في هذا المقال

عندما تكلم الجبل ….
في أحد أيام الشتاء الباردة، استيقظت سما على صوت والدها يناديها
بابا عبيد: سما... هيا يا حبيبتي، لقد حان موعد الرحلة
قفزت سما من سريرها في سعادة غامرة، فقد تذكرت وعد والدها بأن يصطحبها في رحلة إلى سيناء، حيث الجبال الشاهقة والبحر الأحمر بمياهه الزرقاء الصافية.
سما: بابا! لم أنس الرحلة ، سأكون جاهزة خلال دقائق…..
ماما حبيبة : لا تتعجلي يا حبيبتي، لقد أعددت لك السندوتشات وزمزمية الماء.
سما: شكرًا يا أمي، ولكن لماذا لا تسافرين معنا؟
الأم: لدي بعض الأعمال اليوم ، وسأذهب للاطمئنان على شقيقك في المدرسة.
سما: أنت دائما ترفضين السفر يا أمي….
ابتسمت الأم وقالت: أعدك أن أرافقكم في الرحلة القادمة.
احتضنت سما والدتها، ثم أسرعت تستكمل استعداداتها.
وما هي إلا دقائق حتى وصلت حافلة الرحلة ، فصعدت سما مع والدها، وكانت الساعة تشير إلى السادسة صباحًا.
اليمام يعلم سما درسًا
كانت شوارع القاهرة هادئة، والنسيم البارد يمر بين الأشجار، بينما انتشرت بعض الطيور الصغيرة على جانبي الطريق.
لفت انتباه سما طائر بني اللون يسير بخطوات رشيقة… فقالت:: أبي، انظر إلى هذا الحمام الجميل!
بابا عبيد: إنه يمام يا سما، وهو من فصيلة الحمام، لكنه يتميز في بعض أنواعه بحجمه الصغير وصوته الرقيق.
سما: وما الفرق بينهما؟
الأب: توجد أنواع كثيرة من الحمام واليمام، وبعضها يعيش في البرية، وبعضها اعتاد العيش بالقرب من البشر. واليمام الذي نراه يستطيع البحث عن غذائه وبناء عشه وحماية نفسه من الأخطار.
سما: وهل يستطيع مواجهة الطيور الجارحة؟
الأب: يحاول النجاة منها باليقظة وسرعة الطيران والاختباء ، فلكل مخلوق وسيلته الخاصة في الدفاع عن نفسه.
تأملت سما الطائر الصغير وقالت:: سبحان الله…. يبدو صغيرًا ، لكنه يعرف كيف يعيش ويواجه الصعوبات.
الأب: نعم يا حبيبتي، وقد أخبرنا القرآن الكريم أن المخلوقات تسبح بحمد الله، وإن كنا لا ندرك كيفية تسبيحها.
سما: حتى الجبال يا أبي؟
الأب: نعم، حتى الجبال.
لم تكن سما تعلم أن هذا السؤال الصغير سيكون بداية مغامرة لن تنساها طوال حياتها.
الطريق إلى سيناء
توقفت الحافلة أمام منزل نهى، صديقة سما منذ الصف الأول الابتدائي، والتي كانت تنتظر الرحلة بفارغ الصبر.
صعدت نهى مع والدها، العم عبد الحميد، ورحبت بها سما بحرارة، ثم جلستا معًا تتحدثان عن الأماكن التي تحلمان بزيارتها.
وبعد مغادرة القاهرة، بدأت معالم الطريق تتغير، وظهرت المرتفعات الجبلية الممتدة على جانبيه.
نهى: انظري يا سما…..ما أجمل هذه الجبال……
سما: إنها رائعة، لكنني أتمنى أن نصل إلى البحر سريعًا.
التفتت سما إلى والدها وسألته : لماذا توجد كل هذه الجبال في سيناء؟
الأب: لأن جنوب سيناء منطقة جبلية تشتهر بتكويناتها الصخرية القديمة، وفيها بعض أعلى القمم في مصر، ومنها جبل سانت كاترين وجبل موسى.
نهى: وهل جبل موسى هو نفسه جبل الطور؟
الأب: يُعرف جبل موسى في منطقة سانت كاترين تقليديًا بأنه الجبل المرتبط بقصة النبي موسى عليه السلام، لكن تحديد موقع جبل التجلي المذكور في القرآن تحديدًا قاطعًا ليس أمرًا متفقًا عليه.
سما: إذن نحن ذاهبون إلى مكان له تاريخ عظيم…..
الأب: نعم، وسنرى كذلك جمال الطبيعة التي وهبها الله لهذه الأرض.
وبعد رحلة طويلة تخللتها استراحة قصيرة، وصلت الحافلة إلى إحدى المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر.
كانت الشمس تنعكس على المياه، فتجعلها تتلألأ كحبات اللؤلؤ، بينما امتدت الجبال في الأفق وكأنها حراس عمالقة يحمون المكان.
صرخت سما ونهى في فرح:: أخيرا وصلنا…….
من البحر إلى الجبل
قضت الصديقتان وقتًا ممتعًا على الشاطئ برفقة والديهما ، ثم استكملت المجموعة رحلتها إلى منطقة سانت كاترين لزيارة جبل موسى.
وقفت سما أمام الجبل تتأمل ارتفاعه، ثم سألت والدها : أبي، هل صحيح أن الله كلم سيدنا موسى عليه السلام؟
الأب: نعم يا سما، وقد ورد ذلك في القرآن الكريم. ويخبرنا القرآن أيضًا عن طلب موسى عليه السلام رؤية ربه، وعن التجلي للجبل.
العم عبد الحميد: قال تعالى: «فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا».
نهى: وماذا تعني كلمة «دكًّا»؟
العم عبد الحميد: أي جعله منهدمًا متفتتًا، وفي ذلك بيان لعظمة الله وقدرته.
سما: سبحان الله العظيم……
بدأ الجميع السير في أحد المسارات المناسبة للزيارة، برفقة دليل يعرف المنطقة، وتوقفت سما قليلًا تتأمل الصخور والقمم المحيطة بها.
وفجأة حدث شيء غريب…..!!
عندما تكلم الجبل
سمعت سما صوتًا عميقًا يناديها:
الصوت: مرحبًا يا سما... مرحبًا!
التفتت حولها في دهشة، فلم تجد أحدا……
سما: من يناديني؟
الصوت: أنا... الجبل الذي تقفين أمامه……
تراجعت سما خطوة إلى الخلف، ونادت صديقتها: نهى….. نهى… هل تسمعين هذا الصوت؟
لكن نهى لم تلتفت إليها.
شعرت سما وكأن حاجزًا شفافًا يفصلها عن العالم، رغم أنها كانت ترى صديقتها ووالدها على مقربة منها.
سما: هل أنت حقًا تتكلم أيها الجبل؟
الجبل: ولماذا تتعجبين يا سما؟ ألم يخبرك والدك أن الجبال تسبح بحمد الله؟
سما: نعم، لكنني لم أتخيل يوما أنني سأسمع جبلًا يتحدث إلي…
الجبل: إن عالمكم مليء بالأشياء التي لا تعرفون أسرارها، وكلما تعلم الإنسان اكتشف كم لا يزال أمامه من علم.
سما: وهل تعرف شيئًا عن البشر؟
الجبل: أعرف أن الله كرم الإنسان بالعقل، ومنحه القدرة على التعلم والاختيار، وحمله مسؤولية عظيمة.
سما: أي مسؤولية؟
الجبل: إنها الأمانة يا سما.
سما: وما الأمانة؟
الجبل: ألم تقرئي قول الله تعالى:
«إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا».
سما: سمعت هذه الآية من قبل، لكنني لا أفهم معناها جيدًا.
الجبل: لقد فسر العلماء الأمانة بأنها تشمل طاعة الله وأداء الفرائض والالتزام بما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. وهي مسؤولية عظيمة تحتاج إلى صدق وإخلاص.
سما: ولماذا أشفقت الجبال من حملها؟
الجبل: لعظم شأنها وثقل مسؤوليتها، كما بين المفسرون. فالإنسان مطالب بأن يحسن الاختيار، وأن يتحمل نتائج أعماله.
فكرت سما قليلًا ثم قالت: إذن الإنسان ليس مكرمًا بعقله فقط، بل عليه أن يستخدم هذا العقل في الخير…..
الجبل: أحسنت يا سما.
سر القوة الحقيقية
نظرت سما إلى الصخور الضخمة وسألت:: أيها الجبل، أنت قوي وعظيم، فهل تتمنى أن تكون إنسانا؟
الجبل: لكل مخلوق طبيعته التي خلقه الله عليها. وأنا أقف هنا منذ أزمنة طويلة، أشهد تغير الفصول، وهبوب الرياح، وسقوط الأمطار.
سما: وهل تتغير الجبال أيضًا؟
الجبل: بالطبع….فالجبال ليست ثابتة كما تظنون. تؤثر فيها الرياح والمياه وتغيرات الحرارة عبر سنوات طويلة، فتتفتت بعض صخورها وتتغير معالمها تدريجيًا.
سما: يا للعجب! كنت أظن أن الجبال لا تتغير أبدا….
الجبل: لا شيء في الطبيعة يبقى على حاله تمامًا. وحتى الإنسان يتغير بما يتعلمه وما يمر به من تجارب.
سما: لكن الإنسان قد يخطئ أحيانًا.
الجبل: نعم، ولهذا يحتاج إلى التعلم ومراجعة نفسه وتصحيح أخطائه.
سما: وهل يستطيع الإنسان أن يكون قويًا مثلك؟
الجبل: ليست القوة في ضخامة الجسد وحدها يا سما. فقد يكون الإنسان صغيرًا، لكنه يملك قلبًا رحيمًا وعقلًا حكيمًا وإرادة صادقة.
سما: وكيف أستخدم قوتي في الخير؟
الجبل: عندما تقولين الصدق، وتساعدين المحتاج، وتحافظين على الأمانة، ولا تؤذين مخلوقات الله.
ثم أضاف الجبل : انظري حولك يا سما. هل ترين هذه الصخور والأشجار والطيور؟ إنها جميعًا جزء من عالم يحتاج إلى الرعاية والاحترام.
سما: وهل المحافظة على الطبيعة من مسؤولياتنا؟
الجبل: بالتأكيد. فعندما يحافظ الإنسان على نظافة المكان، ولا يهدر الماء، ولا يعبث بأعشاش الطيور، فإنه يحسن التعامل مع النعم التي أنعم الله بها عليه.
تذكرت سما اليمام الذي رأته في الصباح، وكيف كان يبحث عن طعامه بين الأشجار.
سما: الآن فهمت لماذا طلب مني أبي أن أتعلم من الطيور. فكل مخلوق يعلمنا شيئًا إذا تأملناه جيدًا.
الجبل: وما الذي تعلمته اليوم يا سما؟
سما: تعلمت أن القوة لا تعني أن أكون أكبر من الآخرين، وأن العلم يجعلني أكثر فهمًا للعالم، وأن علي أن أكون أمينة وصادقة ورحيمة.
ساد الصمت للحظات.
ثم سمعت سما صوتًا مألوفًا يناديها….
نهى: سما…. سما…. أين ذهبتِ بخيالك؟
اختفى صوت الجبل فجأة، وعادت أصوات الزائرين والرياح من حولها.
نظرت سما إلى نهى في دهشة.
نهى: ما بك؟ لقد كنت تنظرين إلى الجبل طويلًا وكأنك تتحدثين معه…..
ابتسمت سما وقالت : ربما كنت أحدثه... وربما كان هو الذي يحدثني….
ضحكت نهى : يبدو أن الجبال جعلتك تحلمين وأنت مستيقظة….
لكن سما لم تضحك هذه المرة، بل نظرت إلى القمة الشاهقة وقالت بهدوء : لقد تعلمت اليوم أشياء لن أنساها أبدا.
العودة إلى القاهرة
مع اقتراب نهاية الرحلة، استعد الجميع للعودة إلى القاهرة.
جلست سما بجوار نهى في الحافلة، وكانت تراقب الجبال وهي تبتعد شيئًا فشيئًا عن نافذتها.
نهى: ما أجمل هذه الرحلة….. لقد رأينا البحر والجبال وتعلمنا الكثير.
سما: نعم، لكنني تعلمت شيئًا أهم.
نهى: وما هو؟
سما: أن العالم من حولنا ليس مجرد أشياء نراها، بل آيات تدعونا إلى التفكير والتأمل، وأن الإنسان مسؤول عن أفعاله وعن النعم التي وهبها الله له.
ابتسم والدها عندما سمع حديثها وقال: يبدو أن رحلتنا إلى سيناء كانت مفيدة حقًا!
سما: جدًا يا أبي، وأتمنى أن نعود مرة أخرى، ولكن مع أمي هذه المرة.
ضحك الجميع، وعادت سما إلى منزلها تحمل ذكريات جميلة وأسئلة جديدة.
وقبل أن تنام، فتحت نافذتها ونظرت إلى السماء، ثم همست : شكرًا أيها الجبل... لقد علمتني أن أفكر قبل أن أتصرف، وأن أكون جديرة بالأمانة التي أحملها.
وأغمضت عينيها وهي تتذكر صوته العميق.
لم تكن تعرف هل تحدث الجبل إليها حقًا، أم أنها عاشت لحظات من الخيال والتأمل.
لكنها كانت متأكدة من شيء واحد: أن أعظم رحلة ليست تلك التي نقطع فيها المسافات، بل تلك التي نعود منها بعقل أكثر علمًا، وقلب أكثر رحمة.
تابع جديد عزة عبد القادر
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق