في هذا المقال
ساعه الصفر التي لم تاتي

في تمام الساعة 11:59، اختفت ثانية واحدة من العالم… لكن آدم كان الوحيد الذي تذكّر أنها كانت موجودة.

في الليلة التالية، اختفت ثانية أخرى. وفي الثالثة، ظهرت رسالة على شاشة الساعة: عندما تختفي الثانية الأخيرة، لن يأتي الغد.
كان آدم يعمل في مختبر صغير فوق مبنى قديم، يراقب ساعة ذرية لا تتأخر عن الزمن ولا تتقدم عنه. لم يصدقه أحد عندما أخبرهم بما يحدث، حتى ظهرت على الشاشة خريطة لمدينة تحت الأرض، وفي منتصفها دائرة حمراء تتحرك كل دقيقة.

كانت ليان، زميلته في المختبر، أول من رأت الرسالة. قالت بهدوء: «ربما خطأ في النظام». ابتسم آدم وقال: «الخطأ لا يكتب جملة كاملة». ثم انطفأت الأنوار، وعندما عاد التيار ظهرت معادلات غريبة على الشاشة.
قررا الذهاب إلى المكان المرسوم. تحت محطة قطار مهجورة، وجدا بابًا معدنيًا لا يحمل قفلًا. عندما لمست ليان سطحه، انفتح كأنه كان ينتظرهما. خلف الباب كان ممر طويل، وعلى جدرانه معادلات فيزيائية وكيميائية مكتوبة بالطباشير.
قال آدم: «هذه معادلات عن الزمن والطاقة». ردت ليان: «والأغرب أن بعضها يشرح تفاعلات كيميائية لم تُستخدم في أي كتاب».

في نهاية الممر وجدا غرفة دائرية، وفي وسطها جهاز ضخم يشبه الساعة، لكنه لا يحتوي على عقارب. كان يحيط به مجال ضوئي يتحرك ببطء. وعلى الأرض ملف قديم يحمل اسم العالم نادر السالمي، الذي اختفى قبل عشرين عامًا.

فتح آدم الملف، فوجد تفسيرًا مذهلًا. نادر كان يدرس فكرة أن الزمن ليس نهرًا يسير في اتجاه واحد كما نشعر به، بل ترتيب للأحداث تحدده قوانين الفيزياء. وكان قد اكتشف أن بعض التفاعلات الكيميائية، إذا تمت في ظروف دقيقة، يمكنها تخزين كمية هائلة من الطاقة.

لم يكن الجهاز يصنع الزمن، بل يغيّر الطريقة التي تمر بها الأحداث داخل منطقة صغيرة.
فجأة ظهر نادر أمامهما على شاشة قديمة. قال: «إذا رأيتما هذه الرسالة، فقد نجح الجهاز في العمل. لكن هناك مشكلة. شخص ما يحاول استخدامه لتجميد مدينة كاملة داخل لحظة واحدة».

سمعا صوتًا خلف الباب. كان رجلًا اسمه قاسم، أحد مساعدي نادر السابقين. دخل ومعه جهاز تحكم وقال: «العالم يخسر بسبب الزمن. سأوقفه».
رفع قاسم يده نحو الجهاز، فبدأت الغرفة تهتز. شعرت ليان أن صوتها أصبح بطيئًا، بينما تحرك آدم بصعوبة. تذكر درسًا قديمًا: الطاقة لا تختفي، بل تتحول من صورة إلى أخرى. فهم أن الجهاز يحتاج إلى مصدر طاقة مستقر، وأن تعطيل التفاعل الكيميائي المحيط به قد يوقفه.
ركض آدم نحو لوحة التحكم، بينما حاولت ليان قراءة المعادلات. اكتشفت أن التفاعل يعتمد على مادة حساسة للحرارة. رفعت درجة الحرارة قليلًا باستخدام نظام المختبر، فتغير لون المحلول داخل أنبوب زجاجي، وبدأ الضوء المحيط بالجهاز يتراجع.
صرخ قاسم: «ماذا فعلتما؟»
قالت ليان: «أوقفناك قبل أن توقف الزمن».

انطفأ الجهاز، وسقطت الساعة الذرية على الأرض. مرت ثانية كاملة، ثم ثانية أخرى. عاد العالم يتحرك بصورة طبيعية.
لكن آدم لاحظ شيئًا غريبًا. على شاشة الجهاز ظهرت جملة جديدة: «التجربة الأولى انتهت».
نظر إلى ليان، فقالت: «يعني أن هناك تجربة ثانية؟»
ابتسم آدم رغم خوفه، وقال: «ربما. لكن هذه المرة لن ننتظر حتى يصل الغد إلينا».
خرج الاثنان من المحطة مع بداية الفجر. كانت المدينة كما هي، والسيارات تتحرك، والناس يمشون، والشمس تصعد ببطء.
ومع ذلك، احتفظ آدم بالملف داخل حقيبته. فقد أدرك أن أخطر شيء في الزمن ليس أن يتوقف، بل أن نعتقد أننا نملك حق التحكم فيه.
أما ليان، فكانت تنظر إلى السماء وتفكر في معنى الحب. ربما يشبه الزمن؛ لا يمكن الإمساك به، ولا يمكن إعادته، لكن لحظة واحدة صادقة قد تجعل سنوات كاملة تبدو قصيرة.
وقبل أن يفترقا، قالت له: «لو عاد بك الزمن، ماذا ستغير؟»
أجاب: «ولا شيء. لأن كل ثانية أوصلتني إلى هذه اللحظة».
ثم مشيا معًا، بينما بقيت خلفهما محطة القطار صامتة. وفي أعماقها، أضاءت ساعة بلا عقارب، وظهر رقم واحد فقط على شاشتها:
الصفر.
وبينما كان آدم وليان في طريقهما للخروج، توقف آدم فجأة.
قالت ليان: «في إيه؟»
أشار إلى ساعته، ثم قال بصوت منخفض: «اسمعي».
نظرت إلى الشاشة. كانت الساعة تتحرك بصورة طبيعية، لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا.

الثواني لم تعد تختفي من الساعة.
بل بدأت تظهر.
ثانية... ثم ثانية أخرى... ثم عشر ثوانٍ متتالية، وكأن الزمن يعيد ما سرقه.
ابتسمت ليان وقالت: «يبقى الجهاز اتوقف فعلًا».
هز آدم رأسه وقال: «لا... الجهاز لم يتوقف».
فتح الملف القديم بسرعة، وقلب صفحاته حتى وصل إلى ملاحظة كتبها نادر بخط يده:
«إذا توقفت الثواني عن الاختفاء، فهذا يعني أن الجهاز انتقل إلى المرحلة الثانية.»

تغيرت ملامح آدم.
قالت ليان: «المرحلة الثانية؟»
وقبل أن يجيب، اهتز هاتفها فجأة.
وصلت رسالة مجهولة المصدر.
كانت تحتوي على صورة للمدينة من الأعلى، وتحتها توقيت واحد:
00:00:00
ثم ظهرت رسالة قصيرة:
«لقد بدأ العد التنازلي من جديد.»
نظر آدم إلى ليان، وقال: «المشكلة لم تكن أن الزمن كان يختفي...»
سألته: «كانت إيه؟»
أجاب وهو يغلق الملف: «كان يتم تخزينه.»

وفي اللحظة نفسها، أضاءت ساعة الجهاز الموجودة خلفهما، رغم أنها كانت مطفأة.
لم تظهر عليها أرقام.
ظهر عليها شيء واحد فقط:
«التجربة الثانية بدأت.»
أمسكت ليان بيد آدم وقالت: «إحنا هنرجع؟»
نظر إليها وقال: «المرة اللي فاتت كنا بنحاول نوقف الجهاز... المرة دي لازم نعرف مين اللي شغّله.»
ثم عادا نحو المختبر، بينما كانت المدينة فوقهما تستعد لليلة جديدة.
لكن في مكان مجهول تحت الأرض، بدأ شخص آخر تشغيل جهاز ثانٍ.

وعلى شاشته ظهرت خريطة المدينة، ثم دائرة حمراء تتحرك ببطء.
هذه المرة، لم تكن الدائرة تشير إلى الجهاز.

كانت تشير إلى آدم.
تابع جديد 𝕬𝕿𝕳𝕬𝕽
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق