في هذا المقال

ظلال في القبو المغلق
لم يكن سامي يؤمن بالخرافات، لكن البيت القديم الذي ورثه عن جده في أطراف المدينة كان يبعث على الريبة. البناء يعود لأربعينيات القرن الماضي، والجدران المتآكلة تشهد على عقود من الصمت. كان السبب الوحيد لحضوره هو رغبته في تقييم المنزل قبل بيعه للتخلص من ديونه المتراكمة.

في اليوم الأول، وبينما كان يفرز أوراق جده القديمة في المكتبة، لفت انتباهه باب خشبي صغير في نهاية الممر المظلم، يقع تحت مدرج السلم. كان الباب مثقلاً بصلب صدئ ومقفلاً بقفل نحاسي ضخم. العجيب لم يكن القفل، بل السلسلة الحديدية الملفوفة حوله عدة مرات وكأنها تستهدف إبقاء شيء ما بالداخل... أو منع شيء من الخروج.
مع حلول منتصف الليل، وبينما كانت الرياح تعصف بالخارج، سمع سامي صوتاً غريباً. لم يكن صوت فئران أو حشرات، بل كان صوتاً إيقاعياً منتظماً: خربشة خفيفة يعقبها طلقات متقطعة كأن أحداً يحاول الدفع من الداخل.
وقف سامي في مكانه والبرودة تسري في جسده. أخذ مصباحه اليدوي واقترب ببطء نحو الممر. كلما اقترب، زادت حدة الصوت. وقف أمام الباب المغلق، ووجه ضوء المصباح نحو القفل. كانت السلسلة تتحرك بحركة خفيفة لا تُرى إلا بالتدقيق.
بحثت يداه عن أي أداة لمساعدته، حتى وجد عتلة حديدية قديمة في كراج المنزل. تنفس ببطء، وحسم أمره؛ فالفضول والخوف امتزجا في عقله بشكل لا يطاق. وضع العتلة بين السلسلة والباب، وبدأ بالضغط بكل قوته. ارتفعت صرخات الحديد الصدئ في هدوء الليل، حتى كسرت السلسلة وسقط القفل على الأرض بصوت مدوٍّ.
انفتح الباب تلقائياً لبضعة سنتيمترات، وخرجت منه رائحة رطوبة عتيقة ممزوجة برائحة شمع محترق.
هبط سامي الدرجات الحجرية المتهالكة نحو القبو والمصباح يتأرجح في يده. كان المكان مليئاً بالصناديق الخشبية والمعدات القديمة. وفي منتصف القبو، كانت هناك طاولة خشبية ضخمة تغطيها طبقة سميكة من الغبار. على الطاولة، وجد صندوقاً معدنياً صغيراً، وإلى جواره دفتر مذكرات بغلاف جلدي أسود.
فتح سامي الدفتر ليكتشف أنه بخط يد جده. قرأ الصفحات الأولى بلهفة:
"14 أكتوبر 1962: لا يجب أن يعلم أحد بما وجدته تحت أرضية البيت. الشيء الذي يحرس الصندوق ليس بشرياً، إنه يتغذى على الفضول. طالما ظل القفل مغلقاً، فنحن بأمان. إن قرأ أحد هذه السطور، فهذا يعني أن القفل قد كُسر... ولن يعود هناك مفر."
تجمدت الدماء في عروق سامي. انطفأ المصباح اليدوي فجأة، وعمّ الظلام الدامس القبو.
في تلك اللحظة، سمع صوت أنفاس ثقيلة ودافئة بالقرب من أذنه اليمنى مباشرة، يليها صوت حركة خشبية بطيئة على الدرج الخشبي فوقه... لقد أُغلق باب القبو من الأعلى.
سرت قشعريرة باردة في جسد سامي، واستقرت في عظام رأسه. كانت الأنفاس الثقيلة تقترب منه أكثر، يشعر بلمستها الدافئة على رقابته بينما يتصاعد في المكان صوت ارتطام خشبي متواصل... كان باب القبو بالخلى يُقفل ببطء شديد، وكأن يداً خفية تُحكم إغلاقه لترسم نهايته.
اسقط المصباح اليدوي من يده المرتجفة، لكنه سرعان ما جثا على ركبتيه، يفتش بأصابعه المرتعدة على الأرضية الحجرية الباردة. كان يلهث بعنف، ورائحة الشمع المحترق تزداد كثافة حتى كادت تخنقه. أخيراً، اصطدمت يده بالمصباح. ضربه بكل قوته على الأرض لعلّ الشريحة الداخلية تتحرك، وفي اللحظة التي اشتعل فيها الضوء الخافت المتذبذب، رأى ما لم يكن في حسابه.
لم يكن هناك كائن هلامي أو وحش من عالم آخر، بل كانت الظلال على جدران القبو تتحرك بطريقة معكوسة لحركته. كان ظله هو... منفصلاً عنه!
ارتعد سامي وتراجع حتى اصطدم بالطاولة الخشبية. الظل الملتصق بالحيط امتدت يداه نحو الصندوق المعدني المغلق، ثم التفت نحو سامي واستدار بهدوء، مشيراً بأصابعه الظلية نحو الصندوق، وكأنه يطالبه بفتحه.
أدرك سامي في تلك اللحظة الحرجة مضمون كلمات جده: "الشيء الذي يحرس الصندوق يتغذى على الفضول". الخوف لم يكن هو الوقود، بل رغبته القاتلة في معرفة السر هي ما أطلقت سراح هذا الظل!
امتدت يد سامي المرتجفة إلى الصندوق المعدني على الطاولة. تجرأ ورفع الغطاء الخشبي الرقيق. لم يجد جواهر ولا كنوزاً، بل وجد مرآة دائرية سوداء مصنوعة من حجر البازلت، ومكتوباً على حوافها بخط جده العريض: "لتسجين الظل، يجب أن تواجه عينيك في الظلام".
دون أن يتردد، أدار سامي المرآة ووجهها مباشرة نحو ظله المتمرد على الجدار. سلط ضوء المصباح اليدوي بينه وبين المرآة. بدأ الظل يتقلص ويضطرب، وصدر صوت صفير حاد شق هدوء القبو الموحش، وكأن الظل يُسحب بالقوة إلى داخل الحجر الأسود.
وفجأة... ساد الصمت الكلي.
انفتح باب القبو في الأعلى بفرقعة قوية، وتدفق هواء الليل البارد إلى الأسفل. سقط سامي على الأرض وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، ينظر إلى المرآة السوداء في يده التي أصبحت الآن ثقيلة كالقائد من الحديد.

أغلق الصندوق بحذر، وصعد الدرج بخطوات متثاقلة دون أن يلتفت خلفه. خرج من المنزل القديم، وأقفل الباب الرئيسي للسلسلة والعتلة، متعهداً ألا يعود إلى هذا المكان أبداً... لكنه حين تطلع إلى انعكاس صورته في زجاج السيارة، لاحظ شيئاً جعل قلبه يتوقف مجدداً: كان انعكاسه يبتسم... بينما وجهه هو يتصبب رعباً.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق