في هذا المقال
كنت فاكر إني أذكى رجل في الدنيا، وإني قدرت أهرب من جحيم المصاريف والمسؤولية.. مكنتش أعرف إن اللحظة اللي اعتبرتها "نجاة ليا" كانت هي بداية الكابوس الحقيقي، وإني هندم ندم عمري على إنسانة بعتها وهي في أشد حاجة ليا.
أنا وسحر مراتي عشنا مع بعض أحلى سنين حياتنا. كنا بنحب بعض بصدق، لحد ما اليوم الأسود جه والدكتور نطق الكلمة اللي هدت حيلي: "المرض الخبيث" (الكانسر).
في الأول، كنت قاعد جنبها وقلبي بيتقطع عليها. كانت بتدوب قدام عيني كل يوم؛ الكيماوي هدها، وشعرها اللي كنت بموت فيه وقع وبقت قرعة تماماً، ونفسيتها بقت في الأرض. بس مع الأيام والضغط والشغل ومرضها اللي طول أوي، الشيطان دخل بيننا. بقيت حاسس بنقص، إني شاب ومحروم، وفكرت في نفسي وبس. قعدت مع سحر وقلت لها بكل انانية: "أنا عايز أتجوز تاني".
ساعتها، رغم إنها كانت زعلت واتحسرت، ابتسمت لي بدموع وقالت: "مبروك يا مصطفى، كأنها أمي مش مراتي". اتجوزت التانية وأنا بقول لنفسي إن سحر كلها شهور وتستريح من العذاب ده، خصوصاً إنها سقطت زمان ومكنش فيه أمل تخلف تاني. خلفت ولد من مراتي الجديدة وبقيت غارق في بيتي الجديد، ونسيت سحر تماماً.. مكنش بيربطني بيها غير مكالمة كل فين وفين، أو لما البواب كان يقولي: "يا باشا ابقى طل على الست سحر.. دي بتصرخ من الألم لوحدها!"، فكنت بروح أقول لها بكل قسوة: "ما تروحي لأمك تقعد معاكي!" وهي ترفض عشان متتعشمش فيها وتزعلها.
المصاريف كانت بتزيد، ومراتي الجديدة مش بتسكت من الخناق بسبب الفلوس اللي بتدفع لعلاج سحر. وفي وسط الهم ده، قعدت مع سحر يوم في شقتها، وبصتلي بعيون مليانة دمعة حارقة وقالت بحنان يقطع القلب: "أنا حاسة بيك يا مصطفى.. طلقني، عشان إحنا الاتنين نرتـاح". لمست إيدها الناشفة الضعيفة، وبدل ما أرفض، أنانيتي غلبتني ومضيت على الورق وأنا بقول جوه نفسي: أخيراً ارتحت.. خلصت من الهم والمصاريف!
بعد الطلاق بشهرين، سحر باعت العفش وسابت الشقة وسافرت مع أهلها لمحافظة تانية. ومرت الأيام لحد ما جه اليوم اللي غير حياتي.. كنت مودّي ابني ياسين حضانة جديدة، وبصدفة غريبة سمعت صوت ضحكة دافية من جوه الفصل.. صوت مألوف جداً. لفيت وشي وبصيت، وفي اللحظة دي حسيت الأرض بتتهز من تحتي!
سحر؟! مستحيل.. دي كانت بتموت! بس اللي واقفة قدامي دي كانت إنسانة ثانية خالص. شعرها ناعم وطويل، وشها منور بصحة وحيوية، لابسة فستان بسيط ومرتب، وبتلعب مع الأطفال بكل حب وطاقة إيجابية. الإيد اللي كانت بتهتز وهي بتاخد الدواء، بقت بتطبطب على الأطفال بحنان وتديهم الأمل!
قربت منها وأنا مش مصدق عيني، وبصعوبة طلعت الكلمات: "إنتي.. إنتي سحر بجد؟!" ضحكت بهدوء وقالت: "أيوه يا مصطفى.. الحمد لله ربنا كرممني بالعلاج الطويل، وكتب لي عمر جديد، وبقيت كويسة وبشتغل هنا عشان أملى وقتي وأساعد الأطفال".
السؤال وجعني أكتر من أي لوم، خصوصاً لما سألتني بكل براءة عن مراتي وابني، كأنها بتتمنى لي كل خير. رجعت البيت ومش قادر أنسى ضحكتها.. مراتي الجديدة لاحظت شرودي وقعدت تزعق وتتحكم، فقررت من جوايا إني لازم أصلح غلطتي وأرجع لسحر.
تاني يوم، رحت الحضانة ومعايا علبة قطيفة فيها خاتم ذهب صغير، كنت ناوي أقول لها: "أنا ندمت.. تعالي نبدأ من جديد". دخلت الحضانة وسألت عليها، فقالولي إنها في الملعب الخلفي مع دكتور زاير. قربت من الملعب، وهنا كانت الصدمة الكبرى اللي قصمت دراعي.. شفت سحر واقفة مع شاب طويل، أنيق، راكب عربية فخمة، وبيتكلموا مع بعض وبيردوا بضحكة كلها سعادة واطمئنان. قربت منهم، فابتسمت وقالت: "أهلاً يا مصطفى.. أعرفك، ده الدكتور عمر.. خطيبي!"
خطيبها؟!! حسيت كأن حد ضربني على رأسي بشاكوش. دكتور، محترم، بيقدرها، وشارعها بكل حب وبيقدم لها الحياة اللي تستحقها. سألتها بصوت مقطوع: "إنتي مبسوطة معاه؟" بصتلي وقالت بابتسامة هادية: "الحمد لله يا مصطفى.. عمر إنسان طيب وبيشجعني أكمل حياتي. وأنا تعلمت إن الحياة مهما وجعتنا، لازم ندي لنفسنا فرصة نعيش من جديد".
مشت مع خطيبها وركبت العربية، وأنا فضلت واقف مكاني في الشارع، ممسك بعلبة الخاتم في إيدي، والدموع بتنزل من عيني من غير إرادة. فتحت علبة الخاتم وبصيت له بحسرة عمري.. فهمت متأخر جداً إن أصعب عقاب للإنسان مش إنه يخسر حد بيحبه وبس.. الأصعب إنه يشوفه سعيد مع غيره، ويعرف إنه هو بنفسه كان السبب في إنه يخسره للأبد!
رجعت بيتي الخانق لوحدي.. مراتي سابته راحت لأهلها، وابني في الحضانة، والفلوس اللي كنت بجري وراها مهزتش ورقة مني.. وكل اللي كسبته كان جزاء أنانيتي. الزمن ما بيرجعش، والندم مش دايماً بيصلح اللي اتكسر.. وسحر، التي تركتها وهي تصارع الموت، أصبحت حكاية جميلة لغيري، وبقيت أنا وحدي أسير ذكريات إنسانة فرطت فيها بيدي.

تابع جديد Maria Mossad
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق