صانع العروش محمد علي

صانع العروش محمد علي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 صانع العروش: كيف تحول تاجر التبغ إلى سلطان مصر الخفي؟

من شواطئ مقدونيا إلى قلب المحروسة: البداية غير المتوقعة

ولد محمد علي باشا عام 1769 في مدينة قوالة بمقدونيا لعائلة ألبانية. بدأ حياته كتاجر تبغ بسيط، وهي مهنة أكسبته ذكاءً عمليًا وفهمًا دقيقًا لطبيعة البشر. لكن نقطة التحول الكبرى في حياته جاءت عام 1801، عندما أُرسل إلى مصر كقائد لكتيبة عسكرية ألبانية ضمن جيش الدولة العثمانية، بهدف إخراج الحملة الفرنسية. بذكائه الحاد وقراءته الذكية للمشهد المضطرب، نجح في كسب ود الشعب المصري وزعمائه، وعلى رأسهم عمر مكرم. وفي عام 1805، قاد الشعب ثورة ضد الوالي العثماني "خورشيد باشا"، واختاروا محمد علي واليًا عليهم، في سابقة تاريخية أجبرت السلطان العثماني على الرضوخ لإرادة المصريين.

طريق الدم والحديد: سحق الخصوم والانفراد بالسلطة

لم يكن طريق الوالي الجديد مفروشًا بالورود؛ فلكي يبني دولته، كان عليه التخلص من الأعداء في الداخل والخارج. نجح أولاً في صد الإنجليز في حملة فريزر عام 1807، ثم التفت لتأمين جبهته الداخلية؛ فأضعف نفوذ الزعامات الشعبية التي أجلسته على العرش. ولم يتبقَّ أمامه سوى المماليك الذين يهددون استقرار حكمه، فوجه إليهم الضربة القاضية والتاريخية في مذبحة القلعة الشهيرة عام 1811، ليصبح الحاكم الأوحد بلا منازع.

ثورة التحديث: كيف أفاق "العملاق النائم"؟

بمجرد استتباب الأمن، بدأ محمد علي مشروعًا ضخمًا غير وجه مصر تمامًا، ليُلقّب بـ "مؤسس مصر الحديثة"، وقام ببناء الدولة على ثلاثة ركائز:

احتكار الاقتصاد: غلبت الدولة يدها على الزراعة والصناعة والتجارة، وأدخل زراعة القطن طويل التيلة الذي أصبح الذهب الأبيض لمصر.

توطين العلم: أنشأ المدارس العليا (كالطب والمهندسخانة)، وأرسل البعثات العلمية إلى فرنسا، وترجم العلوم الحديثة.

الجيش القومي: أسس جيشًا نظاميًا قويًا يعتمد لأول مرة على التجنيد الإجباري للفلاحين المصريين، وبنى ترسانة ضخمة لصناعة السفن الحربية.

زلزال الشرق: الجيوش المصرية تهدد عرش الخلافة

تحول محمد علي من مجرد والٍ خاضع إلى قوة إقليمية مرعبة. خاض حروبًا في الحجاز، والسودان، واليونان لصالح السلطان العثماني، لكن طموحه قاده لغزو الشام ومحاربة السلطان نفسه. حققت جيوشه، بقيادة ابنه العبقري إبراهيم باشا، انتصارات ساحقة وصادمة وصلت إلى مشارف العاصمة العثمانية (الآستانة). هذا التوسع المرعب دفع الدول الأوروبية للتدخل عسكريًا لحماية "رجل أوروبا المريض"، وفرضوا عليه معاهدة لندن (1840)، والتي قلّصت حدود دولته لكنها منحت عائلته حكم مصر وراثيًا.

الغروب الحزين: رحيل الثعلب وبقاء الأثر

في أواخر حياته، نال التعب من الباشا وأصيب بالمرض وضعف الذاكرة، فتولى ابنه إبراهيم إدارة البلاد عام 1848، لكنه توفي سريعًا قبل والده. وفي أغسطس 1849، رحل محمد علي في قصر رأس التين بالإسكندرية، تاركًا خلفه إمبراطورية وإن سقطت عسكريًا، إلا أنها بقيت دولة قوية ذات سيادة ومصرًا حديثة تغيرت ملامحها للأبد. 

image about صانع العروش محمد علي
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
احمد مدحت تقييم 0 من 5.
المقالات

2

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-