في هذا المقال

الخروف صبور والجمل حارس….
في أحد ليالي الصيف الحار كان يسير الجمل حارس وسط الصحراء الواسعة ... حيث الرمال الكثيفة والصخور الصلبة ... لقد كان يشعر بالجوع والعطش الشديد ... لقد انهكته قسوة الأحجار وقلة الأمطار ...
رأى الخروف صبور ما آل إليه حال الجمل فأشفق عليه وقال له : أيها الجمل الطيب .. أنا عرفت مكان قريب يتوافر فيه التبن والتمر الكثير ... يمكنك أن تأكل وتشبع كما تشاء ...
الجمل حارس : أين هذا المكان يا صبور ..
الخروف : هناك عند هذه الهضبة العالية في نهاية هذا الطريق الممتد الامامي ..
الجمل : ياه ... إنها بعيدة وأنا أشعر بالإجهاد الشديد ولا أستطيع السير إلي تلك الهضبة ... هل يمكنك مساعدتي بأن تحضر لي بعض التمر حتى آكل وأسد جوعي لأعود إلى قوتي وأستطيع حمايتكم جميعا في تلك الصحراء الكبيرة القاحلة ...
الخروف صبور : سأفعل كل شيء لأساعدك يا صديقي ...
الجمل حارس : شكرا لك .. أنت اعز صديق لي في الصحراء
انطلق الخروف صبور يسير مسرعا إلى الهضبة العالية يحاول أن يتخطى الأرض المتعرجة والطرق المنحنية التي تعلو وتهبط به من أعلى لأسفل فتجعل الدنيا تلف به وتدور مما يشعره بالغثيان والخوف في آن واحد .. لكنه وعد صديقه الجمل بأن يحضر له الطعام...
قال صبور لنفسه : هل آخذ راحة هنا بعض الوقت ثم استكمل الطريق ... يمكنني الجلوس هنا بعض الوقت ثم أذهب إلى الهضبة...
جلس الخروف صبور على الأرض وفجأة ظهرت له فتاة جميلة... إنها رمانة ... إنها تبدو طفلة صغيرة... ها هي تنادي على والدتها وتقول : يا امي يا أمي ... لقد أحضرت لك البلح واللبن ... الحمد لله .. هيا يا أمي لنتناول البلح معا ...
الخروف صبور نظر إلى الفتاة والى السلة الكبيرة في يدها ... ياه .. إنه يمتليء بالبلح ... لما لا آخذ منها بعض البلح لحارس وأعود إليه بسرعة بدلا من أن أتأخر ويصيبني الإجهاد أنا الآخر ... ولكن الأم جائعة مثل حارس وإذا أخذت التمر سأكون سارقا .. لكن التمر كثير جدا وإذا أخذت بعضه لن يؤثر ذلك عليهم في شيء... لا لا ... لن آخذ منهم شيء ... هذا الطعام ملكا لهم ... سأستكمل الطريق إلى الهضبة ... ..
رمانة: أمي ... أمي ..هل ترين ما أرى ... هذا الخروف الصغير الذي يقف هناك…
خاف الخروف صبور وارتعد ... ماذا يعني أنها تتحدث عني ... هل ستأخذني وتذبحني مثلما ذبح الجزار أبي ... يارب يارب … أنا مستسلم لقدرك ورحمتك لكني وعدت صديقي حارس…
يارب يا كريم …ساعدني … فأنا أريد أن أحضر الطعام إلى صديقي الجمل .....
ذهبت رمانة إلى الخروف صبور وقالت له : أهلا ومرحبا أيها الخروف الصغير الجميل .. لماذا تقف بعيدا ... تعالى معي واجلس معنا في الكوخ ... انا سأحضر لك طعاما شهيا ...
الخروف صبور : حقا .. ستعطيني طعام ... ألن تؤذيني …
رمانة : أؤذيك .. ماذا تقول ... لا أنا لن أفعل ذلك .. انت عابر سبيل هنا وأنا أود مساعدتك ...
الخروف صبور : اتعديني ألا تؤذيني .. أنا أريد أن أعيش حتى أعود لصديقي الجمل حارس .. حتى أحضر له الطعام كما وعدته
رمانة : ياه .. أتريد أن تعيش فقط لأجل صديقك
الخروف صبور : نعم لاني وعدته ولا أريد أن أخلف وعدي
رمانة : يا لك من خروف وفي ومثالي .. أنا سأساعدك حتى تفي بوعدك
سكت صبور قليلًا، و قال : أنا أعلم أن لكل مخلوق أجله الذي كتبه الله له، وإذا جاء أمر الله بالذبح رضيت به، لكنني ما دمت حيًا أريد أن أوفي بوعدي لصديقي.
نظرت رمانة إليه بإعجاب وقالت: الآن فهمت لماذا أصررت على مواصلة الطريق رغم تعبك وخوفك. أنت لا تبحث عن الطعام لنفسك فقط، بل تريد أن تفي بوعدك.
ثم أخذت بعض البلح ووضعته في سلة صغيرة، وناولته بعض اللبن لأنه صغير ثم أعطته برسيم وتبن ولم تنسى وضع الماء الكثير ، وقالت: خذ هذا لك ولصديقك حارس. ولن تحتاج من الآن مواصلة الطريق إلى الهضبة.
فرح صبور وقال: شكرًا لك يا رمانة. لقد أنقذتِ صديقي من الجوع، وساعدتِني على الوفاء بوعدي.
قالت رمانة: بل أنت الذي علمتني اليوم أن الكلمة التي نعطيها لصديقنا مسؤولية لا ينبغي أن نستهين بها.
حمل صبور الطعام، وشكر رمانة ووالدتها، ثم عاد مسرعًا إلى حارس.
وعندما وصل إليه، قال حارس بفرح: لقد كنت أخشى عليك يا صديقي! تأخرت كثيرًا، وظننت أنك لم تستطع الوصول إلى الهضبة.
ابتسم صبور وقال: لم أصل إليها، لكنني التقيت في الطريق بطفلة اسمها رمانة، وقد ساعدتني وأعطتني الطعام لك.
أكل حارس حتى شبع، ثم نظر إلى صبور وقال: لقد عدت إليّ بالطعام، لكنني أظن أنك عدت بشيء أهم منه.
تعجب صبور وقال : وما هو؟
قال حارس: عدت بالوفاء.
ابتسم صبور وقال: وأنا تعلمت أن من يخرج لمساعدة صديقه قد يجد في الطريق من يساعده هو أيضًا.
نظر الصديقان إلى السماء، وحمدا الله على نعمته ورحمته... ثم نظرا إلى الصحراء الممتدة أمامهما، وشعرا بالامتنان لرمانة الصغيرة.
كانت رمانة تقف أمام كوخها تلوح لهما بيدها من بعيد …. ولوح لها صبور كذلك ، ثم تابع السير بجوار صديقه حارس.
وهكذا انتهت الرحلة، لكن صبور لم ينسَ أبدًا أن الوعد الصادق قد يكون ثقيلًا مثل رمال الصحراء، إلا أن الوفاء به يجعل القلب أقوى من كل مشقة….
تابع جديد عزة عبد القادر
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق