الازرق يعني التوحد للكاتبه:شهرزادا
الفصل الأول:
كانت عقارب الساعة تقترب من الخامسة مساءً، والهدوء يلف عيادة الدكتورة "شهد" النفسية، إلا من صوت قطرات المطر الخفيفة التي تطرق نافذتها المطلة على شوارع القاهرة الصاخبة.
رتبت شهد حجابها البيج الذي تناسق بنعومة مع عينيها العسليتين الواسعتين، وألقت نظرة على مرآة صغيرة فوق مكتبها. بطولها البالغ 170 سم وقوامها المتناسق، كانت شهد تملك حضوراً يجمع بين الهيبة والجاذبية، لكن ميزتها الحقيقية كانت في تلك النظرة الدافئة التي تمنح الطمأنينة لكل من يمر بباب عيادتها.
رن جرس الهاتف الداخلي، وجاء صوت السكرتيرة مرتبكاً بعض الشيء: — "دكتورة شهد، الحالة الأخيرة وصلت... السيد حسام وعائلته بالخارج."
أخذت شهد نفساً عميقاً، وفتحت الملف الطبي الذي أُرسل إليها مسبقاً. "حسام، 26 عاماً، طيف توحد عالي الأداء (Asperger's)، نسبة ذكاء استثنائية، يرفض التواصل البصري، ولديه نوبات قلق حادة عند تغيير روتينه."
فتحت شهد الباب بنفسها لتستقبلهم، وللوهلة الأولى، شعرت بذهول طفيف لم تظهره على وجهها المدرب.
دخل "حسام". كان عملاقاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بطول يصل إلى 200 سم، وجسد رياضي ممشوق يبدو واضحاً من تحت قميصه الأسود البسيط. كان يملك ملامح حادة وجذابة للغاية؛ بشرة حنطية، وفكاً عريضاً، وشعراً أسود كثيفاً. لكنه لم يكن ينظر إلى أي أحد، كانت عيناه مثبتتين على الأرض، وأصابعه تتحرك بحركات إيقاعية سريعة ومنتظمة.
تحركت والدته بقلق قائلة: "أهلاً يا دكتورة... تعبنا جداً حتى أقنعناه بالمجيء."
ابتسمت شهد بدفء وقالت بصوت هادئ ومريح: "أهلاً بكم. تفضلوا... حسام، يمكنك الجلوس حيث تشعر بالراحة."
لم يستجب حسام فوراً، بل مشى بخطوات منتظمة وعريضة نحو المقعد المفرد المقابل للمكتب، وجلس وعيناه ما زالتا تدرسان تفاصيل السجادة. كان يبدو كالملك في خلوته، غامضاً ومحاطاً بهالة من العزلة.
طلبت شهد من والدته بلطف أن تنتظر في الخارج لتبدأ جلستها الأولى معه. ساد الصمت الغرفة لمدة خمس دقائق كاملة. لم تحاول شهد إجباره على الحديث، بل جلست بهدوء، تراقبه وتمنحه الأمان.
فجأة، وبدون مقدمات، قال حسام بصوت رجولي عميق ومنخفض، يفتقر إلى النبرة العاطفية لكنه شديد الوضوح: — "الغرفة تحتوي على 143 كتاباً في المكتبة خلفك. الإضاءة هنا بقوة 4000 كلفن، وهي مريحة، لكن اللوحة المعلقة وراءك مائلة بزاوية درجتين نحو اليسار. هذا مزعج."
ابتسمت شهد بذهول من شدة ملاحظته وذكائه الخارق. لم تكذب أو تحاول مجاملته، بل التفتت وقامت بتعديل اللوحة ببطء حتى أصبحت مستقيمة تماماً، ثم التفتت إليه وقالت: — "هكذا أفضل؟"
لأول مرة منذ دخوله، تحركت عينا حسام صعوداً. ارتفعت عيناه السوداوان والتقتا بعيني شهد العسليتين لأقل من ثانية، قبل أن يعود للنظر إلى يديه. تلك الثانية الواحدة كانت كافية لتشعر شهد بكهرباء غريبة تسري في المكان.
قال حسام بصوت أهدأ قليلاً: "نعم. أفضل."
قالت شهد بنبرتها الدافئة: "أنا شهد، يا حسام. وأنا هنا ليس لأغيرك، بل لأفهم عالمك، إذا سمحت لي بالطبع."
حرك حسام أصابعه بتوتر، وبدا أن الكلمات تخرج منه بصعوبة رغم ذكائه: "عالمي مزدحم جداً... الأصوات عالية، الألوان صارخة، والناس... الناس يتحدثون كثيراً دون أن يقولوا شيئاً مفيداً."
شعرت شهد بقلبها ينبض بطريقة مختلفة. لم يكن حسام مجرد مريض يمر على عيادتها، كان هناك شيء ما في غموضه، في قوته الجسدية الممزوجة بنقائه الحاد، يلمس روحها بشكل لم تتوقعه.
قالت له: "إذن، لنلتقي في المنتصف. هنا، في هذه الغرفة، يمكنك أن تقول فقط ما هو مفيد، وبالسرعة التي تناسبك."
نظر حسام إلى الساعة في معصمه، وكانت الساعة تشير إلى الخامسة والنصف تماماً. وقف فجأة بكامل طوله الفارغ، مما جعل شهد تبدو صغيرة أمامه رغم طولها.
قال وعيناه مثبتتان على الباب: "انتهى وقت الجلسة الأولى. سأأتي الثلاثاء القادم في نفس الساعة. كوني مستعدة."
تحرك نحو الباب بخطواته الرياضية الواثقة وغادر، تاركاً خلفه عاصفة من المشاعر المتضاربة في قلب الدكتورة شهد، التي أدركت في تلك اللحظة أن رحلتها مع هذا الرجل العملاق لن تكون مجرد رحلة علاج، بل بداية لقصة ستغير حياتها تماماً