نافذة على المستنقع ونافذة على بستان الورد

نافذة على المستنقع ونافذة على بستان الورد

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

نافذة على المستنقع.. ونافذة على بستان الورد

image about نافذة على المستنقع ونافذة على بستان الورد

​في كل صباح، يفتح العم سعيد نافذته المطلة على المستنقع، كان بالضبط مثل ذلك الذي يبحث في الجريدة عن صفحة الحوادث! يجلس ويتأفف من رائحة المستنقع الكريهة التي تملأ منزله، ويبدأ في السباب: «يا لهذه الرائحة الكريهة.. متى تتوب علينا يا رب من هذه الرائحة!».

​كانت زوجته تعقد حاجبيها وتنظر إليه باستغراب قائلة:

«من يفتح نافذته على المستنقع، لا بد أن تكون هذه هي النتيجة!».

​الغريب أن العم سعيد -الذي ليس له من اسمه نصيب- كان يترك النافذة التي تطل على بستان الورد، ويفتح النافذة التي تطل على المستنقع. ولم يكتفِ بفتحها فقط، بل كان يصر على الجلوس بجوارها، ويحتسي كوب الشاي أمامها.. والأعجب أنه كان لا يستسيغ الشاي إلا بجانب تلك النافذة! يشاهد التلفاز، ويتسلى بأكل اللب والفول السوداني، ويتفرج على مباراة كرة القدم، كل ذلك وهو يقبع بجانب نافذة المستنقع الكريه!

​ومع مرور الأيام، اعتاد العم سعيد على تلك الرائحة وعلي رؤية المستنقع، حتى صار بالنسبة إليه كأي منظر طبيعي خلاب!

​ولكن زوجته "سعدية" لم تحتمل هذا الوضع، فأغلقت النافذة التي كادت تمرضها، وقامت بفتح النافذة الأخرى المطلة على بستان الورد، فملأت البيت برائحة عطرة زكية. وقبل أن تتمتع بهذا المنظر الجميل الخلاب وبتلك الرائحة التي أنعشت رئتيها، عاد العم سعيد من عمله، وما إن فتح الباب حتى وقع بصره على نافذة المستنقع المغلقة؛ فاحمر وجهه، وارتعدت فرائصه، وزاغ بصره!وسرعان ما أخرج منديلاً من جيبه، ووضعه فوق أنفه (وكأنه يختنق من رائحة الورد)، وتقدم بخطوات متسارعة نحو نافذة المستنقع وقام بفتحها على مصراعيها.. وهنا أغمض عينيه، وأخذ نفساً عميقاً ليملأ رئتيه بتلك الرائحة التي تشبه رائحة القمامة الممزوجة بالطعام العفن! ثم انفرج فمه عن ابتسامة عريضة كادت تصل إلى أذنيه، وبعد أن استنشق "الإكسير الخاص به"، نادى بأعلى صوته:

«سعدية.. سعدياااااااا».

​جاءت سعدية مسرعة وهي تظن أن كارثة قد حلت بالمنزل، ولكن فاجأها العم سعيد بغضبه قائلاً: «ما هذا المنظر الكئيب؟ وما هذه الرائحة المقززة؟ كيف تجرئين على فتح تلك النافذة التي تطل على البستان؟ ألم أحذركِ من فتحها؟ تلك النافذة هي التي ستجلب لنا المرض، أغلقيها فوراً وإلا رميت عليكِ يمين الطلاق!».

​تجمدت سعدية في مكانها بعد أن أصابها الذهول، ثم قالت بصوت متهدج:

«أي نافذة وأي رائحة تقصد؟ لا بد أنك تقصد تلك النافذة المطلة على المستنقع؟ لقد أغلقتها بالفعل ولكن من الذي فتحها؟ أوه.. لا بد أنه الهواء، سأغلقها حالاً فقد كادت رائحتها تمرضني..».

​لكنها تفاجأت بالعم سعيد يجذبها من ذراعها بقوة قائلاً بغضب عارم:

«لا أقصد هذه النافذة.. بل أقصد تلك!»، ومد إصبعه مشيراً بسبابته نحو النافذة التي تطل على بستان الورد!

​فتحت سعدية فمها ذهولاً حتى كاد فكها السفلي يلامس الأرض! فصرخ فيها: «لا تقفي هكذا كالبلهاء! ألا تسمعين ما أقول؟ هيا أغلقي النافذة وإلا رميتُ عليكِ يمين الطلاق!».

​أخذت سعدية تضحك بهستيرية وتقول بسخرية: «لا بد أنك تمزح.. نعم، لا بد أنك تمزح!».

أجابها بصرامة: «أنا لا أمزح.. وهل في هذا الأمر مزاح؟ هل ترين في وجهي ما يدل على الهزل؟ والآن أمامكِ خياران لا ثالث لهما: إما أن تتعودي على هذا الأمر وتتأقلمي مع الوضع وتغلقي نافذة البستان.. أو أن تتركي المنزل!».

لم تفكر سعدية كثيراً، فالأمر كان محسوماً بالنسبة إليها؛ حزمت حقيبتها وقررت مغادرة المنزل، فهي لا تطيق العيش في هذا العفن الفكري والبيئي. وقبل أن تخرج، استوقفها العم سعيد قائلاً بصوت وعيد: «ليكن في علمكِ.. إن خرجتِ من هذا المنزل فلن تعودي إليه أبداً!».

​نظرت إليه سعدية بنظرة باردة غير مبالية، ثم وضعت يدها على مقبض الباب، وحين همّت بفتحه قال مستنكراً: «لا تنسي أنكِ تخربين بيتكِ بيدكِ!».

​لم تعبأ سعدية بكلام زوجها الذي بدا خالياً من العقل والمنطق، ومضت فوراً نحو جارتها "فوزية" لتبث لها شكواها وتطلعها على خبل زوجها. رحبت بها فوزية بحفاوة، وقادتها إلى شرفتها المطلة على بستان بديع تفوح منه رائحة الياسمين، وقالت مواسية: «لا تحزني نفسكِ يا أختي.. فكل الرجال هكذا!».

​وفي تلك اللحظة بالذات، دخل زوجها "فوزي" وهو يضع كمامة سميكة على أنفه، ويحمل في يده بخاخاً برائحة مياه الصرف الصحي، يرسل رذاذه في الهواء ليعتدل مزاجه! التفتت فوزية إلى جارتها سعدية، وقالت ببساطة ممزوجة باليأس: «فوزي لديه حساسية مفرطة من رائحة الياسمين.. يقول إنها تجلب له النكد، ولا يرتاح باله إلا إذا استنشق رائحة الرطوبة والعفن.. يبدو يا أختي أنهم جميعاً شربوا من نفس المستنقع!».

لم تكد سعدية تستوعب الصدمة، حتى دفعتها غريزة الفضول لتنظر من الشرفة إلى الشارع.. وهنا تجمدت الدماء في عروقها؛ رأت رجال الحي بأكملهم يقفون في شرفاتهم متسلحين بالكمامات السميكة، ويرشون مياه الصرف الصحي في الفضاء بروح انتصارية! والأدهى من ذلك، أن بعض الزوجات أيضاً انضممن لأزواجهن وبدأن يشاركن في طقس الرش بعد أن تبلدت حواسهن واعتدن العفن!

​فجأة، لاحظ الجيران شرفة فوزية المفتوحة على البستان. بدأت النظرات الساخرة والمستنكرة تتوجه نحوهما، وعلت همسات متهكمة تملأ زقاق الحي:

«انظروا.. كيف يستنشقون هذا الورد المقزز؟!»

«يا للهول.. كيف يطيقون هذه الرائحة الكريهة؟!»

ثم صوبوا نظراتهم نحو "فوزي" الممسك ببخاخه، وتبادلوا الغمز واللمز متهامسين بتهكم: «يبدو أن فوزي لم يعد رجلاً بما يكفي ليحكم بيته.. كيف يسمح لزوجته بفتح شرفة البستان المقززة تلك؟!».

​أغلقت سعدية الشرفة بسرعة وهي ترتجف، ونظرت إلى فوزية قائلة برعب: «البلدة كلها أصابها الجنون يا فوزية!».

هزت فوزية رأسها ببلادة وهي تنظر إلى زوجها الذي كان يواصل الرش بنشوة، وقالت: «بل نحن المجنونتان يا سعدية.. نحن من نملك أنوفاً في زمن بلا حواس!»

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
summer sadek تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

2

متابعهم

1

مقالات مشابة
-