وعدٌ على بابٍ أغلقه المهر

وعدٌ على بابٍ أغلقه المهر

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

image about وعدٌ على بابٍ أغلقه المهر

وعدٌ على بابٍ أغلقه المهر

 

في حارة ضيقة، حيث الجدران تحفظ الأسرار أكثر من البشر، التقى "يوسف" بـ "مريم".

لم يكن لقاءً عابرًا. كان سؤالًا ألقته عيناها فأجابه قلبه قبل لسانه.

كان يوسف شابًا يعمل بيده. ليس غنيًا، لكنه غني بالمروءة. وكان يحلم ببيت صغير، وباب يطرقه كل مساء فيجد فيه من تنتظره.

ومريم... كانت الوردة الوحيدة في بيت عمها. يتيمة الأب، وفي كفالة خالها "أبو فارس" الذي ورث المال وورث معه طبع التجار.

بدأت القصة بكلمة، ثم بنظرة، ثم بوعد.

جلسا على سطح البيت القديم تحت سماء الصيف، وتعاهدا.

فقال لها يوسف:

*وعدتُكِ يا مريم أن أبنيكِ بيتًا من تعبي

وأن أزرع اسمكِ في كل دعوةٍ بين يدي

وأن أكون لكِ السندَ إذا مالَ الزمانُ

والوطنَ إذا ضاقت بكِ الدنيا_

وردت عليه وقلبها يرتجف:

وعدتُك يا يوسف أن أكون لكَ الزادَ والزهر

أن أخيط لكَ من صبري ثوبًا

وأن أنتظركَ ولو طالَ الانتظارُ دهرًا

مضت شهور. ادّخر يوسف من راتبه، ورفض السهر، ورفض الحرام. جمع ما استطاع وذهب "طالبًا للحلال" كما علمته أمه.

طرق باب الخال، وقلبه يدق كالطبل.

استقبله أبو فارس بابتسامة باردة، وسأله: “وماذا معك يا بني؟”

قال يوسف: "معي نية صافية، ويد تعمل، ومهر أجمعه بالحلال".

فضحك الخال وقال كلمته التي كسرت الباب:

“بنتي مهرها مش قليل. عايز 200 ألف، وشبكة، وشقة تمليك. السوق غالي يا ابني”

سكت يوسف. لم يغضب. فقط شعر أن الجدار الذي كان يبنيه من سنين، هُدم بحجر واحد اسمه "المغالاة".

خرج ولم يعد. ليس لأنه ضعيف، بل لأن الكرامة كانت أغلى من أن تُساوم.

مرت الأيام. كانت مريم تراه من بعيد، وعيناها تقول ما لا يقوله لسانها.

وكان يوسف يكتب لها، لا ليرسل، بل ليُبقي الوعد حيًا في صدره:

قالوا المهرُ نارٌ تحرقُ العاشقين

وأنا قلتُ المهرُ قلبٌ لا يُباعُ ولا يُستدان

إن كان الحبُ يُشترى بالذهب

فخذوا ذهبكم... واتركوا لي وطني

يا مريم، ما خنتُ العهدَ ولا نكثتُ اليمين

لكنهم وضعوا على بابنا قفلاً من فضة

وقالوا هذا هو الحبُّ الحديث

وأنا ما تعلمتُ إلا أن الحبَّ بابٌ مفتوح

يدخلهُ التعبُ ويخرجُ منهُ الرضا

أبو فارس كان يظن أنه يحميها. لكنه لم يفهم أن الحماية ليست في عدد الأصفار، بل في رجل يحفظها إذا نامت الدنيا.

ومريم فهمت متأخرًا. فهمت أن الوعود لا تُوزن بالميزان، وأن الرجل الذي جاء بيدٍ فارغة لكن بقلبٍ ممتلئ، كان هو الغنى كله.

اليوم، يوسف مازال يعمل. ومريم مازالت في بيت خالها.

لكن بينهما شيء لا يستطيع المهر أن يشتريه ولا يستطيع المال أن يمحوه: وعد.

والوعد، يا سادة، لا يموت.

قد يتأخر، قد يتعب، قد يجرح... لكنه يظل حيًا مثل النار تحت الرماد، ينتظر نسمة صدق لتشعله من جديد.

وختم يوسف قصيدته الأخيرة التي لم تصلها:_إن لم نجتمع في بيتٍ من طين

فنجتمع في دعاءٍ إلى السماء

فإن كان ربي كتب لنا اللقاء

فسيكسرُ كلَّ الأقفالِ... حتى قفل المهر*

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Atia تقييم 0 من 5.
المقالات

2

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-