"الرجل الذي باع الفجر"

"الرجل الذي باع الفجر"

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

image about

“الرجل الذي باع الفجر”

في حيّ فقير على أطراف مدينة كبيرة، كان "كريم" يبيع الصحف كل صباح عند تقاطع الشارع الرئيسي. كان يستيقظ قبل الفجر بساعتين، يغسل وجهه بماء بارد من حنفية قديمة، ويمشي كيلومترات على قدميه لأنه لا يملك ثمن التذكرة، حاملًا كومة الصحف الثقيلة على كتفه. يقف تحت الشمس الحارقة صيفًا، وتحت المطر شتاءً، منتظرًا من يشتري نسخة بضع قروش. كان يشعر أن حياته توقفت عند هذه الزاوية، وأن القدر لم يمنحه شيئًا سوى الانتظار والصمت والبرد الذي يخترق معطفه الرفيع.

في يوم شديد البرودة، ورذاذ خفيف يتساقط على الأسفلت، توقفت سيارة فاخرة سوداء عند الإشارة. نزلت منها امرأة مسنة، أنيقة الملبس، معطفها من الصوف الثقيل، وطلبت نسخة من الجريدة. حين مدّت يدها بالنقود، لاحظت ظلًّا من الحزن في عينيه، فسألته من فضول حقيقي لا من شفقة: "لماذا تبدو حزينًا كل صباح وأنت تبيع الأخبار؟"

ابتسم كريم بمرارة، ونظر إلى كومة الجرائد في يده وقال: "لأنني أبيع أخبار غيري كل يوم، ولا أملك خبرًا واحدًا يخصني."

ضحكت المرأة ضحكة قصيرة، لكنها لم تنسَ الجملة طوال الطريق إلى بيتها. عادت في الأسبوع التالي، وطرحت عليه سؤالًا غريبًا وهي تحمل فنجان قهوة ساخن مدّته له: "ماذا لو بعت شيئًا لا يملكه أحد غيرك؟"

لم يفهم كريم في البداية، فسألته وهي تشير إلى السماء المتلألئة خلفه: "ما الذي تراه أنت كل صباح، ولا يراه أحد؟"

فكّر قليلًا، ثم قال بصوت خافت: "الفجر... أنا أرى المدينة قبل أن تستيقظ. الشوارع فارغة تمامًا، والسماء تتغيّر ألف مرة قبل أن تصبح نهارًا. أرى الباعة الآخرين يفتحون محلاتهم بصمت، وقطط الشوارع تتسلل بين الأزقة، وعمّال الخبز يخرجون العجين الساخن، وأول خيط ضوء يلمس أسطح المباني القديمة."

قالت المرأة، وهي تبتسم بثقة: "هذا هو ما لا يملكه أحد يا بني. صوّره بكلماتك، واكتب عنه، وقدّمه للناس كما تراه أنت وحدك."

ظنّ كريم في البداية أنها تمزح، لكنه - من باب التجربة فقط - بدأ يكتب كل صباح صفحة قصيرة عن "ما رآه قبل أن تستيقظ المدينة"، ويعلّقها بدبوس صغير على جدار قريب من موقفه، بخط يده المتعثّر، مقابل نسخة الجريدة نفسها.

في الأسبوع الأول، توقف بعض الناس ليقرؤوا سطرين، ثم ابتسموا ومضوا في طريقهم. في الأسبوع الثاني، بدأ بعضهم يسأل خصيصًا عن "صفحة الفجر" حتى قبل أن يشتروا الجريدة. في الشهر الثالث، بدأ طلاب جامعة قريبة يمرّون من طريق مختلف تمامًا فقط ليقرؤوا كلماته الصباحية، ويصوّرون الورقة بهواتفهم.

لم يكن كريم يعلم أن أحد هؤلاء الطلاب يعمل محررًا في مجلة محلية صغيرة. أخذ صورة لأحد نصوصه، ونشرها على صفحته بعنوان: "بائع صحف يكتب أجمل مما نقرأ." انتشر المنشور بسرعة لم يتوقعها أحد، وبدأ الناس يأتون من أحياء بعيدة فقط ليأخذوا "صفحة الفجر" مجانًا مع نسخة الجريدة.

عرضت عليه دار نشر صغيرة أن تجمع كتاباته المتناثرة في كتيّب صغير بعنوان "فجر بلا اسم". بِيعت النسخة الأولى منه بالكامل في أسبوع واحد فقط.

لم يصبح كريم غنيًا بين ليلة وضحاها، لكنه أصبح - لأول مرة في حياته - "شخصًا له صوت"، لا مجرد يد تمرّ الجريدة وتقبض العملة بصمت.

بعد سنتين، افتتح كريم زاوية صغيرة قرب موقفه القديم، سمّاها "ركن الفجر"، يجلس فيها شباب الحيّ يكتبون ويقرؤون كل صباح قبل أن يذهبوا إلى أعمالهم وجامعاتهم. لم يترك بيع الصحف أبدًا، لكنه أضاف إليها شيئًا لم يكن يعرف أنه يملكه طوال هذه السنوات: حكايته الخاصة.

في أحد اللقاءات الصحفية سُئل: "ما الذي تغيّر فيك بالضبط؟"

أجاب بهدوء، وهو ينظر إلى الأفق: "لم يتغيّر شيء في الفجر. هو نفسه كل يوم، لا يزيد ولا ينقص. أنا الذي تغيّرت، حين قررت أن أرويه بدل أن أنتظره فقط وأنا صامت."

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Yassin تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

4

متابعهم

1

قصص النجاح
صورة مقال المقعد الأخير في الحافلة  كان عمر شابًا عاديًا يعيش في حي بسيط، يعمل طوال النهار في متجر صغير، ثم يعود إلى منزله متعبًا في المساء. لم يكن يملك الكثير، لكنه كان يحلم دائمًا بأن يصبح كاتبًا معروفًا، وكان يحتفظ بدفتر قديم يكتب فيه أفكاره وقصصه كل ليلة. كان أصدقاؤه يسخرون من حلمه ويخبرونه أن الكتابة لن تطعمه خبزًا، لكنه كان يبتسم ويجيبهم: «ربما لا أستطيع تغيير حياتي اليوم، لكنني أستطيع أن أبدأ بتغييرها». وفي إحدى الليالي، قرر أن يرسل إحدى قصصه إلى دار نشر، لكنه تلقى بعد أيام رسالة قصيرة تخبره بأن قصته لم تُقبل. شعر بالإحباط، ووضع الدفتر جانبًا، وقرر أن يتوقف عن الكتابة.  في صباح اليوم التالي، استقل عمر الحافلة متجهًا إلى عمله. كانت الحافلة مزدحمة، ولم يجد سوى مقعد واحد في الخلف. جلس بجوار رجل مسن يحمل حقيبة صغيرة وكتابًا قديمًا. لاحظ الرجل الدفتر الذي يحمله عمر، فسأله: «هل تكتب؟» تردد عمر ثم قال: «كنت أكتب». ابتسم الرجل وسأله عن سبب توقفه، فأخبره عمر أن قصته رُفضت وأنه بدأ يشعر بأن حلمه أكبر من قدراته. صمت الرجل للحظات، ثم أخرج من حقيبته ورقة قديمة وقال: «هذه أول قصة كتبتها في حياتي، أرسلتها إلى عشر دور نشر، ورفضتها جميعًا». نظر عمر إليه بدهشة، فسأله: «وهل توقفت؟» ضحك الرجل وقال: «لو توقفت، لما كنت أعيش الآن من الكتابة».  كانت كلمات الرجل بسيطة، لكنها بقيت في ذهن عمر طوال اليوم. في المساء، عاد إلى غرفته، وأخرج الدفتر من الدرج، ثم بدأ يكتب من جديد. هذه المرة لم يكتب لأنه يريد الشهرة أو المال، بل لأنه أحب الكتابة نفسها. كتب صفحة، ثم أخرى، حتى انتهى من قصته بعد أسابيع. أرسلها مرة أخرى إلى دار النشر، ثم انتظر النتيجة. مرت الأيام دون رد، وكاد يشعر باليأس من جديد، لكنه تذكر الرجل العجوز، فقرر ألا يستسلم. بدأ يكتب قصة أخرى، ثم ثالثة، وأصبح كل رفض يحصل عليه سببًا ليكتب أفضل من السابق.  بعد عدة أشهر، تلقى عمر اتصالًا من دار نشر. في البداية ظن أنها رسالة رفض جديدة، لكنه فوجئ بالمحرر يخبره بأنهم قرأوا قصته وأعجبوا بها، ويرغبون في نشرها. ظل صامتًا لثوانٍ، وكأنه لم يستوعب ما سمعه. ثم سأل المحرر: «هل أنتم متأكدون أنكم تقصدون قصتي أنا؟» ضحك الرجل وقال: «نعم، قصتك أنت». أغلق عمر الهاتف، ونظر إلى الدفتر القديم الذي كاد يرميه ذات يوم. لأول مرة شعر أن كل لحظة إحباط مر بها لم تكن نهاية الطريق، بل كانت جزءًا من الطريق الذي أوصله إلى حلمه.  في يوم إطلاق كتابه الأول، ذهب عمر إلى المكان الذي كان يجلس فيه الرجل المسن داخل الحافلة. جلس في المقعد نفسه، وأخرج نسخة من كتابه ووضعها بجواره. كان يتمنى أن يراه مرة أخرى ليشكره، لكنه لم يعرف حتى اسمه. وبينما كان يستعد للنزول، لمح رجلًا مسنًا يدخل الحافلة ويحمل حقيبة صغيرة تشبه الحقيبة القديمة التي رآها منذ سنوات. اقترب منه وسأله: «هل كنت تجلس هنا دائمًا؟» نظر الرجل إليه وابتسم، ثم قال: «أحيانًا، لكنني كنت أترك هذا المقعد لشخص يحتاج إلى كلمة واحدة». شعر عمر بقشعريرة من شدة التأثر، وأعطاه نسخة من كتابه. قلب الرجل الصفحات، ثم قال: «كنت أعرف أنك ستكمل».  عاد عمر إلى منزله في ذلك المساء، ووضع كتابه الأول بجوار دفتره القديم. أدرك أن النجاح لم يبدأ يوم نشرت دار النشر كتابه، بل بدأ في اللحظة التي قرر فيها أن يكتب مرة أخرى بعد أول رفض. ومنذ ذلك اليوم، أصبح عمر كلما قابل شخصًا محبطًا يخبره أن الفشل ليس دليلًا على أن حلمك مستحيل، بل ربما يكون مجرد اختبار لمعرفة مدى رغبتك فيه. فقد لا نحتاج دائمًا إلى فرصة كبيرة حتى تتغير حياتنا؛ أحيانًا تكفي كلمة صادقة من شخص لا نعرفه، أو مقعد أخير في حافلة، أو لحظة واحدة نقرر فيها ألا نستسلم.
المقعد الأخير في الحافلة كان عمر شابًا عاديًا يعيش في حي بسيط، يعمل طوال النهار في متجر صغير، ثم يعود إلى منزله متعبًا في المساء. لم يكن يملك الكثير، لكنه كان يحلم دائمًا بأن يصبح كاتبًا معروفًا، وكان يحتفظ بدفتر قديم يكتب فيه أفكاره وقصصه كل ليلة. كان أصدقاؤه يسخرون من حلمه ويخبرونه أن الكتابة لن تطعمه خبزًا، لكنه كان يبتسم ويجيبهم: «ربما لا أستطيع تغيير حياتي اليوم، لكنني أستطيع أن أبدأ بتغييرها». وفي إحدى الليالي، قرر أن يرسل إحدى قصصه إلى دار نشر، لكنه تلقى بعد أيام رسالة قصيرة تخبره بأن قصته لم تُقبل. شعر بالإحباط، ووضع الدفتر جانبًا، وقرر أن يتوقف عن الكتابة. في صباح اليوم التالي، استقل عمر الحافلة متجهًا إلى عمله. كانت الحافلة مزدحمة، ولم يجد سوى مقعد واحد في الخلف. جلس بجوار رجل مسن يحمل حقيبة صغيرة وكتابًا قديمًا. لاحظ الرجل الدفتر الذي يحمله عمر، فسأله: «هل تكتب؟» تردد عمر ثم قال: «كنت أكتب». ابتسم الرجل وسأله عن سبب توقفه، فأخبره عمر أن قصته رُفضت وأنه بدأ يشعر بأن حلمه أكبر من قدراته. صمت الرجل للحظات، ثم أخرج من حقيبته ورقة قديمة وقال: «هذه أول قصة كتبتها في حياتي، أرسلتها إلى عشر دور نشر، ورفضتها جميعًا». نظر عمر إليه بدهشة، فسأله: «وهل توقفت؟» ضحك الرجل وقال: «لو توقفت، لما كنت أعيش الآن من الكتابة». كانت كلمات الرجل بسيطة، لكنها بقيت في ذهن عمر طوال اليوم. في المساء، عاد إلى غرفته، وأخرج الدفتر من الدرج، ثم بدأ يكتب من جديد. هذه المرة لم يكتب لأنه يريد الشهرة أو المال، بل لأنه أحب الكتابة نفسها. كتب صفحة، ثم أخرى، حتى انتهى من قصته بعد أسابيع. أرسلها مرة أخرى إلى دار النشر، ثم انتظر النتيجة. مرت الأيام دون رد، وكاد يشعر باليأس من جديد، لكنه تذكر الرجل العجوز، فقرر ألا يستسلم. بدأ يكتب قصة أخرى، ثم ثالثة، وأصبح كل رفض يحصل عليه سببًا ليكتب أفضل من السابق. بعد عدة أشهر، تلقى عمر اتصالًا من دار نشر. في البداية ظن أنها رسالة رفض جديدة، لكنه فوجئ بالمحرر يخبره بأنهم قرأوا قصته وأعجبوا بها، ويرغبون في نشرها. ظل صامتًا لثوانٍ، وكأنه لم يستوعب ما سمعه. ثم سأل المحرر: «هل أنتم متأكدون أنكم تقصدون قصتي أنا؟» ضحك الرجل وقال: «نعم، قصتك أنت». أغلق عمر الهاتف، ونظر إلى الدفتر القديم الذي كاد يرميه ذات يوم. لأول مرة شعر أن كل لحظة إحباط مر بها لم تكن نهاية الطريق، بل كانت جزءًا من الطريق الذي أوصله إلى حلمه. في يوم إطلاق كتابه الأول، ذهب عمر إلى المكان الذي كان يجلس فيه الرجل المسن داخل الحافلة. جلس في المقعد نفسه، وأخرج نسخة من كتابه ووضعها بجواره. كان يتمنى أن يراه مرة أخرى ليشكره، لكنه لم يعرف حتى اسمه. وبينما كان يستعد للنزول، لمح رجلًا مسنًا يدخل الحافلة ويحمل حقيبة صغيرة تشبه الحقيبة القديمة التي رآها منذ سنوات. اقترب منه وسأله: «هل كنت تجلس هنا دائمًا؟» نظر الرجل إليه وابتسم، ثم قال: «أحيانًا، لكنني كنت أترك هذا المقعد لشخص يحتاج إلى كلمة واحدة». شعر عمر بقشعريرة من شدة التأثر، وأعطاه نسخة من كتابه. قلب الرجل الصفحات، ثم قال: «كنت أعرف أنك ستكمل». عاد عمر إلى منزله في ذلك المساء، ووضع كتابه الأول بجوار دفتره القديم. أدرك أن النجاح لم يبدأ يوم نشرت دار النشر كتابه، بل بدأ في اللحظة التي قرر فيها أن يكتب مرة أخرى بعد أول رفض. ومنذ ذلك اليوم، أصبح عمر كلما قابل شخصًا محبطًا يخبره أن الفشل ليس دليلًا على أن حلمك مستحيل، بل ربما يكون مجرد اختبار لمعرفة مدى رغبتك فيه. فقد لا نحتاج دائمًا إلى فرصة كبيرة حتى تتغير حياتنا؛ أحيانًا تكفي كلمة صادقة من شخص لا نعرفه، أو مقعد أخير في حافلة، أو لحظة واحدة نقرر فيها ألا نستسلم.
مقالات مشابة
-