قصة عن انتصار الشر والخبث علي الطيبة والخير

الشاب الذي اضاع الكرة ففقد طريقه
كان هناك شاب متعلم من أسرة ميسورة الحال ليست غنية لكنها كانت تعيش حياة مستقرة ومستورة وكان هذا الشاب بسيطًا وهادئًا بطبيعته لكنه كان يعاني منذ طفولته من مشكلة كبيرة لم يكن يعرف كيف يتعامل معها فقد كان انطوائيًا ولا يستطيع التعامل بسهولة مع الآخرين وكان يجد صعوبة في الرد على الناس أو الدخول في أحاديث معهم حتى مع زملائه في المدرسة وبعض أصدقائه والأشخاص المقربين منه وكانت هذه المشكلة تكبر معه عامًا بعد عام حتى أصبحت جزءًا أساسيًا من شخصيته
منذ طفولته كان يعاني من عدم الثقة في نفسه ولم يكن يشعر بالراحة في التعامل مع زملائه في المدرسة أو مع الأشخاص الموجودين حوله وكان دائمًا يتأثر بما يحدث من حوله لكنه كان يمتلك شيئًا واحدًا فقط يجعله يشعر بأنه مختلف عن كل هذا العالم وهي كرة القدم فقد كان يحب الكرة لدرجة الجنون وكانت بالنسبة له أكثر من مجرد لعبة كانت المتنفس الوحيد الذي يستطيع من خلاله أن يخرج من عالمه المغلق وأن يشعر بأنه يستطيع أن يفعل شيئًا يحبه
كان يلعب كرة القدم في مركز حراسة المرمى وكان يمتلك موهبة حقيقية في هذا المركز وكان بعض زملائه الطيبين يشهدون له بذلك كما أن بعض الأشخاص الأكبر منه سنًا ممن شاهدوه أثناء اللعب كانوا يؤكدون أن لديه إمكانيات مميزة وموهبة تستحق الاهتمام لكن المشكلة لم تكن في موهبته وإنما كانت في الأشخاص الذين كانوا يحيطون به فقد تعرض للتنمر في المدرسة وتعرض أيضًا للتنمر من بعض زملائه الذين كان يلعب معهم كرة القدم ومع مرور الوقت بدأ هذا التنمر يؤثر عليه بشكل كبير حتى بدأ يفقد ثقته بنفسه شيئًا فشيئًا
كانت كرة القدم هي الشيء الوحيد الذي يجعله منفتحًا على الحياة ويشعر بالشغف تجاه التعامل مع البشر لكنها مع كثرة الضغوط والتنمر بدأت تفقد مكانتها داخله بطريقة غريبة وبعد أن كانت عشقه الوحيد أصبح يبتعد عنها يومًا بعد يوم حتى وصل به الأمر إلى أنه بدأ ينساها وكأن شيئًا مهمًا جدًا في حياته اختفى فجأة
ومع ابتعاده عن كرة القدم بدأت حالته تتدهور أكثر فأكثر فقد أصبح لا يعرف الكثير عن المجتمع ولا يعرف كيف يتعامل مع الشارع ولا كيف يعيش حياته مثل معظم الشباب في عمره وأصبح روتينه غريبًا بالنسبة لمن حوله وكانت فسحته الوحيدة تقريبًا هي انتقاله من بيت والده ووالدته إلى بيت جدته وكان يعتقد أن تغيير المكان ربما يساعده على تغيير نفسيته وتحسين حالته لكنه اكتشف أن المشكلة لم تكن في المكان وإنما كانت بداخله
كان الناس يرونه كل يوم بنفس الروتين ونفس الأسلوب ونفس الحالة لكن الغريب أن قليلًا منهم كان يحاول أن يسأله عن السبب أو أن يساعده على الخروج من الوضع الذي يعيش فيه فلم يكن هناك من يجلس معه ويقول له لماذا لا تذهب للعمل ولماذا لا يكون لديك أصدقاء ولماذا لا تحاول أن تعيش حياتك مثل باقي الشباب وكان الجميع تقريبًا يراه كل يوم وكأنهم اعتادوا وجوده بهذه الصورة
ومع مرور الوقت أصبح أسلوبه أكثر حدة وأصبح سريع الغضب والانفعال ووصل الأمر أحيانًا إلى حالات من الانهيار والعصبية لأسباب بسيطة وكان يتأثر بكل شيء يحدث حوله بشكل كبير ومع عدم وجود شخص يساعده أو يحاول أن يفهم ما بداخله بدأت الأمور تزداد سوءًا حتى اقتنع هو ومن حوله بأنه شخص مريض نفسي وأنه من الصعب أن يعيش وسط البشر وأنه ربما يكون خطرًا على الآخرين
وبسبب التوتر والانفعال والعصبية بدأ يتناول أدوية تهدف إلى تهدئته وتقليل التوتر والعصبية واستمر على العلاج لفترة طويلة وكان البعض يعتقد أن هذه الأدوية هي التي تساعده على الهدوء لكنه في داخله لم يكن مقتنعًا بفكرة أنه مريض نفسي وكان لا يحب الأدوية وكان جسمه أيضًا لا يتقبل فكرة تناول العلاج بسهولة وكان دائمًا يشعر أن المشكلة التي يعيشها أكبر من مجرد دواء
ومع كل ذلك كانت هناك مفارقة غريبة في حياته فقد كان يعاني في التعامل مع الناس لكنه كان متفوقًا في الدراسة بشكل كبير فبينما كانت حياته الاجتماعية مضطربة كان مستواه الدراسي يزداد قوة وكان يذاكر وينجح ويتقدم حتى استطاع أن يحصل على مجموع مميز في الثانوية العامة وصل إلى خمسة وثمانين في المئة
قرر والده أن يدخله كلية خاصة بمصاريف وكان قرار الأب نوعًا من الاستثمار في ابنه ورغبة منه في أن يوفر له فرصة تعليمية جيدة وبيئة مختلفة وربما تساعده على تجاوز بعض الظروف التي كان يمر بها ودخل الشاب الكلية الجديدة ومع بداية الدراسة ظهر وجه آخر من شخصيته فقد استطاع أن يثبت نفسه علميًا بسرعة كبيرة وأصبح من الطلاب المميزين في دراسته لكنه ظل يعاني من نفس المشكلة القديمة وهي صعوبة التعامل والتواصل مع زملائه وعدم الثقة في نفسه أمام الآخرين
كان واضحًا لكل من حوله تقريبًا أنه يعاني من مشكلة في التعامل الاجتماعي وبعض زملائه كانوا يرونه شخصًا انطوائيًا وبعضهم كان يفسر تصرفاته بطريقة خاطئة لكن رغم كل ذلك كان الشاب يركز على دراسته وفي نهاية الترم الأول حصل على تقدير مرتفع جدًا وأصبح من أوائل دفعته
كانت فرحة والده لا توصف فقد كان الأب فخورًا بابنه ويريد أن يتأكد بنفسه من حقيقة تفوقه فذهب إلى الكلية وسأل عن نتيجة ابنه ليتأكد من أنه بالفعل من أوائل الدفعة وعندما عرف الحقيقة شعر بسعادة كبيرة لأنه رأى أمامه ثمرة المجهود الذي بذله ابنه أما والدته فكانت فرحتها أكثر هدوءًا لأنها كانت تعرف قدرات ابنها منذ سنوات وكانت ترى أن هذا التفوق ليس مفاجأة بالنسبة لها
لكن الحياة كانت تخبئ للأسرة اختبارًا صعبًا فلم تمر فترة طويلة حتى تعرض الأب لوعكة صحية كبيرة ودخل غرفة العمليات وبعد خروجه من العملية ظلت الأسرة تأمل أن تتحسن حالته لكن بعد عدة أيام حدث ما لم يكن أحد يتوقعه وتوفي الأب
كانت وفاة الأب لحظة قاسية في حياة الشاب وكانت نقطة فاصلة في حياته لكن على عكس ما اعتقد البعض فإن وفاة والده لم تجعل الأمور سهلة بل جعلت ظروفه أكثر صعوبة فقد أصبح أمام مشكلة كبيرة وهي مصاريف الكلية المرتفعة بالإضافة إلى حالته النفسية الصعبة والظروف الجديدة التي فرضتها وفاة والده
لم يكن الشاب يعلم أن هناك شيئًا يمكن أن يساعده في الاستمرار فقد كانت الجامعة تقدم منحة تعليمية كاملة للطلاب الذين يتوفى آباؤهم وهم مسجلون في الجامعة وعندما عرف بذلك انتهت أول مشكلة أمامه وأصبحت مصاريف الدراسة مجانية وأصبح بإمكانه أن يكمل تعليمه دون أن يحمل أسرته عبئًا ماليًا جديدًا
لكن المشكلة الحقيقية لم تكن في مصاريف الدراسة فقط فقد كان الشاب قد فقد الشخص الذي كان يمثل بالنسبة له سندًا كبيرًا وكان أمامه طريق طويل لا يعرف كيف سيمشي فيه وكانت والدته الآن أمام مسؤولية كبيرة في حياة ابنها وربما كانت السنوات القادمة تحمل بداية مختلفة تمامًا لهذه الشخصية التي قضت سنوات طويلة وهي تبحث عن نفسها بين الخوف والانطواء والتنمر والتفوق الدراسي
وهنا انتهت مرحلة وبدأت مرحلة أخرى في حياة الشاب مرحلة لم يكن يعرف فيها أحد ماذا سيحدث بعدها وهل يستطيع أن يخرج من العالم الذي عاش داخله سنوات طويلة وهل ستنجح والدته في تغيير مسار حياته وهل سيعود يومًا إلى كرة القدم التي كانت يومًا سببًا في شعوره بالحياة أم سيظل الماضي يطارده كلما حاول أن يبدأ من جديد
وللحكاية بقية.