أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

يامامنه للرجال يامامنه للميه فى الغربال

في حارة "العطفة" القديمة، كانت الحاجة "سكينة" تجلس كل مساء أمام بيتها، تجرع شاي بالنعناع وترقب أحوال الجيران.

يامامنه للرجال يامامنه للميه فى الغربال
image about يامامنه للرجال يامامنه للميه فى الغربال

يا مأمنة للرجال.. يا مأمنة للمية في الغربال!

​في حارة "العطفة" القديمة، كانت الحاجة "سكينة" تجلس كل مساء أمام بيتها، تجرع شاي بالنعناع وترقب أحوال الجيران. وكانت جملتها الشهيرة التي تطلقها كلما سمعت بزيوت الشائعات أو مشاكل الزواج: "يا مأمنة للرجال.. يا مأمنة للمية في الغربال!". لم تكن هذه الجملة مجرد مثل تقوله، بل كانت حكمة ورثتها عن تجارب وسنوات طويلة من مراقبة الناس والتغيرات.

​هدوء في بيت سعاد ورحلة البحث عن مشروع العمر

​كانت "سعاد" فتاة طيبة النية، تجد في زوجها "منصور" كل شيء جميل. كان منصور يغرقها بكلمات الغزل والوعود البراقة، ويتحدث دائماً عن طموحاته الكبيرة في التجارة والتوسع. وفي يوم من الأيام، دخل منصور البيت ووجيهه يطفح بالبشر، يحمل ملفات وأوراقاً يدعي أنها عقد لصفقة استيراد وتصدير ستنقل حياتهما إلى رغد لا مثيل له.

​طلب منصور من سعاد أن تعطيه مصاغها الذهبي وتتدمج مع حسابها البنكي الصغير لتكون شريكة في هذا "مشروع العمر". ورغم أن العقل كان يهمس لها بالتمهل، إلا أن عاطفتها كانت أقوى، وكلمات الزوج المعسولة أذابت كل الشكوك في قلبها.

​نصيحة الحاجة سكينة وصوت العقل المفقود

​عندما علمت الحاجة سكينة بما تنوي سعاد فعله، أسرعت إليها وتحادثت معها بلسان الأم الحريصة. قالت لها: "يا بنيتي، المال حلالكِ ورزق أباكِ، والرجال في الوعود شياطين وفي الفعل قد يتبخرون. لا تضعي بيضكِ كله في سلة واحدة، واحتفظي بما يحميكِ غداً".

​لكن سعاد ابتسمت بثقة وقالت: "منصور ليس مثل بقية الرجال يا خالة، إنه يحبني ولا يمكن أن يخذلني أبداً". ضحكت الحاجة سكينة بأسى وهزت رأسها وقالت جملتها المعتادة: "يا مأمنة للرجال.. يا مأمنة للمية في الغربال!"، متمنية من قلبها أن تكون ظنونها خاطئة هذه المرة.

​تحول الأحوال وتبخر الوعود

​مرت الأشهر، وأعطت سعاد كل ما تملك لمنصور. في البداية، كانت الأمور تسير بشكل ممتاز، وكان منصور يتظاهر بالانشغال الدائم في إدارة الشركة والصفقات. لكن مع مرور الوقت، بدأت المعاملة تتغير؛ قلّ الكلام، وغابت الابتسامة، وأصبح يتعلل بأعذار واهية كلما سألته سعاد عن أرباح المشروع أو أوراق الشراكة.

​وفجأة، وفي يوم خريفي كئيب، عادت سعاد إلى بيتها لتجد خزانة ملابس منصور فارغة، وهاتفه مغلقاً. أسرعت إلى البنك لتكتشف أن الحساب مشترَك وقد سُحبت منه كل الأموال، والأوراق التي وقعت عليها لم تكن عقد شراكة بل تنازلاً عن حقوقها!

​الصدمة ومواجهة الحقيقة المرة

​سقطت سعاد على الأرض والدموع تتجرف من عينيها، لم تكن الصدمة بسبب خسارة المال والذهب فحسب، بل كانت الصدمة الكبرى في الغدر والخيانة من الشخص الذي ائتمنته على حياتها وقلبها. تحول الرجل الذي كان يغمرها بالوعود إلى سراب تبخر عند أول اختبار للضمير والوفاء.

​اجتمع جيران الحارة حول بيتها يحاولون التخفيف عنها وإعانة روحها المنكسرة. خرجت الحاجة سكينة وأمسكت بيدي سعاد المسكينة، ومسحت دموعها برفق قائلة: "المال يذهب ويأتي يا بنيتي، لكن الدرس هو ما يبقى. لا تجعلي هذه الصدمة تكسركِ، بل اجعليها البداية لتكوني أقوى وأكثر حذراً".

​العبرة والاستعادة: درس لا يُنسى

​لم تستسلم سعاد؛ بل جمعت بقايا قوتها وبدأت بالبحث عن عمل جديد لتستعيد استقلاليتها وحياتها. لم تعد تلك الفتاة الساذجة التي تصدق كل ما يُقال لها، بل أصبحت امرأة حازمة تعتمد على نفسها وتزن الأمور بعقلها قبل قلبها.

​وصارت كلما مرت على مجلس الحاجة سكينة في الحارة، تبتسم ابتسامة حكيمة وتكرر معها أصل المثل الذي تعلمته بأقسى الطرق: أن الثقة بلا حدود أو ضمانات كمن يحاول جمع الماء بغربال، لا يتبقى منه في النهاية سوى السراب.

تابع جديد مصطفى ابراهيم

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق