في هذا المقال
رواية الدرج المقفول : فيصل عند الباب
وقف الثلاثة في المجلس يسمعون خطوات فيصل تقترب من الباب، خطوات سريعة غاضبة لا تشبه مشيته الهادئة المعتادة.
فتح الباب بيده قبل أن يطرق، ودخل مباشرة دون أن يخلع نعليه عند المدخل كما اعتاد دائمًا. كان وجهه محمرًا، وعيناه تتنقلان بين أمه وأخيه، ثم تجمّدتا على ماجد.
وقف في منتصف المجلس بلا حراك، وساد صمت ثقيل لم يكسره أحد.
قال فيصل أخيرًا، بصوت يخرج محشرجًا من حلقه: «إذن صحيح.»
لم يتحرك ماجد من مكانه، لكنه وقف باحترام وقال: «السلام عليكم يا فيصل.»
لم يرد فيصل السلام. نظر إلى أمه وقال: «ليش ما اتصلتي فيّ؟ ليش ما قلتي لي إنه جاي؟»
ردّت لطيفة بصوت متعب: «ما كنت أدري إنه جاي يا وليدي، صار كل شي بسرعة.»
التفت فيصل نحو طلال، وفي عينيه خليط من الغضب والخوف، شيء لم يره طلال في وجه أخيه من قبل. قال: «وأنت، وش قريت؟»
أدرك طلال فجأة أن فيصل يعرف بالضبط عن أي رسالة يتكلم. رفع الورقة في يده وقال: «قريت لين "فيصل يعرف". وبعدها توقفت الورقة.»
أغمض فيصل عينيه لحظة، كأن ثقلًا نزل عن كتفيه وثقلًا آخر حلّ محله في نفس الوقت. مشى إلى الكنبة وجلس عليها بثقل، ووضع وجهه بين يديه.
قال طلال: «يا فيصل، كلمني. وش الشرط اللي أخذته من أبوي؟»
لم يرفع فيصل رأسه. قال بصوت مكتوم: «ما تبي تعرف.»
«أبوي كاتب في رسالته إني لازم أعرف.»
رفع فيصل رأسه أخيرًا، ونظر إلى طلال نظرة فيها شيء أقرب إلى الأسى منه إلى الغضب. قال: «طيب. بما إن أبوي قرر يفتح الصندوق، أنا ما بقدر أسكّره.»
وقف، ومشى نحو النافذة، وأدار ظهره للجميع وهو يتكلم، كمن لا يقدر أن يقول ما سيقوله ووجوههم أمامه.
«سنة ٢٠٠٩، كنت أرتب أوراق الشركة لأبوي، لأنه كان مسافر. ولقيت ملف باسم غريب، فتحته من الفضول. كانت فيه عقود ملكية بيت، وصور، وفواتير مدرسة لولد اسمه ماجد.»
توقف، وابتلع ريقه.
«جنيت يومها. جنيت فعلًا. كنت أحس إن العالم كله كذب. جيت أبوي لما رجع من السفرة وواجهته بكل شي، وصرخت فيه، وقلت له أشياء ما كان المفروض ولد يقولها لأبوه.»
التفت نحوهم أخيرًا، ووجهه شاحب.
«وبعدها هددته. قلت له: إما تخبر أمي وطلال ونورة بنفسك، أو أنا اللي بقول لهم.»
شهقت لطيفة بصوت خفيف. نظر إليها فيصل بأسى وقال: «ما قدرت أسوي هذا بك يا يمّه، سامحيني. أبوي توسل لي. قال: أعطني فرصة أصلح الوضع بطريقتي، وأعدك إني ما بكرر هالغلط، وإني بقطع كل علاقة فيهم.»
«وأنت صدقته؟» سأل طلال بصوت متوتر.
«ما كان عندي خيار ثاني غير أصدقه أو أدمر بيتنا بيدي.» قال فيصل بحدة مفاجئة. «كان عمري وقتها خمس وعشرين سنة يا طلال! قاعد قدام أبوي يبكي ويتوسل، ويقول: خلّني أصلح، خلّني أحمي أمك وإخوانك من هالصدمة. وش كان المفروض أسوي؟»
«تقول الحقيقة،» قال طلال بهدوء جارح. «زي ما أنا قاعد أسمعها الحين، بعد سبعة عشر سنة.»
ارتجف صوت فيصل: «قلت لك، أخذت مني وعد.»
«وعد وش بالضبط؟»
جلس فيصل من جديد، وكأن قوته خارت فجأة. قال: «وعدته إني ما أقول لكم، إلى أن يموت هو، أو إلى أن يقرر هو يقول. وأبوي وعدني في المقابل إنه يوقف السفرات الطويلة، ويقلل زياراته لهم، ويخلي ماجد يكبر بعيد عنا بدون ما يتعب أحد.»
نظر إلى ماجد وقال بصوت أقرب للاعتذار: «وأنا آسف يا ماجد. والله ما كان قراري سهل، وما كان فيه طرف يطلع رابح.»
لم يرد ماجد، لكنه هزّ رأسه بصمت يحمل تفهمًا أكثر مما يحمل مرارة.
جلس طلال على حافة الكرسي، يحاول أن يستوعب أن أخاه الأكبر، الرجل الذي علّمه القيادة وساعده في أول وظيفة ووقف بجانبه في كل أزمة، كان يحمل هذا السر وحده لسبع عشرة سنة.
قال بصوت منخفض: «سبعتاشر سنة يا فيصل. سبعتاشر سنة وأنت تجلس معايا على نفس السفرة وتعرف.»
«وش كان بيتغير لو قلت لك وأنت في العشرين؟» ردّ فيصل بانفعال. «كنت بتدمر صورتك عن أبوك، وبتدمر بيت أمك. أنا حميت هالبيت يا طلال، بطريقتي.»
«حميته على حساب الكذب عليّ.»
«حميته على حساب إني أحمل الكذبة لحالي! وأنت ما تدري وش كان حجم هالشي اللي أحمله كل يوم وأنا جالس أضحك معاك وأتغدى مع يمّي، وفي قلبي حجر ما أقدر أحكي عنه لحد.»
ارتفع صوت الاثنين حتى تدخلت لطيفة أخيرًا، بصوت ضعيف لكنه قاطع:
«بس.»
توقف الاثنان.
نظرت إلى ابنيها بعينين متعبتين وقالت: «كفاية يا ولدي. كفاية تلاوم بعض على شي ما سويتوه أنتوا. أبوكم هو اللي قسم هالبيت، مو انتوا.»
ثم التفتت نحو فيصل وقالت بنبرة أكثر هدوءًا: «وأنت، كان المفروض تجي لي يوم اكتشفت، مو تحمل وحدك.»
أطرق فيصل رأسه. «خفت عليك يا يمّه. خفت الخبر يكسرك.»
«الخبر مو اللي بيكسرني يا فيصل. اللي يكسرني إن ولدي عاش سبعتاشر سنة خايف يحكي لي.»
ساد صمت طويل، كسره طلال أخيرًا بسؤال كان يدور في رأسه منذ دخل ماجد البيت:
«طيب، وليش أبوي غيّر رأيه الحين؟ ليش قرر يفتح كل شي قبل موته، بعد كل هالسنين اللي التزم فيها بالوعد؟»
نظر الجميع إلى ماجد، فهو الوحيد الذي بقي صامتًا طوال الجزء الأخير من النقاش.
قال ماجد بهدوء: «لأن أنا رفضت أسكت أكثر من كذا.»
التفتوا إليه.
«قبل سنتين، لما توفت أمي، صرت لحالي تمامًا. ما عندي إخوان، ولا عندي عائلة غير أبوي، وهو يزورني مرة ولا مرتين في السنة ويختفي. قلت له يومها: يا أبوي، أنا تعبت أعيش ظل. إما تعترف بيّ قدام الدنيا، أو خلّني أمشي بعيد وأعيش حياتي بدون لا أنتظر زيارتك السنوية.»
توقف، وعيناه تلمعان.
«قال لي: أعطني سنة بس. سنة أرتب فيها نفسي وأرتب فيها الموضوع مع عيالي. وبعد شهرين تقريبًا تشخّص بالمرض، وصار يسابق الوقت بدل ما يرتب كل شي بهدوء.»
نظر إلى طلال مباشرة وقال: «آخر كلمة قالها لي وهو على فراش المرض: ماجد، بعد ما أموت، انتظر ستين يوم، وسلّم طلال الظرف بيدك. خلّه يسمع منك قبل لا يسمع من حد ثاني. أنا ما عندي حق أطلب منك هالشي، بس أنت أحسن واحد يقدر يوصّل الحق صح.»
جلس الجميع في صمت ثقيل، كل واحد يعيد ترتيب الصورة في رأسه: أب خائف طوال حياته، وأم تحملت بصمت، وابن أكبر حمل سرًا أثقل من عمره، وابن غريب كبر على أمل زيارة سنوية، وطلال الذي اكتشف في ليلة واحدة أن العائلة التي ظنها كاملة كانت مبنية على سر مؤجل.
كسر طلال الصمت بسؤال أخير، موجّهًا إياه لنفسه أكثر مما لماجد:
«طيب، وش الحين؟ يعني وش المفروض يصير بعد كل هذا؟»
نظر ماجد إليه مباشرة، وقال بصدق واضح: «ما جيت أطلب مكان في العائلة يا طلال. ولا جيت أطلب ميراث ولا اعتراف رسمي. جيت أسلّم أمانة وأمشي، زي ما قلت لك أول مرة.»
نهض من مكانه، وأمسك حقيبته، وقال: «شكرًا إنكم سمعتوني. وأنا آسف إن دخولي اليوم قلب بيتكم. بس ما كان عندي طريقة ثانية أوفي بوعدي.»
مشى نحو الباب، وقبل أن يخرج التفت وقال بصوت أهدأ: «رقمي عند أبوك من زمان، موجود في دفتره الجلدي، آخر صفحة. إذا يوم حسّيتوا تبون تتواصلوا، أنا موجود. وإذا ما حسّيتوا، أتفهم هذا كمان.»
فتح الباب وخرج، وأغلقه خلفه بهدوء.
بقي الثلاثة في المجلس، صامتين، وكل واحد منهم يحمل جزءًا مختلفًا من نفس الحقيقة.
كسرت لطيفة الصمت أخيرًا، بصوت هادئ غريب بعد كل هذا الانفعال:
«أبوكم كان يحبكم الثلاثة. بطريقته المعوجة، كان يحبكم.»
نظر طلال إلى أمه، ثم إلى فيصل الذي ما زال مطرقًا، وقال بصوت منهك: «ما أدري أحس بإيش الحين. غضبان، ولا حزين، ولا... ما أدري.»
قالت لطيفة: «ولا تحتاج تعرف الحين. خذ وقتك.»
وقف طلال، ومشى نحو النافذة التي وقف عندها فيصل قبل قليل، ونظر إلى الشارع الهادئ حيث كانت سيارة ماجد تبتعد ببطء تحت ضوء الشارع الأصفر.
في جيبه، اهتز هاتفه برسالة واحدة. فتحها، فوجد رقمًا غير محفوظ:
«أنا ماجد. ما أبيك تحس بإلزام تردّ. بس حبيت تعرف إني سعيد إني شفتك أخيرًا، حتى لو كانت الظروف صعبة. أخوك، ماجد.»
وقف طلال طويلًا يحدّق في الرسالة، ولم يعرف بعد ماذا سيكتب ردًا، ولا متى سيكتبه.
تابع جديد محمد قنبس
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق