان يتمنى أن يراه مرة أخرى ليشكره، لكنه لم يعرف حتى اسمه. وبينما كان يستعد للنزول، لمح رجلًا مسنًا يدخل الحافلة ويحمل حقيبة صغيرة تشبه الحقيبة القديمة التي رآها منذ سنوات. اقترب منه وسأله: «هل كنت تجلس هنا دائمًا؟» نظر الرجل إليه وابتسم، ثم قال: «أحيانًا، لكنني كنت أترك هذا المقعد لشخص يحتاج إلى كلمة واحدة». شعر عمر بقشعريرة من شدة التأثر، وأعطاه نسخة من كتابه. قلب الرجل الصفحات، ثم قال: «كنت أعرف أنك ستكمل». عاد عمر إلى منزله في ذلك المساء، ووضع كتابه الأول بجوار دفتره القديم. أدرك أن النجاح لم يبدأ يوم نشرت دار النشر كتابه، بل بدأ في اللحظة التي قرر فيها أن يكتب مرة أخرى بعد أول رفض. ومنذ ذلك اليوم، أصبح عمر كلما قابل شخصًا محبطًا يخبره أن الفشل ليس دليلًا على أن حلمك مستحيل، بل ربما يكون مجرد اختبار لمعرفة مدى رغبتك فيه. فقد لا نحتاج دائمًا إلى فرصة كبيرة حتى تتغير حياتنا؛ أحيانًا تكفي كلمة صادقة من شخص لا نعرفه، أو مقعد أخير في حافلة، أو لحظة واحدة نقرر فيها ألا نستسلم.
مقالات مشابة
-