الجزء الأول: قبل أن تسقط العدالة الفصل الأول: البيت الذي صنع الحلم

رواية: حين سقطت العدالة
الجزء الأول: قبل أن تسقط العدالة
الفصل الأول: البيت الصغير
لم يكن بيت مصطفى كبيرًا، ولم يكن من تلك البيوت التي تلفت الأنظار من الخارج، لكنه بالنسبة إليه كان أجمل مكان في العالم.
كان البيت يقع في شارع هادئ، تتجاور فيه المنازل الصغيرة، ويعرف سكانه بعضهم بعضًا. جدرانه قديمة، وأثاثه بسيط، وبعض الأشياء الموجودة فيه مرّ عليها سنوات طويلة، لكن كل قطعة كانت تحمل ذكرى.
في هذا البيت عاش مصطفى طفولته.
وفيه تعلّم معنى العائلة.
وفيه بدأ أول أحلامه.
كان مصطفى في الحادية والعشرين من عمره، لكنه منذ طفولته كان مختلفًا قليلًا عن أقرانه.
لم يكن كثير الكلام، ولم يكن يحب الدخول في المشاكل، وكان يفضل أن يجلس لساعات أمام كتبه بدلًا من الخروج إلى الشوارع.

لم يكن ذلك لأنه يكره الحياة.
بل لأنه كان يعرف أن عائلته لا تملك الكثير.
وكان يعرف أن مستقبله لن يأتي إليه بسهولة.
في صباح أحد الأيام، استيقظ مصطفى قبل موعده بقليل.
فتح عينيه ونظر إلى السقف للحظات، ثم مد يده إلى المنبه الموجود بجوار سريره وأوقفه قبل أن يبدأ بالرنين.
جلس على حافة السرير.
كان ضوء الصباح يتسلل من النافذة الصغيرة.
نظر إلى مكتبه.
كانت الكتب مكدسة فوق بعضها، وبعض الأوراق مبعثرة حولها.
كتاب الأحياء كان مفتوحًا على الصفحة التي توقف عندها الليلة الماضية.
مد يده وأمسك به.
قرأ بضعة أسطر، ثم ابتسم.
كان يحب الأحياء بشكل خاص.
منذ أن كان صغيرًا، كان دائمًا يسأل نفسه:
كيف يعمل جسم الإنسان؟
كيف ينبض القلب؟
كيف يستطيع الإنسان أن يعيش رغم كل ما يحدث داخل جسده؟
ومع مرور السنوات، تحولت الأسئلة إلى حلم.
كان يريد أن يصبح طبيبًا.
لكن حلم مصطفى لم يكن سهلًا.
كان يعلم أن كلية الطب تحتاج إلى درجات مرتفعة، وأن المصاريف قد تكون أكبر من قدرة عائلته.
ومع ذلك، لم يتخلَّ عن حلمه.
خرج من غرفته واتجه إلى المطبخ.
وجد والده جالسًا أمام المائدة، يحتسي الشاي في هدوء.
كان رجلًا بسيطًا، قضى سنوات طويلة يعمل من أجل أسرته.
رفع الأب عينيه عندما رأى ابنه.
— صحيت بدري يا مصطفى.
ابتسم مصطفى.
— عندي مذاكرة كتير النهارده.
ضحك والده وقال:
— إنت والمذاكرة أصحاب من زمان.
جلس مصطفى بجواره.
وبعد لحظات دخلت والدته وهي تحمل الإفطار.
وضعت الطعام أمامه وقالت:
— كل الأول وبعدين ذاكر.
— مش جعان يا أمي.
نظرت إليه والدته بنظرة جعلته يعرف أن النقاش انتهى.
— كل.
ابتسم مصطفى وأمسك قطعة من الخبز.
— حاضر.
جلست والدته بجواره.
كانت تعرف ابنها جيدًا.
تعرف كم يضغط على نفسه.
وكم يخاف من الفشل.
قالت بهدوء:
— مصطفى.
— نعم؟
— متخليش حلمك يخليك تنسى نفسك.
رفع عينيه إليها.
— مش هنسى.
ابتسمت.
— ربنا يوفقك يا ابني.
مرت السنوات.
دخل مصطفى المرحلة الثانوية، وبدأت المسؤولية تكبر.
كان يعرف أن أمامه طريقًا واحدًا.
النجاح.
لم يكن لديه بديل.
كان بعض زملائه يتحدثون عن الجامعات التي يريدون الالتحاق بها، وعن المدن التي سيعيشون فيها، وعن السيارات التي سيشترونها بعد التخرج.
أما مصطفى، فكان حلمه أبسط.
كان يريد أن يرى اسمه بين المقبولين في كلية الطب.
وفي إحدى الليالي، كان جالسًا في غرفته يذاكر حتى وقت متأخر.
فتح والده الباب بهدوء.
— لسه صاحي؟
— أيوه.
— الساعة قربت على اتنين.
نظر مصطفى إلى الساعة.
ابتسم.
— مش واخد بالي.
دخل والده وجلس بجواره.
ظل صامتًا لثوانٍ.
ثم قال:
— إنت عارف إنك مش لازم تثبتلنا حاجة؟
نظر مصطفى إليه.
— عارف.
— إحنا فخورين بيك من دلوقتي.
ابتسم مصطفى.
لكن عينيه لمعتا قليلًا.
قال:
— أنا عايز أفرحكم.
وضع والده يده على كتفه.
— إحنا فرحانين بيك أصلًا.
خرج والده من الغرفة.
عاد مصطفى إلى كتابه.
قرأ الصفحة.
ثم الصفحة التي بعدها.
حتى غلبه النعاس.
لم يكن يعلم أن تلك الأيام البسيطة التي كان يشتكي أحيانًا من صعوبتها...
ستصبح لاحقًا أجمل أيام حياته.
مرت الشهور بسرعة.
جاء يوم الامتحان الأخير.
وقف مصطفى أمام المدرسة بعد انتهاء الامتحان، يحمل حقيبته، وينظر إلى السماء.
كان يشعر لأول مرة منذ سنوات أن هناك شيئًا انتهى.
اقترب منه صديقه أحمد.
— خلصنا.
ابتسم مصطفى.
— أخيرًا.
— إيه خطتك دلوقتي؟
نظر مصطفى إلى الطريق أمامه.
— هستنى النتيجة.
— وبعدها؟
ابتسم.
— طب.
ضحك أحمد.
— لسه مصر؟
— جدًا.
مرت أيام الانتظار ببطء.
ثم جاء يوم إعلان النتيجة.
كان البيت كله متوترًا.
جلس مصطفى أمام الهاتف، ووالدته بجواره، ووالده يقف خلفهما.
كتب بياناته.
ضغط على زر البحث.
ظهرت النتيجة.
ظل صامتًا.
والدته نظرت إليه.
— النتيجة ظهرت؟
لم يجب.
اقترب والده.
ثم رأى ابتسامة صغيرة تظهر على وجه ابنه.
قال مصطفى بصوت متقطع:
— نجحت.
صرخت والدته من الفرحة.
احتضنته.
والده ابتسم، لكنه أخفى تأثره.
ثم ظهرت المفاجأة الأكبر.
لم يكن مصطفى قد نجح فقط.
لقد حصل على درجات تؤهله للحصول على منحة لدراسة الطب.
ظل ينظر إلى الشاشة.
كل ساعات المذاكرة.
كل التعب.
كل الخوف.
كل اللحظات التي ظن فيها أنه لن يستطيع.
كلها أصبحت تستحق.
قال والده:
— بقيت دكتور يا ابني.
ضحك مصطفى.
— لسه الطريق طويل.
رد والده:
— المهم إنك بدأت.
في تلك الليلة، احتفلت العائلة بأبسط طريقة ممكنة.
طعام بسيط.
ضحكات.
كلمات كثيرة.
وأحلام أكثر.
كانوا يتحدثون عن الجامعة.
عن المستقبل.
عن اليوم الذي سيقف فيه مصطفى مرتديًا معطف الطبيب.
كان الجميع سعيدًا.
وكان مصطفى أسعدهم.
لم يكن أحد يعرف أن هذه ستكون واحدة من آخر الليالي التي ستجتمع فيها العائلة بهذه الصورة.
لم يكن أحد يعرف أن المستقبل الذي يتحدثون عنه...
سيحمل معه شيئًا لم يتوقعه أحد.
وفي تلك الليلة، ذهب مصطفى إلى غرفته.
وضع شهادة نجاحه أمامه.
نظر إليها طويلًا.
ثم ابتسم.
وقال لنفسه:
— البداية الحقيقية لسه هتبدأ.
وأغلق النور.
دون أن يعرف أن الطريق الذي بدأه بحلم بسيط...
سيأخذه يومًا إلى مكان لم يكن يتخيل وجوده أصلًا.
نهاية الفصل الأول
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ﷺ.
نراكم في الفصل القادم.