حين يصير الحب وطنًا"
حين يصير الحب وطنًا"
♡*
- أنتَ بتعمل ايه في المطبخ يا أدهم!
- صحيت بدري فقلت أعملنا فطار يا حبيبتي.
ابتسَـمت بهدوء ودخلت أخدت الخيار والسكينة وقعدت على الكُرسي.
- أنا عملت البيض، وحطيت طبق الجبنة.. ولعت النار على الماية، أعمل حاجة تانية؟
حركت راسي بِنفي وكملت بهدوء وأنا بحطله حتة خيار في بوقه:
- كفاية كده، أنا قطعت الخيار وهلقم الشاي روح خرج معاك الأطباق وأستناني على التربيزة.
باس ايدي وضحك بهدوء:
- عينينا للهانم.
لقمت الشاي وولعت بخور، وشغلت الإذاعة فكان شغال نصر الدين طوبار: “يسكُب الطَل.. يسكُب الطل، يسكُب الطل رحيقًا مِن نداه مُقيظًا بالنورِ أجفان الحياة، الضُحى مِن نوري مَنْ والندا مِن فيضِ مَنْ! سبحَت للهِ في العُشِ الطُيور تُرسل الأنغام عطرًا في الزهور.. سبَحت للهِ في العُش الطيور، تُرسل الألحان عِطرًا في الزهور!”
سقيت النعناع، والورد وأخَدت نعناعتين من النعناع اللي طلع حطيته على كوباية الشاي وصبيتها وخرجتهم، بصلي بِتذمُر بسيط:
- أنتِ اتأخرتِ ليه؟
ضحكت على ضمِة حواجبه لما بيتقمص، لِسه زي ما هو من 35 سنة، حتى غضبه شكله جميل.
- معلش يا حبيبي كنت بصُب الشاي بس.
ابتسَـم بِرضا ووسعلي مكان علشان أقعُد:
- عارفة يا مريم؟ قبل كام سنة وقت ما شُفتك ووقعت في حُبك في ساعتها، قعدوا يحذروني كتير أوي ويقولولي دي تنكة.. مناخيرها في السما، ميغُركش إن وشها بريء.
ضحكت بِهدوء وأنا باكُل ورفعت حاجبي:
- طيب وأنتَ مستعصتش الأمر بقى ليه؟
ضحك بِهدوء وهو بيحُط في بوقي لقمة جبنة:
- قُلتلهم حقها، حلوة وجميلة وعينيها دوبتني من أول مرة.. هتعبلها؟ فيها إيه يعني ما أتعبلها، وتعبت ونولت يا ست الكُل.
ضحكت وأنا بكمل:
- فاكِر كنت بتعمل إيه علشان توقعني في حُبك!
ضحك وسكت وأنا راسي بِترجع ورا ٣٧ سنة مثلًا، أول مرة أخُد بالي من وجود أدهم في الدنيا.
- ألحقي يا مريم بصي..
بصيتلها بِأستغراب فكملت:
- فيه جواب واقع ملزوق فيه وردة..
- ده لمين؟
ضحكت وهي بتغمزلي وبتمدلي الجواب:
- مكتوب عليه إنه ليكِ.
مكدبش، أثار فضولي.. أثاره جدًا كمان بس بصيتلها برفض وعدم مُبالاة:
- تلاقيه ولد بيلعب، أنتِ عارفة إني مليش في الحاجات دي.
مسكت دراعي وكملت وهي بتحطهولي في الشنطة:
- ماشي يا ستي ولو، بس خليه معاكِ.. يمكن فضولك يثيرك وتقرأيه ولا حاجة.
بصيت للجواب ثواني وبعدين رفعت راسي بِرفض وأنا بمثِل اللامُبالاة:
- مُستحيل.
استأذنت منها علشان ماما كانت عاوزاني أجيب شوية خضار للبيت، روحت جبتهم بسرعة جدًا وروحت البيت، بوست راس ماما وابتسَـمت:
- أنا جيت يا ست الكل، جبتلك الحاجة.. هدخل أستحمى وألبس.
حركت راسها بماشي وابتسمتلي:
- وحضري نفسك علشان جايلك عريس.
وشي كرمش واتضايقت جدًا، بصيت لها بأعتراض:
- عريس؟ عريس إيه أنا لسه مخلصتش الثانوية.
- مقولتش إنه هيتجوزك بكره يا مريم بطلي غضب على كل حاجة، كلم والدك وعاوز يشوف.
مكنش المفروض أعلي صوتي، فسكتت.. اضطراري إني أسكُت وحش، وحش جدًا.
دخلت اوضتي، غيرت ولبست جلبية شكلها حلو بيتي، رفعت شعري بِتوكتين، مكنتش سقيت زرعي.. دخلت سقيته وخرجت، كان فيه كتاب بحب اقرأه أوي، فمسكته وقعدت على سريري أقرأ شوية.. دقيقة وأفتكرت الجواب، فكرت دقيقتين وبعدين مسكت الجواب فتحته.. شميت الوردة كانت ريحتها جميلة، كانت توليب.. يا ترى مين صاحب الجواب اللي عارف إني مغرمة بالتوليب!
"إلى عزيزتي: مريمة.
كيفَ لِامرأةٍ واحدة أن تدخُل حياة رجُل فتقلبها رأسًا على عقب بهذا الشكل، من ساعة ما شُفتك وأنتِ طالعة عند حورية بِنت عمتي وأنا حاسس إني كياني اتشقلب، عيونك آسرتني.. تسمحيلي أتغزِل فيهم على راحتي! وممكن الهانم تحِن وتحب الفقير؟
من: أ"
ابتسَـمت بِهدوء آثَر لطافة حروفه، قد إيه كام جُملة قدروا يأسروني بِشكل جميل جدًا.. بنت عمته حورية؟ بس عمر حورية ما كلمتني عن ابن خالها ابدًا.
- مريم!
اتخضيت وخبيت الجواب بِسرعة في الكتاب، ماما فتحت الباب وبصتلي بأستغراب:
- شكلك مخضوض ليه؟
حركت راسي بِنفي وكملت:
- مفيش أنا بس اتخضيت علشان كنت مركزة في القراية.
بصتلي بِعدم اقتناع وكملت:
- الأكل جهِز، يلا.
حركت راسي بِماشي، قفلت الباب فابتسمت بِكسوف للكتاب وخبيته تحت مخدتي.. نسيت الوردة، فرجعتلها تاني، حطيتها في وسط صفحة في الكتاب وقفلت عليها.
ابتسَـمت بِهدوء وأنا واقفة عند الكومودينو بتاعنا، بصيت لِلوردة اللي أصبَحت جافة بسبب الأيام.. بس لسه ذِكرتها منحوتة جوا قلبي، وقف جنبي وحط ايده على كتفي:
- الهانم بتتكرم وتفتكر الفقير؟
ابتسَـمت بهدوء وأنا بدخُل جوا حُضنه:
- كنت أغنى منِّي يا أدهم.
- فقري قصادك كان في إنك بتملكي كل مفاتيح قلبي، وأنا بس بحاول لأجل رضاكِ..
ضحكت بِهدوء وكملت:
- بس امتلاكك لِقلبي مكلفكش كتير.
ضحك وكمل:
- فعلًا، اتقدمت أربع مرة بس..
- أنتَ عارف إني مكنتش رافضة، بس في الأخر أقنعت الحج.
غمزلي وكمل:
- حلال في الولد مُراد اللي عملته علشان ياخد يقين ولا مش حلال..
قعدت على السرير وكملت بلوم:
- لأ حرام، ده كان ناقص يبوس على ايدك.
- وعاملت سمر نفس مُعاملة يقين وخليت ابنك اتحايل عليها.. البنات غالية يا مريمتي، واللي ميقدرهمش ميستاهلهمش.
بداية ترسيخ الأفكار مُعتمدة على الكبار، لما تبدأ تشوف والدك بيحترم والدتك هتبدأ تحترم زوجتك، لما تبدأي تشوفي والدتك بتعدي وبتحاول مع باباكي هتفهمي إن الدُنيا مش حر..ب ومين فينا هيكسب، الزواج علاقة استقرار مُفتاحها التفاهم، وتوابلها الاحترام والتقدير.. لو الزوجين متفاهمين وبينهم إحترام وتقدير، الأولاد هيطلعوا اسوياء نفسيًا.. والبيت هيكون بيت هادي وساكن، مراحل بِناء جيل صالح هي أب وأم صالحين.
- أدهم الجرس بيرن، أفتح ايدي مش فاضية.
كان قاعد بيقرأ الجرايد ولا كأننا لسه في التمانينات، أدهم لسه مش حابب يمسك التليفونات، لسه بيشوف إنها تضييع للوقت والمجهود ولنظره.. ساب الجُرنال وقلع النضارة وراح يفتح الباب، سمعت دوشة فابتسَـمت بِهدوء، عرفت إن آيلا وفيروز ويونس ولاد يقين جُم، وإن إليَّا وليلى ولاد عُمر معاهم.. النهارده الجُمعة، بنجمع الأولاد وأجوازهم وأولادهم، بنعمل أنواع الأكل اللي كلنا بنحبها، بنشارك بعض في عمايل الأكل.. وبنتجمع على السُفرة.
- جدو جدو..
أكاد أُجزِم إن أحفاده بيحبوه أكتر ما بيحبوا أهاليهم، أدهم كان أب حنيِّن وزوج حنيِّن وجد حنيِّن جدًا جدًا وحكيم.
مسحت ايدي وخرجت فسمر جت حضنتني وأستاذة يقين كانت في حضن باباها.
- حبيبة قلبي، عامله إيه وعمور عامل إيه!
- الحمدلله يا مريومة، هيخلص الشغل وهيقابل مُراد ويجوا على طول.. وأنا هريح وأغير وندخل نشوف فيه إيه نعمله.
بوستها من خدها وكملت:
- ريحي يا قلبي فداكي، وكتاكيت تيتا!
جريوا عليا حضنوني:
- وحشتيني يا تيتا مريمة.
- بابا جابلي عروسة جميلة أوي يا مريمة.
- أنا عاوزة أكل كيكا بالشوكولاتة يا نينا.
ضحكت بِهدوء وأنا باخدهُم في حُضني:
- واحدة واحدة أنا ست عجوزة مش هعرف أعمل كل ده سوا.
يقين جت باستني من خدي وكملت:
- متقوليش كده يا ماما، ده أنتِ فيكِ نشاط عني.
أدهم كمل بضحك:
- حيلكم حيلكم الست اللي حيلتي، هتحسدوها ولا إيه..
ضحكت بِهدوء وكملت:
- يلا ألبس وخد يونس في ايدك وأنزلوا صلوا.
حرك راسه بِأيجاب وكمل وهو بيشاورلي على عيونه:
- عنينا، أوامر يا ست الكُل.
يقين دخلت المطبخ هي وسمر، وأنا كُنت واقفة بعمل الكيكة والبسبوسة للأولاد.. ابتسَـمت ودماغي رجعت بيا لِذكرى زمان.
- بطلي تعيطي يا بنتي وفهميني فيه إيه، وبعدين ده عبد الرحمن ابن خالتك! فيها إيه!
- مش عاوزاه يا رحمة مش عاوزاه.
اتنهِـدت بتعب وكملت:
- طيب وعاوزة مين!
قُمت وقفت بِفستان الخطوبة، فتحت الدُرج بتاعي وخرجت منه الجوابات اللي أدهم كان بيكتبهالي كلها، فتحت جواب وادتهولها، كان كاتبلي فيه:
"إلى حبيبتي الأولى، والأخيرة.. الذي ظَن الزمن أنَّنا لن نجتمِع أبدًا، أُقسِم لكِ بِربِ العرشِ العظيم ألَّا يلمس يدكِ أي رجُل غيري، ولن ترى عيناكِ الحُزن مُجددًا.. فقط أنتظريني، لن يطول غيابي، ولا تنسي أن تُحضري مُعجناتك وحلواكِ المُفضلة إليَ.
عزيزك، وحبيبك كما تُخبِرني عيناكِ: أدهم."
قفلت الجواب بسرعة وحضنتني:
- يا حبيبتي بس ده هو أختفى.
حركت راسي بِلأ وكملت:
- يا رحمة لأ، أنا واثقة في أدهم.. أنا واثقة إنه هيرجع.
اتنهِـدت بهدوء وكملت:
- ربنا يكتبلك الخير يا حبيبتي.
حركت راسي وسكتت، كانت كل دقيقة بتمُر على قلبي بفقد فيها الأمل في إنه يجي ياخدني ويلحقني، كنت بخاف أبقى ملك راجل غيره وأنا عارفة إنِّي مش حد خاين، مش هعرف أفضل أحبه وأظلم اللي معايا.. ومش هقدر أبطل أحبه! كُنت بدعي من قلبي بِمُعجزة، مُعجزة يلحقني فيها.
- مريم ألحقي! أدهم تحت بيتكم ومعاه عربية..
جريت على الشباك فلقيته بيبُصلي وبيضحك وبيوريني المُفتاح، كان شرط أبويا علشان يتجوزني مفتاح عربية! يا خبر يا أدهم!
- أنا آسِف، الخطوبة دي مش هتكمل..
جري على أبويا وفتح ايده:
- أهي العربية اللي حطيتهالي شرط.. ممكن أخُد عروستي!
قلبي كان بيرقُص بِفرحة، واللهِ العالم كله بيكون بِرقة الفراشة في وجود شخص يحبك، يبذِل علشانك جُهد الدنيا كله يحاول بقلبه وبروحه وبمجهوده يكسبك.. ويكسبك.
بابا ابتسَـم وقفل ايد أدهم على مفتاح العربية:
- حلال عليك العربية، والعروسة.
- بتضحك! يبقى بتفكر في أدهم..
فوقت على صوتهم فكانوا قاعدين قُصادي حاطين ايديهم على خدهم وبيبتسموا، قلبت ملامح وشي وبصيتلهم بتحذير:
- أنتوا إيه اللي مقعدكم كده أنتوا الأتنين! قوموا شوفوا الأكل..
يقين أخَدت نفس عميق وكملت وهي بتبُص لِسمر:
- شوفي يا سمر، قعدت عُمري كله بدعي ألاقي حد زي بابا.. رغم إني عارفة إن مفيش في حنية بابا، ولا في جمال بابا ولا في حب بابا لماما، بابا بقى لما مُراد جيه يتقدملي خلاه يطلع عينه ويوصل لتارجت معين في الشغل.. وفي الأخر قاله هات الشبكة اللي عاوزها، المهم تريح بنتي.
سمر ابتسَـمت وكملت بِهدوء:
- ما مريوم وأدهوم قصة حُب تتدرس، بحب نظرات بابا أدهم لِمريمة في كل مرة.. ببقى عاوزة أعرف سر حُبه ونظرته ليها كُل يوم بنفس شغف أول يوم!
يقين بصتلي ورفعت حاجبها:
- إيه السر يا مريمة؟
ابتسَـمت بهدوء واتنفِـست:
- إن أنا كُنت عارفة حدودي، وهو كان عارف حدوده، فكركم أدهم عمره ما رفع صوته عليا؟ رفعه.. بس كنت ببقى عارفة أمتى أعدي علشان أدهم مضغوط، وطالع عينه في الشغل، وأمتى أعاتبه وألومه وأخاصمه، كان كل مرة بيتفنن في طريقة يصالحني بيها.. ولا مرة سابني أنام زعلانة، كان بيحبني وبيحافظ على كرامتي أوي، فكنت بفهمه، كان راجل حكيم.. عارف أمتى يكون شديد، أمتى يكون حنيِّن، أمتى بكون محتاجاه يحضني بس منغير ولا كلمة.. وأمتى بكون محتاجاه يوجهني.. ٣٥ سنة، إمامي الوحيد فيهم كان أدهم، كان دايمًا يزُقني على الوِرد.. نحفظ سوا، نقرأ قرآن سوا، أدهم كان حبيب أمبارح وحبيب بكره وحبيب دلوقتِ وكل وقت.
- يا سيدي يا سيدي!
لقيت حد بيبوس راسي بِهدوء فعرفت إنُّه هو:
- نورت يا حبيبي، أعملك شاي؟
حرك راسه بِنفي وكمل وهو بيقعد معانا على التربيزة:
- تسلم ايدك يا حبيبتي، محتاجين مساعدة!
سمر حركت راسها:
- آه يا بابا، اقرألنا سورة يوسُف.
ضحك بِهدوء وكمل:
- عيوني يا حبايبي، اشتغلوا وأنا هقرأها.
أكاد أُجزِم إن رزق عُمري كُله خرج في أدهم، أب صالح، زوج صالح، بيُرتل القُرآن بصوت جميل جدًا، بيُعنّني على مصائب الدُنيا.. وبيساعدني علشان الآخرة، كُنت مفكرة الرجالة المثالية دي حواديت، لحد ما اتجوزته، أحلى من أحلى بطل رواية وأوسم من مية بطل سيما.
- جدو، تيتا.. ألحقوا آيلا بتلعب في الزرع وهتشيل وردة!
قام وقف وراح البلكونة، قعد على رُكبه اللي بقعد أدهنهاله دي.. نفسي يفهم إنه كبر ومينفعش يقعد كده، روحت ناحيته جبتله كرسي وشاورتله فقعد عليه.. شد آيلا وابتسَـم:
- اوبح، حبيب جدو ليه بيشيل الوردة!
- شكلها جميل أوي، لونها حلو أوي يا جدو..
اتنفِـس بهدوء وكمل:
- عارفة يا لولي لو شيلتِ الوردة من مكانها هيحصل إيه؟
بصيت لُه بتساؤول:
- هيحصل إيه!
- الحاجة بتكون جميلة جدًا في مكانها، خصوصًا الزرع.. لأنه لما بيخرج من التُربة مبياكلش ومبيشربش ومبياخدش الغذا والضوء المناسب ليه، يعني الوردة شكلها جميل جدًا بس في مكانها.. لو شيلناها من مكانها هتدبل ومش هتكون جميلة، زي السمكة كده.. لو خرجناها من الماية هيحصل إيه؟
- هتموت.
- الوردة الجميلة اللي عاجباكي دي برضوا لو خرجتيها من التُربة هتموت.
حركت راسها بتفهُم وكملت بهدوء:
- طيب وأنتَ يا جدو، بتموت أمتى؟
قلبي أتقبَض وأتخضيت، حسيت إن روحي هتروح من مجرد سؤال.. بص وراه لقاني واقفة فمسك ايدي وابتسَـم:
- أنا هموت لما ربنا يأذن يا حبيبتي، بس روحي هتبقى ملهاش لازمة لو خرجت من البيت ده.
حطيت إيدي على ضهره وكملت بِهدوء:
- ألف بعد الشر عليك.
- متقلقيش، هفضل عايش في قلبك طول العُمر يا مريمة.
خبطته في كتفه وكملت:
- وجنبي، أسكت بقى أحسن والله أخاصمك.
جرس الباب رن فيقين كملت بِهدوء:
- واضح إن آخِر فردين في العيلة الكريمة شرفوا، أروح أفتح بقى.
ابتسَـمتلها فخرجت هي وسمر والأولاد وراهم، مسك ايدي وقعدني قُدامه.. باس ايدي الأتنين وابتسَـم بهدوء:
- مش عاوزك تتخضي كده لما تيجي سيرة موتي، الموت علينا حق يا حبيبتي.. ومش أنا اللي هقولك كده، عاوزك تفضلي دايمًا مخلية بالك من نفسك، ومنهم، كنزي الوحيد في الدنيا يا مريم حُبك ليا وحُبك لعيالك وحُبهم ليكِ ولبعض.. لو حاجة واحدة سعيت ليها طول عمري، هي إني أخلي عيالي وعيالهم عيلة واحدة مش زيي أنا وأخواتي..
عيني دمعت غصب عنِّي، حتى لو مُؤمنة بِقضاء الله.. وعارفة إن الموت علينا حق، فُراق الحبايب بيوجع، بيعصُر القلب والله حتى لو مجرد فكرة مش أكيدة، ربنا ما يكتب على حد فُراق غالي!
- حاضر، بس أمانة متجبش سيرة إنك تسيبني تاني.. أنتَ عارف إني منغيرك هبقى عامله زي الوردة اللي اتشالت من التُربة، والسمكة اللي خرجت من الماية يا أدهم!
باس ايدي الأتنين وكمل بِابتسامة:
- بيا، منغيري.. مريَمة هتفضل عايشة.
- متتكلمش معايا تاني.
سيبته وخرجت من البلكونة، عُمر خدني في حُضنه.. أتنين بحس في ضمِتهم بريحة أدهم، عُمر ابني ويونس ابن يقين، الأتنين شاربين صفات أدهم وحنية أدهم، وحُضنهم زيه دافي.
- عامله إيه يا حبيبتي، مين مزعلك بس..
خرجله وهو رافع حاجبه:
- هتعمل إيه للي مزعلها يا ولد!
بصله وضحك وراح باس ايده:
- هقوله يصالحها بأدب، هو كده كده ميقدرش على زعل مريمة.
ابتسَـم بهدوء وكمل:
- أنتَ شايف كده يعني!
مراد كمل من وراه:
- يعني أنتَ شايف حاجة تاني يا حج.
قرب منِّي بهدوء وباس راسي وأخدني في حُضنه، فبحركة تلقائية من مراد وعُمر خدوا مراتاتهم في أحضانهم.
كُنا متجمعين على السُفرة، كانت عيونه بتلمع لوجودنا حواليه.. حبيبي جميل، وهيفضل طول عمره جميل.
- أدهم إيه أكتر حاجة نفسك فيها بمناسبة إننا مقفول علينا بيت دلوقتِ!
ابتسَـم وشد إيدي ناحية السُفرة:
- كمان ٣٠، ٤٠ سنة نبقى ملمومين على السُفرة دي ومعانا عيالنا وأحفادنا، بناكل سوا وحاسس بالعيلة اللي عمري ما حسيت بِوجودها في الدنيا.. وأنتِ جنبي، بتمسكي إيدي فبقولك للمرة المليون إنِّي بحبك.
ابتسَـمت بِهدوء وكملت وأنا بحضُنه:
- بحبك.
مسكت إيده وبصيت لُه، فابتسَـم بهدوء وهمسلي:
- بحبك.
كملت بنفس الهمس وأنا بضحك:
- وأنا كمان..
لقيته بيحُط في ايدي جواب وابتسَـم:
- متفتحيهوش دلوقتِ خالص.
حركت راسي بِإيجاب، كُنا كلنا فقومنا لمينا السُفرة.. فضل يلعب مع عيال عياله، يشيلهم على بطنه، وعلى ضهره، ويديهم في نصايح.
- خلوا بالكم من بعض يا ولاد.. الكنز الحقيقي مش في الفلوس، الكنز الحقيقي إنكم تبقوا سوا، تحضنوا بعض.. وتحافظوا على بعض وتخلوا بالكُم من عيالكم، تربوهم تربية صالحة، وتخلوهم بيحبوا بعض، وتفضلوا دايمًا قنوعين.
عيني دمعت علشان قلقت، أدهم آه دايمًا مبيسبش فرصة بدون نصيحة.. بس أول مرة أحسه غريب، كأنُّه.. كأنُّه بيودعنا.
***
كان رافض طول الليل أقوم من جنبه، كل ما أجي أقوم يمسك أيدي ويقولي خليكِ معايا.. كانت دموعي خلصت من القلق، ابتسَـم ومسح دموعي وشد راسي على صِدره وكمل بِهدوء:
- مش عاوزك تزعلي، عاوزك تفضلي عارفة إنِّك أول حب وأغلى حُب وأخر حُب في حياتي، بالمُختصر أنتِ الست الوحيدة اللي شالت غمامة عيني من على الستات، وقدرت تأسُر قلبي.. أتمنى تفضلي معايا حتى في الجنة، خلي بالك من الأولاد يا مريم، أنتِ أمانتهُم وهُم أمانتك.
- أنتَ ليه بتقول كده طيب، يا حبيبي أنتَ معايا مش هتروح في حتة.
ابتسَـم بهدوء وفضل حاضنني، فضلنا كده للصبح فعيني غفيت، صحيت الصُبح لقيتني لسه نايمة على صدره بس ايده ساقعة، ساقعة اوي! حبيبي أكيد بردان، قُمت أدور على بطانية تدفيه وأنا بعيط.. خبطت على كتفه علشان يصحى مردش، أدهم نومه خفيف! غريبة أول مرة يفضل نايم كده، هيصحى أمتى يقولي صباح النور يا حبيبتي!
- أدهم ممكن تصحى علشان جوعت أوي!
- طيب هكلم عيالك أقولهم إيه! أنتَ عاوز تنام شوية زيادة!
فقدان عزيز عليك هي أكتر حاجة ممكن تهِزك، مهما كُنت شخص متماسك وقوي.. صدَق اللي قال مفيش حلو بيبقى، بس حبيبي الجنة تليق بيه، أنا عارفة إن أعماله هتشفعله، عارفة إنه مرتاح.. كان وشه منوَر، وخشبته بتجري، شوَاق لرُؤية وجه كريم.
***
كُنت واقفة في المقابر بدعيله وأنا دموعي بتنزل غصب عنِّي، فتحت الجواب وأخَدت نفس عميق، ابتسَـمت وأنا بشوف أول جملة:
"إلى عزيزتي، وحبيبتي، وزوجتي، وأمُ اولادي.. وكل ما أملُك: مريَمة..
كيف للمرءِ أن يعيش عُمرًا فوق عُمر فقط كي يستنزفهُ في حُبك، أن يخسر بِمُنتهى السعادة أمامَ عينيكِ.. يشعُر المرء بِقُربِ أجلهُ، مُجرد شعور لرُبما يكون خاطئ ولكِن إن فتحتِ ذلك الجواب فالفعل أنا لستُ موجود فجئتُ كي أقول: مساء الخير يا حبيبة قلب أدهم، وصباح النور يا حبيبتي، تصبحي على خير يا مَريمتي.. وبحبك كُل يوم وطول العُمر،
أتمنى أن يمُر العُمر خفيف، إن اشتقتِ إليَ فضعي يدكِ على قلبِك وتذكري كُل مرةٍ قبلتك فيها على وجنتكِ.. ستشعُرين بِوجودي.
عزيزك، وحبيبك الوحيد: أدهم"
غمضت عيوني وأنا ببتسِـم.. حسيت بِطيف وجوده، كأنُّه بيبوسني من راسي، ابتسَـمت بهدوء:
- بحبك يا أغلى الغالين، ربنا يجمعنا في الجنة يا حبيبي.
حسيت بِحد بياخدني في حُضنه، فتحت عيني لقيته عُمر.. دخلت في حُضنه فابتسَـم وهو بيمسح دموعه:
- وهو بيحبك يا مريَمة.
"كل الطُرق لِلهرَب مِنك تُؤدي إليك، فَـ.. لِأين سأهرُب!"