"الرجل الذي باع الفجر"

“الرجل الذي باع الفجر”
في حيّ فقير على أطراف مدينة كبيرة، كان "كريم" يبيع الصحف كل صباح عند تقاطع الشارع الرئيسي. كان يستيقظ قبل الفجر بساعتين، يغسل وجهه بماء بارد من حنفية قديمة، ويمشي كيلومترات على قدميه لأنه لا يملك ثمن التذكرة، حاملًا كومة الصحف الثقيلة على كتفه. يقف تحت الشمس الحارقة صيفًا، وتحت المطر شتاءً، منتظرًا من يشتري نسخة بضع قروش. كان يشعر أن حياته توقفت عند هذه الزاوية، وأن القدر لم يمنحه شيئًا سوى الانتظار والصمت والبرد الذي يخترق معطفه الرفيع.
في يوم شديد البرودة، ورذاذ خفيف يتساقط على الأسفلت، توقفت سيارة فاخرة سوداء عند الإشارة. نزلت منها امرأة مسنة، أنيقة الملبس، معطفها من الصوف الثقيل، وطلبت نسخة من الجريدة. حين مدّت يدها بالنقود، لاحظت ظلًّا من الحزن في عينيه، فسألته من فضول حقيقي لا من شفقة: "لماذا تبدو حزينًا كل صباح وأنت تبيع الأخبار؟"
ابتسم كريم بمرارة، ونظر إلى كومة الجرائد في يده وقال: "لأنني أبيع أخبار غيري كل يوم، ولا أملك خبرًا واحدًا يخصني."
ضحكت المرأة ضحكة قصيرة، لكنها لم تنسَ الجملة طوال الطريق إلى بيتها. عادت في الأسبوع التالي، وطرحت عليه سؤالًا غريبًا وهي تحمل فنجان قهوة ساخن مدّته له: "ماذا لو بعت شيئًا لا يملكه أحد غيرك؟"
لم يفهم كريم في البداية، فسألته وهي تشير إلى السماء المتلألئة خلفه: "ما الذي تراه أنت كل صباح، ولا يراه أحد؟"
فكّر قليلًا، ثم قال بصوت خافت: "الفجر... أنا أرى المدينة قبل أن تستيقظ. الشوارع فارغة تمامًا، والسماء تتغيّر ألف مرة قبل أن تصبح نهارًا. أرى الباعة الآخرين يفتحون محلاتهم بصمت، وقطط الشوارع تتسلل بين الأزقة، وعمّال الخبز يخرجون العجين الساخن، وأول خيط ضوء يلمس أسطح المباني القديمة."
قالت المرأة، وهي تبتسم بثقة: "هذا هو ما لا يملكه أحد يا بني. صوّره بكلماتك، واكتب عنه، وقدّمه للناس كما تراه أنت وحدك."
ظنّ كريم في البداية أنها تمزح، لكنه - من باب التجربة فقط - بدأ يكتب كل صباح صفحة قصيرة عن "ما رآه قبل أن تستيقظ المدينة"، ويعلّقها بدبوس صغير على جدار قريب من موقفه، بخط يده المتعثّر، مقابل نسخة الجريدة نفسها.
في الأسبوع الأول، توقف بعض الناس ليقرؤوا سطرين، ثم ابتسموا ومضوا في طريقهم. في الأسبوع الثاني، بدأ بعضهم يسأل خصيصًا عن "صفحة الفجر" حتى قبل أن يشتروا الجريدة. في الشهر الثالث، بدأ طلاب جامعة قريبة يمرّون من طريق مختلف تمامًا فقط ليقرؤوا كلماته الصباحية، ويصوّرون الورقة بهواتفهم.
لم يكن كريم يعلم أن أحد هؤلاء الطلاب يعمل محررًا في مجلة محلية صغيرة. أخذ صورة لأحد نصوصه، ونشرها على صفحته بعنوان: "بائع صحف يكتب أجمل مما نقرأ." انتشر المنشور بسرعة لم يتوقعها أحد، وبدأ الناس يأتون من أحياء بعيدة فقط ليأخذوا "صفحة الفجر" مجانًا مع نسخة الجريدة.
عرضت عليه دار نشر صغيرة أن تجمع كتاباته المتناثرة في كتيّب صغير بعنوان "فجر بلا اسم". بِيعت النسخة الأولى منه بالكامل في أسبوع واحد فقط.
لم يصبح كريم غنيًا بين ليلة وضحاها، لكنه أصبح - لأول مرة في حياته - "شخصًا له صوت"، لا مجرد يد تمرّ الجريدة وتقبض العملة بصمت.
بعد سنتين، افتتح كريم زاوية صغيرة قرب موقفه القديم، سمّاها "ركن الفجر"، يجلس فيها شباب الحيّ يكتبون ويقرؤون كل صباح قبل أن يذهبوا إلى أعمالهم وجامعاتهم. لم يترك بيع الصحف أبدًا، لكنه أضاف إليها شيئًا لم يكن يعرف أنه يملكه طوال هذه السنوات: حكايته الخاصة.
في أحد اللقاءات الصحفية سُئل: "ما الذي تغيّر فيك بالضبط؟"
أجاب بهدوء، وهو ينظر إلى الأفق: "لم يتغيّر شيء في الفجر. هو نفسه كل يوم، لا يزيد ولا ينقص. أنا الذي تغيّرت، حين قررت أن أرويه بدل أن أنتظره فقط وأنا صامت."