رجلٌ غلبهُ الحزن يشكي همومه للبحر

رجلٌ غلبهُ الحزن يشكي همومه للبحر

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

رجلٌ غلبهُ الحزن يشكي همومه للبحر 

 

وقفَ على الشطِّ وحيدًا، والموجُ يزحفُ نحو قدميه كأنّه يواسيه.  

الريحُ تسرقُ من عينيه دمعًا لم يجد له كتفًا، فاختار البحر صديقًا لا يفضح السرّ ولا يملّ الشكوى.

قال له البحرُ بصمتِ الأعماق: "هاتِ ما أثقل قلبك"  

فألقى الرجلُ حزنه كلمةً كلمة:  

• "تعبتُ من الأيام التي تأخذ ولا تعطي"   • "خانني من ظنته سندًا"   • "أحلامي تذبلُ قبل أن تزهر"   • "وصار الصبرُ جبلاً فوق صدري" 

كان كلما نطقَ همًّا، أخذته موجةٌ ومضت به بعيدًا...  

حتى شعرَ أن صدره صار أخفّ، وأن البحرَ قد ابتلعَ نصفَ الوجع.

نظرَ للسماء فوجدها ما زالت هناك، والقمرُ ما زال يضيءُ رغم عتمةِ الليالي.  

ابتسمَ ابتسامةً باهتة وقال: “شكرًا أيها الصديق الأزرق... حتى إن لم تردّ، يكفيني أنك سمعت.”

وأنتم؟  

لو وقفتم أمام البحر الآن، ما الهمّ الذي سترمونه للموج

حديثُ القلبِ مع الموجِ... حينَ يشكو الرجلُ همومَهُ للبحر

وقفَ على الشطِّ وحيدًا عند الغروب، حين تختلط زرقةُ الماءِ بحُمرةِ الأفق. كان الحزنُ قد أثقلَ كتفيه حتى انحنى ظهره، والعبراتُ تتحجرُ في مآقيه كأنها تخجلُ من النزول. لم يجد صدرًا يتكئُ عليه، ولا أذنًا تصغي دون لوم، فاختار البحرَ صديقًا أبكمَ، أمينًا لا يفشي سرًّا ولا يردُّ شاكيًا.

اقتربَ من الموجِ خطوةً فخطوة، حتى لامستْ أطرافُ أصابعه زبدَ الماءِ البارد. تنفّسَ بعمقٍ، وكأنّه يستأذنُ الأمواجَ قبل أن يُفرغَ ما بصدره. ثم همسَ بصوتٍ مبحوحٍ تكسّرهُ الخيبة: “يا بحر، خذ مني ما عجزَ البشرُ عن حمله.”

بدأ يرمي همومَه حجرًا بعد حجر:  

"تعبْتُ من الطرقاتِ التي أمشيها وحدي، ولا أعرفُ لها نهاية."  

"خذلني الذين قلتُ عنهم: هؤلاءِ أهلي وسندي، فصاروا أثقلَ من الغُربة."  

"أحلامي التي ربيتُها في قلبي، ذبلتْ قبل أن ترى شمسَها."  

"صرتُ أخافُ من الغد، لأن الأمسَ لم يترك لي سوى الندوب."  

“حتى الدعاءُ صار ثقيلاً على لساني، كأنّي أخشى أن أُخيَّبَ من جديد.”

مع كلِّ كلمة، كانت موجةٌ تأتي، تأخذُ الهمَّ وتغيبُ به في الأعماق. والمدهشُ أن البحرَ لم يقاطعه، لم يسأله: "ولماذا؟"، لم يقل له: "هوّن عليك". فقط كان يصغي، ويرسلُ نسيمًا مالحًا يمسحُ عن وجهه بعضَ الألم.

مرّت دقائقُ كأنها دهر، حتى شعرَ أنّ صدره صار أفرغ، وأنّ النارَ التي كانت تشتعلُ في جوفه هدأت قليلًا. رفعَ رأسه للسماء، فوجدَ القمرَ قد طلعَ يفضّضُ صفحةَ الماء. تذكّر أن الليلَ مهما طال، فالفجرُ آتٍ لا محالة. وأن البحرَ نفسه، رغمَ عمقهِ وظلمته، يحملُ في جوفه لؤلؤًا لا يراه إلا الصابرون.

مسحَ وجهه بكفّه، وابتسمَ ابتسامةً باهتةً تشبه انكسارَ الموجِ على الصخر. قال للبحر: "شكرًا... لم تعدني بشيء، لكنّك سمعتني. وهذا يكفيني الليلة."  

استدارَ عائدًا والخطواتُ أخفّ، والقلبُ أقلّ وجعًا. علّمته الأمواجُ أن بعضَ الأحمالِ لا تُحَلُّ بالكلام، بل تُلقى. وأن الشكوى للبحرِ ليست ضعفًا، بل شجاعةُ من قرّرَ ألا يغرقَ في حزنه وحده.

image about رجلٌ غلبهُ الحزن يشكي همومه للبحر
image about رجلٌ غلبهُ الحزن يشكي همومه للبحر
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
HESEN AYOP تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

2

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-