اخر نافذه على البحر

اخر نافذه على البحر
في مدينة “أومبرا”، لم يرَ أحد السماء الزرقاء منذ سبعمئة عام. كانت الغيوم السوداء سميكة كالجدران، تخنق كل شعاع شمس، فلا يعرف السكان إن كان النهار قد حل أو الليل إلا من ساعاتهم الرقمية البالية. عاش الناس تحت وهج المصابيح الاصطناعية، ونسوا طعم الدفء الحقيقي.
لكن ليان، الفتى ذو الثالثة عشرة، كان مختلفاً. كان يحلم بأحلام غريبة: بحر لا ماء فيه، بل ضوء سائل يتلألأ كالزئبق. في كل ليلة، كان يرى نفسه يقف أمام نافذة حجرية قديمة، ينظر من خلالها إلى أفق مليء بألوان لا توجد في مدينته.
ذات صباح (بحسب الساعة)، بينما كان ليان يبحث عن خردة يبيعها في سوق الظل، عثر على شيء غريب تحت كومة من الرماد: أسطوانة معدنية صغيرة، مغطاة بنقوش لا يفهمها. عندما لمسها، أضاءت فجأة ورسمت في الهواء خريطة ضوئية تنبض كالقلب. كان هناك نقطة حمراء صغيرة في أقصى شرق المدينة، مكتوب فوقها بحروف نادرة: “النافذة الأخيرة”.
لم يخبر ليان أحداً. هرع إلى شرق أومبرا، حيث الأبنية أكثر انهياراً والغيوم أكثر كثافة. هناك، وسط أنقاض معبد مهجور، وجد باباً حديدياً ضخماً مغلقاً. همس الأسطوانة في يده: “الضوء لا يُفتح بالقوة، بل بالذكرى.”
تذكر ليان فجأة وجه أمه التي ماتت قبل سنوات. كانت دائماً تهمس له: “كان عندنا بيت على البحر يا بني. أتذكر؟ كنت تضع يدك على الزجاج وتضحك.” لم يكن يتذكر شيئاً، لكنه الآن شعر بدفء خيالي في صدره. وضع يده على الباب، وغلق عينيه، وتخيل البحر. تخيل زرقة لا تشبه زرقة المصابيح. تخيل أمواجاً حقيقية.
صرير... ثم فتح الباب.
دخل ليان إلى قاعة دائرية لا سقف لها. وفي وسطها، لم تكن نافذة عادية، بل شق طويل في نسيج الواقع نفسه. خلف ذلك الشق، رأى عالماً مختلفاً تماماً: بحر من نور سائل يمتد إلى ما لا نهاية. كانت السماء زرقاء مبهرة، والشمس حقيقية. ولكنه لم يستطع المرور. النافذة كانت عالقة بين عالمين، مثل فقاعة زجاجية عملاقة.
عندها، تكلمت الأسطوانة مرة أخرى: “لفتح النافذة حقاً، يجب أن يبقى أحدهم هنا إلى الأبد. أنت، أو ذكرياتك.”
كان على ليان أن يختار: أن يعود إلى مدينته الكئيبة ويحتفظ بذكرى هذا المشهد وحده، أو أن يضحي بكل ذكرياته عن أمه لكي يفتح النافذة للأبد ليشرق الضوء على أومبرا كلها.
بكى الفتى طويلاً. ثم همس: “أمي كانت تقول إن الضياء الحقيقي يُورَّث، لا يُكتنز.”
تنهد، وأخرج من جيبه آخر شيء تذكره عن أمه: مشط خشبي صغير. وضعه على الأرض. فجأة، امتصت النافذة المشط، وتلاشت ذكرياتها من عقله مثل دخان. شعر بفراغ رهيب، لكن النافذة بدأت تتسع.
خرج الضوء الأبيض النقي من الشق ينساب مثل نهر. اخترق الغيوم، شققها، فتحها. ولأول مرة منذ قرون، رأى سكان أومبرا شعاع شمس يلامس وجوههم الصفراء الباهتة. خرجوا من بيوتهم يصرخون فرحاً، بينما وقف ليان وحيداً في المعبد، لا يذكر لماذا هو موجود هناك، ولا حتى من هي المرأة التي يحمل مشطها في جيبه.
لكنه نظر إلى السماء فابتسم. شعر بدفء غريب على خده، وقال لنفسه: “هذا الدفء... يبدو كأنه حضن قديم.”
ومنذ ذلك اليوم، باتت “آخر نافذة على البحر” مزاراً لسكان أومبرا. لم يعرف أحد من فتحها، لكنهم أطلقوا على أول شعاع شمس اسم “يد ليان”.