في هذا المقال
الفصل الأول: آخر نداء
القاهرة — 17 أكتوبر، الساعة 11:32 مساءً
كانت السماء تبدو كأنها تستعد لابتلاع المدينة.
تراكمت السحب السوداء فوق المطار، وراحت الرياح تضرب النوافذ الزجاجية بعنف، بينما كانت قطرات المطر تنزلق على الواجهات الطويلة، تاركة خلفها خطوطًا متعرجة تشبه آثار أصابع تحاول الدخول من الخارج.
في صالة المغادرة، وقف مئات المسافرين أمام شاشات الرحلات، بعضهم يتأفف من التأخير، وبعضهم يتحدث في الهواتف، وآخرون يودعون أحباءهم دون أن يعرفوا أن بعض الوداعات لا تتكرر.
على البوابة رقم سبعة، كان الركاب يستعدون للصعود إلى الرحلة 714 المتجهة من القاهرة إلى باريس.
مئة وستة وثمانون راكبًا.
رحلة عادية، على متن طائرة عادية، في ليلة لم يكن يفترض أن يتذكرها أحد.
لكن في غرفة مراقبة الحركة الجوية، كان رجل مسن يحدق في شاشة أمامه بقلق متزايد.
كان اسمه يوسف الراوي، وقد أمضى أكثر من ثلاثين عامًا في مراقبة الطائرات وهي تقلع وتهبط، حتى صار يعرف أصوات الطيارين كما يعرف أصوات أفراد أسرته.
ومع ذلك، لم يستطع تفسير الصوت الذي سمعه قبل دقائق.
خلع سماعة الرأس، ومسح أذنه بإصبعه، ثم أعاد ارتداءها.
«غريب...»
نظر إليه زميله سامح من خلف المكتب المجاور.
«فيه إيه يا يوسف؟»
لم يرد يوسف فورًا. راجع تسجيل الاتصال الأخير، ثم أعاده مرة أخرى.
خرج صوت مشوش من السماعة:
«...إذا كنت تسمعني، فلا تسمح لها بالهبوط.»
تجمدت أصابع يوسف فوق لوحة التحكم.
كان الصوت ضعيفًا، متقطعًا، لكنه واضح بما يكفي ليجعله يشعر بأن الهواء في الغرفة أصبح أثقل.
قال سامح ضاحكًا:
«إيه ده؟ فيلم رعب؟»
رفع يوسف رأسه.
«الصوت ده جاي منين؟»
«من أي طيارة؟»
«دي المشكلة. مفيش أي طيارة على التردد ده.»
أعاد يوسف التسجيل للمرة الثالثة.
هذه المرة، سمع شيئًا آخر خلف الصوت الرئيسي.
ثلاث نقرات.
ثم صوت امرأة تهمس:
«سبعتاشر... ستاشر... خمستاشر...»
انقطع التسجيل فجأة.
نهض يوسف من مقعده.
«هاتلي سجل الترددات خلال آخر عشر دقايق.»
بدأ سامح في البحث، بينما اتجه يوسف إلى النافذة المطلة على المدرج.
كانت الرحلة 714 تتحرك ببطء نحو نقطة الإقلاع.
أضواء الطائرة الحمراء والخضراء تشق المطر، حتى بدت كأنها سفينة تستعد للانطلاق في بحر مظلم.
لم يكن يوسف يعرف لماذا شعر فجأة برغبة في الاتصال بالطيار وتحذيره.
لكنه فعل.
«الرحلة 714، برج المراقبة ينادي. هل تسمعني؟»
جاءه صوت قائد الطائرة هادئًا:
«الرحلة 714، أسمعك بوضوح. تفضل.»
تنفس يوسف بارتياح.
«نحتاج إلى تأكيد حالة الاتصالات لديكم. هل واجهتم أي تداخل على التردد؟»
صمت الطيار لحظة.
«لا، كل شيء طبيعي.»
ثم أضاف بصوت أخفض:
«هل وصلكم أي اتصال غريب من طائرتنا؟»
تبادل يوسف النظرات مع سامح.
«ماذا تقصد؟»
«لا شيء. مجرد سؤال.»
انتهى الاتصال.
ظل يوسف يحدق في السماعة.
لم يكن السؤال طبيعيًا.
كان الطيار قد سأل عما إذا كان برج المراقبة قد تلقى اتصالًا غريبًا، قبل أن يخبره أحد بوجود أي اتصال.
في تلك اللحظة، ظهر اسم الرحلة على الشاشة مرة أخرى.
الرحلة 714.
الحالة: إقلاع.
رفع يوسف السماعة.
«الرحلة 714، يُسمح لكم بالإقلاع.»
تحركت الطائرة على المدرج، ثم ازدادت سرعتها حتى انفصلت عجلاتها عن الأرض.
تابعها يوسف بعينيه حتى ابتلعتها السحب.
ولم يكن يعرف أنه رأى الطائرة للمرة الأخيرة في تلك الليلة.

الساعة 11:47 مساءً
بعد الإقلاع بوقت قصير، كان الكابتن آدم شاهين يراجع بيانات الرحلة داخل قمرة القيادة.
إلى جواره جلس مساعده، كريم ناصر، الذي بدا منزعجًا من الاضطرابات الجوية.
قال كريم:
«الطقس أسوأ مما توقعت.»
أجابه آدم:
«هنعدّي السحب ونوصل لجو أهدأ.»
لكن آدم لم يكن هادئًا كما بدا.
منذ الإقلاع، كان هناك صوت خافت يتكرر في سماعات الاتصال الداخلية.
ثلاث نقرات.
ثم تشويش.
ثم صمت.
خلع آدم سماعته للحظة، ونظر إلى كريم.
«إنت سمعت حاجة؟»
«زي إيه؟»
«صوت غريب على التردد.»
هز كريم رأسه.
«التردد نظيف عندي.»
أعاد آدم السماعة إلى أذنه.
جاء الصوت مجددًا.
ثلاث نقرات.
ثم صوت امرأة:
«أنت تأخرت.»
انتفض آدم في مقعده.
«مين معايا؟»
لم يأته رد.
ضغط زر الاتصال ببرج المراقبة.
«برج المراقبة، الرحلة 714. هل تسمعوني؟»
جاءه صوت يوسف:
«أسمعك يا رحلة 714. ما المشكلة؟»
ابتلع آدم ريقه.
«هل هناك طائرة أخرى قريبة من موقعنا؟»
«لا توجد أي طائرة مسجلة في محيطكم.»
نظر آدم إلى شاشة الرادار الصغيرة داخل قمرة القيادة.
كانت هناك نقطة تتحرك بجوارهم.
نقطة لا تحمل رقم رحلة.
قال بصوت متوتر:
«أنا شايف طائرة على يميني.»
رد يوسف:
«لا توجد أي طائرة بجواركم، يا كابتن.»
اقترب آدم من النافذة.
وسط السحب، ظهر ضوء أبيض بعيد.
ثم ضوء أحمر.
ثم جسم ضخم يشبه طائرة ركاب، يطير بمحاذاتهم تمامًا.
تراجع آدم في مقعده.
كان يرى نوافذ مضاءة على امتداد جسم الطائرة الأخرى.
لكن الشيء الأكثر رعبًا لم يكن شكلها.
كان شعارها.
الشعار نفسه الموجود على طائرته.
والرقم المكتوب على ذيلها:
صرخ كريم:
«إيه ده؟!»
حاول آدم تغيير الاتجاه، لكن أجهزة الملاحة بدأت تعرض قراءات متضاربة.
ارتجت الطائرة بعنف.
انطفأت شاشة، ثم عادت للعمل.
وبعدها، جاء صوت من مكبرات المقصورة.
لم يكن صوت المضيفة.
ولم يكن صوتًا مسجلًا يعرفه الطاقم.
كان صوت آدم نفسه.
«لو بتسمع التسجيل ده، يبقى إحنا فشلنا.»
نظر كريم إليه في رعب.
«ده صوتك يا كابتن!»
لم يستطع آدم الرد.
استمر الصوت:
«ممنوع تفتح الباب. مهما سمعت، ممنوع تفتح الباب.»
ثم انقطع.
ساد الصمت داخل القمرة، باستثناء صوت أجهزة الإنذار.
رفع كريم عينيه نحو آدم.
«إحنا لازم نرجع.»
حاول آدم الاتصال ببرج المراقبة، لكن الإشارة كانت تتقطع.
«برج المراقبة، هل تسمعني؟»
جاء صوت يوسف مشوشًا:
«الرحلة 714... أبلغ عن موقعك...»
ثم سمعا صوتًا آخر، أضعف من الأول، لكنه واضح.
صوت امرأة تعد تنازليًا:
«عشرة... تسعة... ثمانية...»
قال كريم:
«مين دي؟»
لم يجب آدم.
كان ينظر إلى الساعة الرقمية أمامه.
11:47.
ثانية.
ثانيتان.
ثلاث.
لم تتحرك الساعة.
وفي الخارج، اختفت الطائرة الأخرى.
لكنها لم تختفِ وحدها.
اختفت النجوم.
اختفت السحب.
واختفى الأفق.
لثوانٍ معدودة، بدا الزجاج الأمامي كأنه يطل على مساحة سوداء خالية من كل شيء.
صرخ كريم وهو يمسك بذراع مقعده.
«إحنا فين؟!»
ضغط آدم على أجهزة التحكم، لكن المؤشرات لم تستجب.
ثم ظهر ضوء أبيض في نهاية الظلام.
كان يكبر بسرعة.
وفجأة، عادت السماء.
عادت السحب.
وعادت أضواء الطائرة.
لكن أجهزة الملاحة كانت تعرض موقعًا لا يتفق مع أي مسار معروف.
أمسك آدم بالميكروفون.
«برج المراقبة، هل تسمعني؟»
جاءه صوت يوسف، لكنه بدا بعيدًا، كأنه يأتي من نهاية نفق طويل.
«الرحلة 714... عرّف عن موقعك.»
أغمض آدم عينيه لحظة.
ثم قال:
«دي مشكلتنا... إحنا مش عارفين إحنا فين.»
في برج المراقبة، وقف يوسف أمام الشاشة عاجزًا عن الكلام.
اختفت النقطة التي تمثل الطائرة.
لم تتحول إلى إشارة ضعيفة.
لم تظهر علامة على تحطمها.
اختفت فقط، كأن أحدًا محاها من الشاشة.
حاول يوسف إعادة الاتصال.
لا رد.
كرر النداء.
لا رد.
ثم ظهرت على الشاشة إشارة جديدة.
نقطة واحدة.
كانت تتحرك بسرعة هائلة، ثم توقفت فجأة فوق موقع الرحلة الأخير.
خرج صوت من السماعات:
«برج المراقبة... لو سمحتوا، ابعتوا المساعدة.»
كان صوت آدم.
لكن الصوت الذي تلاه لم يكن صوته.
كان صوت يوسف نفسه.
«إوعوا تسمحوا للطائرة دي بالهبوط.»
ثم انقطع الاتصال.
في تلك الليلة، أطلقت السلطات عملية بحث واسعة.
لم يعثروا على حطام.
لم يعثروا على حقائب.
لم يعثروا على أي دليل يفسر اختفاء الرحلة 714.
وبعد أشهر من البحث، أُعلنت الطائرة مفقودة، وسُجل ركابها في عداد الموتى.
أُغلقت القضية.
لكن يوسف لم ينسَ ما سمعه.
خصوصًا جملة واحدة ظلت تطارده كل ليلة:
«إوعوا تسمحوا للطائرة دي بالهبوط.»
لأنه بعد تسع سنوات، في تمام الساعة 11:47 مساءً، سيسمع الجملة نفسها مرة أخرى.
لكن هذه المرة، لن تأتي من تسجيل قديم.
ستأتي من طائرة تحلق فوق المطار.
طائرة لم يكن من المفترض أن تعود أبدًا.

الفصل الثاني
النقطة العائدة
بعد تسع سنوات
كانت ليلى منصور تكره المطر.
لم تكن تعرف السبب الحقيقي، لكنها كلما سمعت قطراته تضرب زجاج النافذة، عادت إليها ذكرى غامضة من طفولتها؛ غرفة مظلمة، ساعة حمراء، وصوت امرأة تهمس بأرقام متناقصة.
كانت تحلم بالمشهد نفسه منذ سنوات.
وفي كل مرة، تستيقظ قبل أن تصل المرأة إلى الصفر.
في تلك الليلة، كانت تجلس أمام مكتبها الصغير، تحاول إنهاء تقرير صحفي عن اختفاء رجل أعمال في ظروف غامضة.
رن هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
رقم مجهول.
ترددت لحظة، ثم أجابت.
«ألو؟»
لم يرد أحد.
سمعت صوت تشويش خافت، ثم ثلاث نقرات متتالية.
تجمدت يدها.
ثلاث نقرات.
الصوت نفسه الذي كانت تسمعه في أحلامها.
قالت بحذر:
«مين معايا؟»
جاءها صوت رجل مسن:
«ليلى منصور؟»
«أيوه. مين حضرتك؟»
«اسمي يوسف الراوي.»
لم يكن الاسم غريبًا تمامًا. كانت قد قرأت عنه في ملف قديم أثناء إعداد تقرير عن حوادث الطيران، لكنها لم تتخيل يومًا أنه سيتصل بها.
قال يوسف:
«أنا محتاج أقابلك.»
«بخصوص إيه؟»
صمت قليلًا.
ثم قال:
«الطائرة رجعت.»
ضحكت ليلى دون قصد.
«أي طائرة؟»
«الرحلة 714.»
اختفت الابتسامة عن وجهها.
كانت تعرف قصة الرحلة. كل صحفي مهتم بالتحقيقات الغامضة يعرفها.
طائرة اختفت قبل تسع سنوات، ولم يُعثر عليها حتى الآن.
قالت:
«حضرتك بتهزر؟»
«كنت أتمنى.»
سمعت صوت ارتطام خافت في الجهة الأخرى من الهاتف، ثم تنفس يوسف بسرعة.
«اسمعيني كويس. الطائرة ظهرت على الرادار من عشر دقايق. محدش عارف ظهرت إزاي، ولا جاية منين.»
نهضت ليلى من مقعدها.
«وإنت عرفت منين؟»
«لأني رجعت للشغل الليلة دي.»
«بعد تسع سنين؟»
«في حاجات ما ينفعش تفضل مدفونة للأبد.»
ثم أضاف بصوت مرتجف:
«وفي حاجة لازم تعرفيها قبل ما توصلي.»
«إيه هي؟»
«اسم أبوكي موجود في ملف الرحلة.»
توقف العالم للحظة.
كان والد ليلى، حسن منصور، قد توفي عندما كانت في العاشرة من عمرها، بحسب الرواية التي أخبرتها بها أسرتها.
لم يكن طيارًا.
ولم يكن مضيفًا.
كان مهندسًا.
ولم تكن هناك أي صلة معروفة بينه وبين الرحلة 714.
قالت بصوت خافت:
«ده مستحيل.»
«أنا عارف.»
«أبويا مات قبل الحادث بسنين.»
لم يرد يوسف فورًا.
ثم قال:
«عشان كده لازم تشوفي بنفسك.»
وانقطع الاتصال.
ظلت ليلى واقفة مكانها، والهاتف ملتصق بأذنها.
لم تكن تعرف إن كان الرجل مجنونًا، أو محتالًا، أو شخصًا يحاول استغلال اهتمامها بالقصص الغامضة.
لكن شيئًا واحدًا لم تستطع تجاهله.
كيف عرف رقم هاتفها؟
وكيف عرف أن والدها كان ميتًا قبل اختفاء الطائرة؟
فتحت حاسوبها، وكتبت في محرك البحث:
الرحلة 714 — حسن منصور.
ظهرت عشرات النتائج عن اختفاء الطائرة.
ثم ظهرت نتيجة واحدة لم ترها من قبل.
صورة قديمة لوالدها، يرتدي قميصًا أبيض، ويقف أمام طائرة تحمل الرقم 714.
أسفل الصورة، كُتبت عبارة قصيرة:
«فريق المشروع التجريبي — أكتوبر 2008.»
شعرت ليلى بأن الهواء اختفى من الغرفة.
كانت الصورة مؤرخة قبل تسع سنوات.
وقبل شهر واحد من وفاة والدها، بحسب شهادة الوفاة التي احتفظت بها الأسرة.
فتحت الصورة.
في خلفيتها، كان هناك رجل آخر يقف قرب جناح الطائرة.
لم تستطع رؤية وجهه بوضوح.
لكنها لاحظت شيئًا جعل قلبها يتوقف للحظة.
الرجل كان ينظر مباشرة إلى الكاميرا، ويحمل في يده ورقة بيضاء.
وعلى الورقة، ظهرت ثلاثة أرقام مكتوبة بخط أسود:
11:47
في المطار، كان يوسف يقف خلف الزجاج السميك لغرفة المراقبة.
كانت الشاشات تعرض الطائرة العائدة.
الرحلة 714.
الإشارة واضحة.
الارتفاع يتناقص.
السرعة طبيعية.
والطائرة تقترب من المدرج.
قال أحد الفنيين:
«إزاي ده ممكن؟»
لم يجب يوسف.
كان ينظر إلى بيانات الرحلة.
كل شيء يبدو طبيعيًا، باستثناء أمر واحد.
لا يوجد أي اتصال صادر من الطائرة منذ ظهورها.
ومع ذلك، كانت الطائرة تتبع تعليمات الهبوط بدقة.
قال سامح، الذي أصبح الآن مدير النوبة:
«نبعت لها تعليمات بالإلغاء؟»
هز يوسف رأسه.
«استنى.»
«نستنى إيه؟»
رفع يوسف عينيه نحو الشاشة الرئيسية.
كانت الطائرة قد أصبحت على بعد كيلومترات قليلة من المدرج.
وفجأة، ظهر اتصال لاسلكي.
ضغط يوسف زر الاستقبال.
«الرحلة 714، برج المراقبة ينادي. هل تسمعني؟»
جاءه صوت آدم شاهين.
واضحًا.
هادئًا.
كأن تسع سنوات لم تمر.
«برج المراقبة، أسمعك بوضوح.»
شعر يوسف بركبتيه تضعفان.
قال بصعوبة:
«عرّف عن موقعك.»
«نحن على المسار النهائي للهبوط.»
نظر يوسف إلى سامح.
«كم الساعة عندكم؟» سأل آدم.
تبادل الرجلان النظرات.
أجاب يوسف:
«الساعة 11:47 مساءً.»
ساد صمت طويل.
ثم جاء صوت آدم:
«إذن لم نتأخر كثيرًا.»
انقطع الاتصال.
بعد ثوانٍ، لامست عجلات الطائرة المدرج.
ارتفع صوت الاحتكاك، وتصاعدت سحابة من الماء خلفها.
استمرت الطائرة في التحرك حتى توقفت قرب نهاية المدرج.
لم يصفق أحد.
لم يتحدث أحد.
كان الجميع يراقبون الطائرة وكأنهم يشاهدون شيئًا خرج من قبر.
تحركت سيارات الإنقاذ والإطفاء نحوها.
اقتربت فرق الطوارئ بحذر، وبدأت تفحص جسم الطائرة بحثًا عن أي علامات تلف.
لم تكن هناك.
لا خدوش.
لا آثار حريق.
لا أي علامة تدل على أنها اختفت لتسع سنوات.
وصلت سيارة قيادة المطار، ونزل منها مسؤول العمليات، الذي تحدث عبر مكبر الصوت:
«الرحلة 714، أوقفوا المحركات وافتحوا الأبواب.»
لم يرد أحد.
كرر الأمر.
«الرحلة 714، هل تسمعونني؟»
لا رد.
اقترب أحد أفراد الإنقاذ من الباب الأمامي.
كان مغلقًا.
حاول فتحه، لكنه لم يتحرك.
استدعى زميله، وبدآ في فحص القفل.
بعد دقائق، فُتح الباب.
دخل أول اثنين من فريق الإنقاذ.
ثم توقفا.
كانت المقصورة مضاءة بأضواء خافتة.
المقاعد في أماكنها.
حقائب السفر في الرفوف العلوية.
أكواب ورقية فارغة على بعض الطاولات.
لكن لم يكن هناك أي شخص.
لا ركاب.
لا مضيفون.
ولا طيارون.
كانت الطائرة فارغة تمامًا.
على المقعد 23A، وُضعت حقيبة يد سوداء.
فتحها أحد أفراد الإنقاذ بحذر.
في الداخل، وجد صورة فوتوغرافية.
كانت الصورة لفتاة تقف أمام بوابة المطار.
فتاة في أواخر العشرينيات، ترتدي معطفًا رماديًا، وتمسك بملف أزرق.
عرفها يوسف فورًا.
ليلى منصور.
لكن الصورة لم تكن أقدم من شهر.
على ظهرها، كانت هناك عبارة مكتوبة بخط اليد:
«المرة دي، ما تنقذنيش.»
وصلت ليلى إلى المطار بعد أقل من ساعة.
كانت قد تلقت اتصالًا ثانيًا من يوسف، وأخبرها أن الطائرة عادت فعلًا.
لم تصدقه إلا عندما رأت الطائرة بعينيها.
وقفت خلف الحاجز الأمني، تحدق في جسم الطائرة الأبيض، وفي الرقم المكتوب على ذيلها.
شعرت ببرودة تسري في ذراعيها.
كان هناك شيء مألوف في شكل الطائرة، في نوافذها، وفي خطوطها المعدنية.
شيء لا تستطيع تفسيره.
اقترب منها يوسف.
كان وجهه شاحبًا، وعيناه محاطتين بهالات سوداء.
قال:
«شكرًا إنك جيتي.»
لم ترد.
كانت تنظر إلى الطائرة.
«الركاب فين؟»
«مش عارفين.»
«والطيار؟»
«مش موجود.»
التفتت إليه.
«إنت قلت إن صوت أبويا موجود في الملف.»
أخرج يوسف ملفًا ورقيًا من حقيبته، ومده إليها.
«ده سجل المشروع التجريبي. اسم أبوكي موجود هنا.»
فتحت ليلى الملف.
في الصفحة الأولى، قرأت أسماء خمسة أشخاص.
كان اسم والدها في السطر الثالث.
وبجواره وصف وظيفي:
حسن منصور — مهندس أنظمة الإشارات.
وفي أسفل الصفحة، وجدت توقيعًا بخط يد تعرفه جيدًا.
توقيع والدها.
لكن التاريخ المكتوب بجواره كان بعد وفاته بثلاث سنوات.
أغلقت الملف ببطء.
«مين كتب التاريخ ده؟»
قال يوسف:
«دي أول حاجة لازم نعرفها.»
ثم نظر نحو الطائرة.
«وفي حاجة تانية لازم تشوفيها.»
قادها إلى المقصورة.
كان الضوء داخلها باردًا، والهواء يحمل رائحة معدن قديم.
مرّت ليلى بين المقاعد، وراحت تتفحصها.
لم تكن هناك آثار صراع.
ولا علامات تدل على هبوط اضطراري.
وصلت إلى المقعد 23A.
كان فارغًا الآن.
لكن على الطاولة الصغيرة أمامه، وُجدت خدوش دقيقة، كأن أحدهم كتب شيئًا باستخدام أداة حادة.
انحنت ليلى لتقرأها.
كانت الكلمات بالكاد ظاهرة.
«لا تثقي في مريم.»
رفعت رأسها.
«مين مريم؟»
لم يجب يوسف.
كان ينظر إلى شيء خلفها.
استدارت ليلى.
في نهاية المقصورة، قرب باب قمرة القيادة، كان هناك ظل يتحرك.
تراجعت خطوة.
«مين هناك؟»
لم يرد أحد.
اقترب يوسف ببطء.
فتح باب قمرة القيادة.
كانت فارغة.
لكن على المقعد الأيسر، وُضعت سماعة رأس قديمة.
وبجوارها، جهاز تسجيل صغير يعمل.
خرج منه صوت مشوش.
ثم صوت رجل.
صوت والد ليلى.
«ليلى... لو بتسمعي الرسالة دي، يبقى الطائرة رجعت.»
وضعت يدها على فمها.
استمر الصوت:
«أنا عارف إنك هتدوري ورا الحقيقة. وعارف إنك هتفتكري إنك بتصلحي اللي حصل.»
توقف التسجيل لثانية.
ثم جاء صوته، أكثر وضوحًا:
«لكن أهم حاجة لازم تعرفيها... إنك ما كنتيش السبب في اختفاء الطائرة.»
تنفست ليلى بارتياح، دون أن تفهم لماذا شعرت بالذنب أصلًا.
ثم أكمل الصوت:
«إنتِ السبب في إنها ترجع.»
انقطع التسجيل.
ساد الصمت.
وفي مكان ما داخل الطائرة، بدأت ساعة صغيرة تدق.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
كانت عقاربها تتحرك إلى الخلف.
الفصل الثالث
المقعد 23A
لم تنم ليلى تلك الليلة.
جلست في غرفة التحقيق التابعة للمطار، وأمامها صورة والدها، ونسخة من سجل المشروع، وصورة المقعد الذي وُجدت عليه الحقيبة.
كانت تحاول أن تجد تفسيرًا واحدًا يجمع كل شيء.
والدها، الذي قيل لها إنه مات قبل الحادث، ظهر اسمه في ملف الرحلة.
الطائرة التي اختفت تسع سنوات عادت فارغة.
وصوته ظهر في تسجيل داخل قمرة القيادة.
ثم ترك لها رسالة تقول إنها ليست سبب الاختفاء، لكنها سبب العودة.
كانت كل معلومة تبدو كأنها تقود إلى سؤال أكبر.
فتح الباب، ودخلت امرأة ترتدي بدلة داكنة، وتحمل ملفًا سميكًا.
قالت:
«ليلى منصور؟»
رفعت ليلى رأسها.
«أيوه.»
«أنا مريم عزمي. مسؤولة التحقيق في قضية الرحلة 714.»
نظرت ليلى إلى وجهها.
تذكرت الكلمات المحفورة على المقعد.
لا تثقي في مريم.
قالت بهدوء:
«سمعت إنك كنتِ مسؤولة عن التحقيق القديم.»
جلست مريم أمامها.
«كنت ضمن الفريق.»
«ليه القضية اتقفلت؟»
«لأننا بحثنا في كل مكان، وما لقيناش أي دليل على وجود الطائرة.»
«لكن الطائرة رجعت.»
«وده سبب إن التحقيق اتفتح من جديد.»
أخرجت مريم ملفًا، ووضعته أمام ليلى.
«قبل ما نكمل، محتاجة أعرف إنتِ لقيتي إيه داخل الطائرة.»
ترددت ليلى.
ثم قالت:
«لقيت تسجيلًا بصوت أبويا.»
لم يتغير وجه مريم، لكن يدها توقفت فوق الملف.
«والدك؟»
«حسن منصور.»
صمتت مريم لثوانٍ.
ثم أغلقت الملف الذي أمامها.
«اسمعيني كويس. أي تسجيلات أو مستندات تلاقيها داخل الطائرة لازم تسلّميها للتحقيق.»
«ليه؟»
«لأن بعض الأدلة ممكن تكون مضللة.»
«زي إيه؟»
نظرت مريم مباشرة إلى عينيها.
«زي تسجيل لشخص ميت.»
شعرت ليلى بقشعريرة.
«إنتِ عارفة حاجة عن أبويا؟»
نهضت مريم.
«مش دلوقتي.»
«استني. إنتِ اللي كتبتي التقرير القديم؟»
توقفت المرأة عند الباب.
لم تلتفت.
«بعض التقارير مش بتقول الحقيقة كاملة.»
ثم خرجت.
ظلت ليلى تنظر إلى الباب المغلق.
كانت تلك أول مرة تشعر فيها أن أحدًا لا يحاول إخفاء الحقيقة عنها فحسب، بل يحاول أيضًا تحديد أي جزء منها يحق لها معرفته.
في الصباح، عادت ليلى إلى منزل والدها القديم.
كان المنزل مغلقًا منذ سنوات، لكن بعض الأغراض بقيت كما تركتها الأسرة، بما فيها مكتب خشبي قديم في غرفة حسن.
فتحت الأدراج واحدًا تلو الآخر.
وجدت دفاتر هندسية، وصورًا عائلية، وبعض الرسائل التي لم تُرسل.
وفي الدرج السفلي، كان هناك صندوق معدني صغير.
لم يكن مقفلًا.
داخله شريط تسجيل، ومفتاح نحاسي، وورقة مطوية بعناية.
فتحت الورقة.
كان الخط خط والدها.
«إلى ليلى، عندما تصبح الحقيقة أخطر من الصمت.»
جلست على الأرض وبدأت تقرأ.
«إذا وصلتِ إلى هذه الورقة، فهذا يعني أن المشروع لم ينتهِ كما توقعت. ربما عادت الإشارة، وربما وجد أحدهم طريقة للوصول إلى الملفات.
لا تثقي في السجلات وحدها. السجلات يمكن تغييرها.
ولا تثقي في الذاكرة وحدها. الذاكرة يمكن أن تخدع صاحبها.
ابحثي عن الرقم 23.
ولا تفتحي الباب قبل أن تعرفي من يقف خلفه.»
توقفت ليلى عن القراءة.
الرقم 23.
المقعد 23A.
أعادت الورقة إلى مكانها، ثم أخذت المفتاح النحاسي.
كان صغيرًا، وعليه نقش دقيق:
قلبته بين أصابعها.
على ظهره، وُجدت ثلاثة أرقام محفورة:
11:47.
أغمضت عينيها.
عادت إليها صورة الحلم القديم.
الغرفة المظلمة.
الساعة الحمراء.
والمرأة التي تعد تنازليًا.
هذه المرة، سمعت الرقم الأخير بوضوح.
«صفر.»
ثم سمعت صوتًا آخر.
صوت والدها.
«ليلى، افتحي عينيك.»
فتحت عينيها بسرعة.
كانت وحدها في الغرفة.
لكن شريط التسجيل داخل الصندوق بدأ يتحرك من تلقاء نفسه.
خرج صوت تشويش.
ثم جاء صوت طفلة صغيرة تبكي.
صوتها هي.
«بابا... أنا خايفة.»
رد صوت حسن:
«ما تخافيش يا حبيبتي. كل حاجة هتبقى كويسة.»
ثم جاء صوت الطفلة مرة أخرى:
«هو إحنا هنرجع تاني؟»
تجمدت ليلى.
لم تتذكر هذه المحادثة.
لم تتذكر أنها تحدثت مع والدها عن العودة.
ولم تتذكر أبدًا أنها سمعت هذا الصوت من قبل.
انتهى التسجيل فجأة.
وفي الصمت الذي أعقبه، رن هاتفها.
كانت رسالة من رقم مجهول.
صورة لباب معدني قديم.
وتحتها جملة واحدة:
«المفتاح اللي معاكي مش بيفتح باب الطائرة. بيفتح الباب اللي جوّاها.»
نظرت ليلى إلى المفتاح.
ثم إلى الورقة.
ثم إلى الساعة المعلقة على الحائط.
كانت تشير إلى 11:47.
رغم أن الوقت كان العاشرة صباحًا.
وفي أسفل الرسالة، ظهر سطر جديد:
«لو فتحتيه، هتسمعي النداء الأخير.»
انطفأ الهاتف.
وللمرة الأولى منذ تسع سنوات، سمعت ليلى صوت المرأة في حلمها.
لكن الصوت لم يكن يعد تنازليًا هذه المرة.
كان يقول:
«ليلى... إنتِ اتأخرتي.»
الطائرة المفقودة
الفصل الرابع: الباب الذي لا يظهر في المخطط
لم تنم ليلى تلك الليلة.
وضعت المفتاح النحاسي على الطاولة أمامها، وأعادت تشغيل الشريط مرات عدة، حتى حفظت أنفاس الطفلة الصغيرة بين الكلمات. كان صوتها واضحًا، أقرب مما ينبغي، كأن التسجيل لم يُصنع قبل سنوات طويلة، بل سُجّل في الغرفة المجاورة منذ دقائق.
«بابا... أنا خايفة.»
ثم صوت حسن، هادئًا على نحو غريب:
«ما تخافيش يا ليلى. طول ما إنتِ فاكرة الطريق، هتعرفي ترجعي.»
كانت هناك فجوة صغيرة في التسجيل، أعقبها صوت الطفلة:
«هو إحنا هنرجع تاني؟»
لم يجب حسن فورًا.
سمعت ليلى خشخشة، ثم صوت شيء معدني يُسحب فوق سطح صلب.
وأخيرًا قال:
«لو حصل اللي أنا خايف منه، أوعي تفتكري إن الرجوع معناه إن كل حاجة رجعت زي الأول.»
توقف الشريط.
أغمضت ليلى عينيها. كانت تتذكر أشياء كثيرة من طفولتها، لكنها لم تتذكر يومًا هذه المحادثة. لم تتذكر جهاز التسجيل، ولا الغرفة التي بدا أن التسجيل جرى فيها، ولا لماذا كانت تسأل أباها عن العودة.
رن هاتفها.
رسالة جديدة من الرقم المجهول.
«الساعة 11:47. البوابة الشرقية. تعالي لوحدك.»
نظرت إلى المفتاح النحاسي. الرقم 714 محفور على أحد وجهيه، وعلى الوجه الآخر ثلاث خدوش متوازية.
فتحت حاسوبها وبحثت عن مخططات مطار القاهرة القديمة، ثم عن سجلات الصيانة المتعلقة بالرحلة 714. بعد ساعة من البحث، وجدت ملفًا ممسوحًا ضوئيًا ضمن أرشيف قديم لشركة الطيران. كان الملف عبارة عن مخطط فني لطائرة من الطراز نفسه الذي استخدمته الرحلة المفقودة.
كبّرت الصورة.
المقصورة، المقاعد، الأبواب، مخارج الطوارئ... كل شيء بدا عاديًا.
إلى أن لاحظت شيئًا خلف الصفوف الأخيرة.
مستطيل ضيق، بلا رقم، وبلا أي وصف.
كان مرسومًا خلف المقعد 23A مباشرة.
كبّرت ليلى المخطط أكثر، لكن المنطقة بدت مشوشة، كأن شخصًا تعمد طمسها قبل حفظ الملف.
بحثت عن نسخة أخرى.
لم تجد.
اتصلت بيوسف الراوي.
«محتاجة أسألك عن حاجة.»
«إنتِ عارفة إن المفروض تبعدي عن الموضوع ده.»
«أنا شفت مخطط الطيارة. فيه باب خلف المقعد 23A.»
صمت يوسف.
لم يكن صمت شخص يحاول فهم ما يسمعه. كان صمت شخص يخشى أن يسمع شيئًا يعرفه بالفعل.
قالت ليلى ببطء:
«إنت عارف الباب ده؟»
«اقفلي الملف يا ليلى.»
«إيه اللي وراه؟»
«مش كل باب معمول علشان يتفتح.»
«أبويا كتبلي إني ما أفتحش الباب قبل ما أعرف مين وراه. وإنت بتقولي أقفل الملف. هو فيه إيه؟»
جاءها صوته خافتًا:
«فيه حاجات لو عرفتيها، مش هتعرفي ترجعي لحياتك القديمة.»
«حياتي القديمة انتهت من تسع سنين، من غير ما أعرف ليه.»
سمعت يوسف يتنفس بعمق.
«الساعة كام عندك؟»
نظرت إلى شاشة الحاسوب.
«عشرة وسبعة وثلاثين.»
«لو الساعة وقفت عند 11:47، ما ترديش على أي صوت تعرفيه.»
«ليه؟»
لكن يوسف أغلق الخط.
عند الحادية عشرة وأربعين دقيقة، ارتدت ليلى معطفها، ووضعت المفتاح والشريط في حقيبتها. لم تكن تثق بالرسالة، لكنها لم تعد تثق بالانتظار أيضًا.
وصلت إلى البوابة الشرقية للمطار قبل الموعد بخمس دقائق.
كانت المنطقة شبه خالية. أضواء الأعمدة تصنع بقعًا صفراء فوق الأسفلت، والهواء يحمل رائحة الوقود والمطر القديم. لم تكن هناك أي حركة قرب البوابة سوى سيارة صيانة بعيدة.
ثم سمعت خطوات خلفها.
استدارت.
رجل يرتدي معطفًا رماديًا وقف على بعد أمتار، ووجهه مخفي تحت قبعة داكنة.
«ليلى منصور؟»
«مين حضرتك؟»
«حد كان يعرف أبوكي.»
«ده مش كفاية.»
أخرج الرجل صورة قديمة من جيبه ومدها إليها.
كانت الصورة لحسن منصور داخل حظيرة طائرات. يقف أمام باب معدني ضخم، وبجواره رجل آخر يرتدي معطفًا رماديًا.
الرجل نفسه.
لكن الصورة كانت مؤرخة في عام 2008.
رفعت ليلى عينيها إليه.
«إنت مين؟»
قال: «اسمي الدكتور نادر فؤاد.»
عرفت الاسم. كان يظهر في بعض التقارير القديمة بصفته مدير مشروع بحثي اختفى من السجلات بعد حادث الرحلة 714.
«إنت كنت مسؤول عن المشروع؟»
«كنت مسؤولًا عن جزء منه.»
«وأبويا؟»
«كان أذكى مهندس عندنا. وأغباهم في الوقت نفسه.»
«ليه؟»
«لأنه افتكر إنه يقدر يصلح خطأ ساهم بنفسه في صنعه.»
اقتربت ليلى خطوة.
«إيه اللي حصل للطائرة؟»
نظر نادر إلى ساعته.
«الوقت مش مناسب.»
«أنا مش هتحرك من هنا قبل ما تجاوبني.»
رفع عينيه إليها، وللمرة الأولى لاحظت في وجهه شيئًا لم يكن خوفًا منها، بل خوفًا عليها.
«إنتِ فاكرة إن الطائرة اختفت مرة واحدة. الحقيقة إنها اختفت قبل ما تقلع.»
لم تفهم.
«إيه معنى الكلام ده؟»
«معناه إن الرحلة 714 ما كانتش أول مرة تدخل فيها الحلقة.»
«حلقة إيه؟»
لم يجب. أشار إلى حقيبتها.
«المفتاح اللي معاكي، أبوكي ما أخدوش من المشروع. المفتاح اتصنع بعد اختفاء الطائرة.»
«إزاي؟»
«دي هي المشكلة يا ليلى.»
انطفأت أضواء البوابة دفعة واحدة.
وفي الظلام، سمعا صوتًا معدنيًا يأتي من خلف الجدار، كأن بابًا ضخمًا يُفتح ببطء.
ثم أضاءت شاشة صغيرة فوق البوابة.
ظهرت عليها الأرقام:
11:47
تراجع نادر خطوة.
«ما كانش المفروض ده يحصل هنا.»
سمعت ليلى صوت أبيها يأتي من مكبر صوت غير مرئي.
«ليلى... لو إنتِ سامعاني، ما تفتحيش الباب.»
جمدت في مكانها.
الصوت نفسه. النبرة نفسها. حتى التوقف القصير قبل نطق اسمها.
لكن نادر كان يحدق فيها بوجه شاحب.
«ده مستحيل.»
ثم انبعث صوت آخر، هذه المرة صوت ليلى نفسها.
«بابا، أنا وصلت.»
لم تكن قد تكلمت.
تحرك الجدار أمامها، وانشق في منتصفه خط رفيع من الضوء.
ظهر باب معدني لم يكن موجودًا قبل لحظات.
وعلى سطحه، محفورًا بخط عميق، كان الرقم:
23A
رفعت ليلى المفتاح.
قال نادر بصوت يكاد لا يُسمع:
«لو فتحتيه، هتفتحي الطريق للطائرة.»
«وأنا لو ما فتحتوش؟»
نظر إلى الباب.
«هتفضل الطائرة عالقة.»
«وأبويا؟»
لم يجب.
وضعت ليلى المفتاح في القفل.
قبل أن تديره، جاءها صوت يوسف عبر الهاتف، رغم أنها لم تتصل به:
«ليلى، اسمعيني كويس. اللي ورا الباب مش بالضرورة يكون أبوكي.»
ثم انقطع الاتصال.
أدارت المفتاح.
صدر صوت طقطقة واحدة.
وانفتح الباب مقدار إصبع.
ومن الفتحة، تسرب هواء بارد يحمل رائحة مقصورة طائرة قديمة.
ثم جاء صوت رجل من الداخل:
«أخيرًا وصلتي.»
كان صوت حسن منصور.
لكن الجملة التالية جعلت ليلى تسحب يدها بعنف.
«إنتِ اتأخرتي تسع سنين... يا ليلى الصغيرة.»
الفصل الخامس: الراكب رقم 187
لم تفتح ليلى الباب أكثر.
وقفت تحدق في الفتحة الضيقة، بينما كان صوت أبيها يتردد في رأسها. لم يقل «يا ليلى» فقط. قال «يا ليلى الصغيرة»، كما كان يناديها حين كانت طفلة.
تراجعت خطوة.
«بابا؟»
لم يأتِ رد.
ثم سمعت ثلاث نقرات من خلف الباب.
نقرة.
نقرة.
نقرة.
النمط نفسه الذي سمعه يوسف في برج المراقبة ليلة اختفاء الطائرة.
مد نادر يده وأمسك بذراعها.
«ابعدي عنه.»
انتزعت ذراعها منه.
«إنت قلت إنك عايزني أعرف الحقيقة!»
«الحقيقة مش دايمًا بتكون اللي بتسمعيه.»
«إنت عارف إنه جوه؟»
«أنا عارف إن الصوت ده اتسجل قبل تسع سنين.»
«إزاي؟»
«لأننا سمعناه قبل اختفاء الطائرة.»
نظرت إليه.
«يعني إيه؟»
«في الليلة دي، قبل الإقلاع، وصل تسجيل إلى قمرة القيادة. صوت رجل بيحذر الطيار من فتح باب في مؤخرة الطائرة. التسجيل كان واضحًا، لكن لما حاولنا نحدد مصدره، لقينا إن الإشارة جاية من نفس الطائرة.»
«من جوه الطائرة؟»
«من جوه الطائرة، في وقت لم تكن فيه الطائرة قد اختفت بعد.»
أشارت ليلى إلى الباب.
«والصوت اللي سمعته دلوقتي؟»
«ده نفس التسجيل.»
«لأ. هو ناداني باسمي.»
لمعت عينا نادر بشيء من القلق.
«هل قال أي حاجة تانية؟»
ترددت.
«قال إني اتأخرت تسع سنين.»
أغمض نادر عينيه لحظة.
«إذن الحلقة بدأت تتحرك.»
«كفاية ألغاز. إيه الحلقة؟ وإيه اللي عملتوه بالطائرة؟»
أخرج نادر من جيبه بطاقة ممغنطة قديمة. كان اسم مشروع مطبوعًا عليها، وتحته شعار باهت: ثلاثة خطوط تلتقي عند نقطة واحدة.
مشروع العتبة — وحدة التزامن الزمني.
«في سنة 2008، كنا بندرس إشارات راديوية ظهرت في اختبارات اتصالات عسكرية. الإشارات كانت غريبة؛ أحيانًا بنستقبلها قبل ما نبعتها.»
«ده مستحيل.»
«ده اللي قلناه. وبعدها قدرنا نكرر الظاهرة داخل نطاق محدود. مش نقل للأجسام، ولا سفر حر عبر الزمن. مجرد معلومات بتظهر في غير ترتيبها الطبيعي.»
«إزاي؟»
«ما عرفناش كل التفاصيل. حسن كان مقتنع إننا بنخلق تداخلًا بين لحظتين، مش بنفتح بابًا للماضي. وكان بيحذرنا إن التداخل ممكن يتضخم لو استخدمنا مصدر طاقة أكبر.»
«والطائرة؟»
«كان المفروض تنقل جهاز الاختبار إلى منشأة تانية. الجهاز كان صغيرًا، ومخفيًا داخل حاوية معدات. لكن قبل الرحلة بساعات، اكتشف حسن إننا بنستخدم التجربة في حاجة تانية.»
«إيه هي؟»
تردد نادر.
«نقل بيانات سرية خارج القنوات الرسمية. بعض الناس استغلوا تأخر الإشارة عن توقيتها الطبيعي لإخفاء عمليات نقل ما كانش المفروض تحصل. حسن حاول يوقفهم. حصلت مواجهة، وبعدها أُدرج الجهاز على الرحلة.»
«يعني إنتوا السبب في اختفاء 186 شخص؟»
«أنا كنت جزءًا من السبب.»
لم تحاول ليلى إخفاء اشمئزازها.
«وليه الطائرة رجعت دلوقتي؟»
«لأن الإشارة اللي كانت بتثبت الحلقة انقطعت تسع سنين، وبعدين ظهرت من جديد.»
«مين أرسلها؟»
نظر نادر إليها، لكنه لم يجب.
كانت تعرف أنه يخفي شيئًا آخر.
اقتربت من الباب مرة ثانية. المفتاح النحاسي ما زال في يدها، وقد أصبح باردًا إلى درجة آلمت أصابعها.
«أنا هفتح الباب.»
وقف نادر أمامها.
«لو فتحتيه، ممكن ما نقدرش نقفله.»
«ولو ما فتحتوش، مش هعرف أبدًا إيه اللي حصل لأبويا.»
«أبوكي هو اللي طلب مني أمنعك.»
تجمدت.
«إمتى؟»
أخرج نادر ظرفًا أصفر من معطفه. كان مختومًا بالشعار نفسه الموجود على البطاقة.
على الظرف كُتب بخط حسن:
إلى نادر فؤاد — لا تسلّمها الرسالة إلا إذا عادت الرحلة.
فتحت ليلى الظرف بسرعة.
في داخله ورقة واحدة.
«نادر،
إذا وصلت ليلى إلى الباب، فهذا يعني أن الإشارة بدأت تعيد بناء المسار.
لا تسمح لها بالدخول قبل أن تعرف الحقيقة عن الراكب رقم 187.
إنها لا تعرف أنني كنت على متن الرحلة، ولا يجب أن تعرف بالطريقة الخطأ.
إذا سألتك إن كنت حيًا، فلا تجبها.
وإذا سمعت صوتها من خلف الباب، فلا تصدق أنها وصلت.
حسن منصور.»
قرأت الرسالة مرتين.
«الراكب رقم 187؟»
أومأ نادر.
«القائمة الرسمية فيها 186 راكبًا.»
«بالضبط.»
«إذن مين كان رقم 187؟»
نظر إلى الباب.
«أبوكي.»
شعرت ليلى بأن الأرض تميل تحت قدميها.
«أبويا كان ميت قبل اختفاء الطائرة.»
«ده اللي قالته السجلات.»
«أنا حضرت جنازته.»
«حضرتِ جنازة شخص قيل لكِ إنه أبوكي.»
صفعته.
لم يحاول الدفاع عن نفسه.
«إنت بتقول إن أبويا كان عايش؟»
«أقول إن حسن كان على متن الرحلة تحت هوية فنية غير مسجلة ضمن قائمة الركاب. كان المفروض يراقب الجهاز. لكنه حاول تعطيله بعد ما اكتشف استخدامه في نقل البيانات.»
«والجثمان؟»
«ما أقدرش أقول لكِ إن عندي إجابة مؤكدة.»
أمسكت ليلى الرسالة بيد مرتجفة.
«إنت كذاب.»
«يمكن. لكن الرسالة دي حقيقية.»
رن هاتفها.
رقم مجهول آخر.
فتحت الخط دون أن تتكلم.
جاء صوت امرأة، متعبًا ومشوشًا:
«ليلى؟»
«مين؟»
«مريم عزمي.»
«إنتِ فين؟»
«اسمعيني. نادر معاكي؟»
نظرت ليلى إليه.
«أيوه.»
«ما تثقيش فيه. هو مش جاي يساعدك.»
انتزع نادر الهاتف من يدها، لكنه لم يغلقه.
«مريم، إنتِ مش فاهمة اللي بيحصل.»
«أنا فاهمة أكتر منك. إنت فتحت العتبة.»
«أنا ما فتحتش حاجة.»
«إذن ليه رجع الصوت؟»
انقطع الاتصال.
في اللحظة نفسها، اهتز الباب المعدني.
جاءت من الداخل ضربات قوية، ثلاثًا متتابعة، ثم صوت احتكاك كأن أحدهم يجر كرسيًا على أرضية الطائرة.
وبعدها سمعا صوت رجل يصرخ:
«الكابتن! في حد في المقعد 23A!»
صوت آخر أجابه:
«المقعد فاضي!»
ثم صوت ثالث، هادئ وواضح:
«لا. أنا شايفها.»
حبست ليلى أنفاسها.
كان الصوت الثالث صوتها هي.
لكنها لم تكن خلف الباب.
كانت واقفة خارجه.
قال الصوت من الداخل:
«افتحوا الباب. أنا ليلى منصور. وأبويا لسه جوه.»
نظر نادر إلى ليلى الحقيقية.
«ما تتكلميش.»
لم تكن قد تكلمت.
مدت يدها إلى الهاتف، فوجدت الشاشة مضاءة بتسجيل صوتي بدأ تلقائيًا. ظهرت عليه موجة صوتية تتحرك، وتحتها توقيت التسجيل:
17 أكتوبر 2008 — 11:47 مساءً.
ومن السماعة، خرج صوت ليلى، واضحًا رغم التشويش:
«إذا كنت تسمعني، فلا تسمح لها بالهبوط.»
تراجعت حتى اصطدمت بالجدار.
كان ذلك أول نداء سمعه يوسف قبل تسع سنوات.
النداء الذي بدأ كل شيء.
لكن ليلى لم تسجله قط.
ليس بعد.
انطفأت الشاشة.
ثم تحركت عقارب ساعة البوابة إلى الخلف، ثانية بعد ثانية، حتى وصلت إلى 11:46.
قال نادر بصوت مبحوح:
«دلوقتي فهمتِ ليه حسن كتب لكِ ما تفتحيش الباب؟»
نظرت ليلى إلى المفتاح في يدها.
«لأ.»
«لأنه مش بيحاول يمنعك من الدخول.»
رفع نادر عينيه إليها.
«هو بيحاول يمنعك من الخروج.»
وفجأة، انفتح الباب المعدني على اتساعه.
لم يكن خلفه ممر، ولا غرفة صيانة، ولا جدار آخر.
كان هناك ممر الطائرة.
إضاءة خافتة، مقاعد زرقاء، أقنعة أكسجين تتدلى من السقف، ورائحة هواء معاد تدويره.
في نهاية الممر، عند المقعد 23A، جلست طفلة ترتدي فستانًا أبيض.
كانت تنظر مباشرة إلى ليلى.
وجهها هو وجهها.
وجهها حين كانت في السابعة من عمرها.
رفعت الطفلة يدها الصغيرة، وأشارت إلى المقعد المجاور.
ثم قالت:
«تعالي يا ليلى. بابا مستنينا.»
الفصل السادس: تسع سنوات في سبع وأربعين دقيقة
لم تتحرك ليلى.
كانت الطفلة خلف الباب تحدق فيها بعينين واسعتين، وعلى ركبتيها حقيبة مدرسية صغيرة تعرفها ليلى جيدًا. كانت حقيبتها القديمة، التي اختفت من منزل الأسرة في الأسبوع الذي سبق وفاة أبيها.
تراجعت ليلى خطوة.
«دي مش حقيقية.»
ردت الطفلة من داخل الطائرة:
«إنتِ اللي مش فاكرة.»
أغلق نادر الباب بعنف.
اهتز الإطار المعدني، ثم ساد الصمت.
أمسكت ليلى بمعطفه.
«افتحه.»
«لأ.»
«افتحه!»
«لو فتحناه تاني، مش هنعرف نرجع.»
«إنت قلت إن أبويا جوه!»
«قلت إنه كان على متن الطائرة. ما قلتش إنه موجود في المكان اللي شفتيه.»
دفعت كتفه، لكن الباب لم يتحرك.
«إنتوا عملتوا إيه؟»
«مش أنا اللي صنعت اللي شفتيه.»
«إنت كنت مدير المشروع.»
«كنت مسؤولًا عن تجربة علمية. وبعدين بقيت مسؤولًا عن إخفاء كارثة. الفرق بين الاتنين أكبر مما تتخيلي.»
لم تجبه. كانت تنظر إلى هاتفها.
التسجيل الذي ظهر قبل لحظات اختفى من الشاشة، لكن ملفًا جديدًا حل محله. عنوانه كان:
الرحلة_714_قمرة_القيادة_الأصلية.wav
شغلته.
جاء صوت آدم شاهين، قائد الطائرة، واضحًا في البداية:
«برج المراقبة، هنا الرحلة 714. نواجه مشكلة في أنظمة الملاحة. الساعة عندنا متوقفة عند 23:47.»
ثم صوت كريم ناصر:
«كابتن، فيه قراءة تانية على الرادار.»
«إيه هي؟»
«الطائرة نفسها.»
صمت قصير.
«كرر كلامك.»
«فيه هدف مطابق لبياناتنا. نفس رقم الرحلة، نفس الارتفاع، نفس السرعة. لكنه ظاهر أمامنا بمسافة ميلين.»
تبع ذلك صوت تنبيه متقطع.
ثم جاء صوت امرأة:
«ما تفتحوش الباب.»
قال آدم:
«مين بيتكلم؟»
أجاب الصوت:
«أنا ليلى منصور.»
ارتجفت أصابع ليلى حول الهاتف.
في التسجيل، قال كريم:
«مفيش أي حد باسم ليلى منصور على قائمة الركاب.»
ردت المرأة:
«أنا مش راكبة.»
ثم انقطع التسجيل فجأة.
نظرت ليلى إلى نادر.
«الصوت ده صوتي.»
«أيوه.»
«بس أنا ما كنتش على الطائرة.»
«أيوه.»
«وما سجلتش الكلام ده.»
لم يرد.
فتحت تفاصيل الملف. لم يكن هناك تاريخ إنشاء واضح، فقط وقت تسجيل: 11:47 مساءً، 17 أكتوبر 2008.
«إزاي التسجيل ده موجود على موبايلي؟»
«لأن الجهاز بدأ يلتقط الإشارات من جديد.»
«إنت بتتكلم كأن ده طبيعي.»
«مش طبيعي. لكنه حصل قبل كده.»
«إمتى؟»
أخرج نادر من جيبه دفترًا أسود صغيرًا. كانت حوافه مهترئة، وصفحاته مليئة بتواريخ وأرقام وملاحظات مكتوبة بخط دقيق.
فتح صفحة في المنتصف.
18 أكتوبر 2008 — 00:34.
أسفل التاريخ، كُتبت جملة واحدة:
سمعنا صوت ليلى منصور في تسجيل سابق لميلاد الإشارة.
قلب الصفحة.
19 أكتوبر 2008 — 11:47.
ظهور نداء ثانٍ. الصوت نفسه. المدة 47 ثانية.
ثم صفحة أخرى:
21 أكتوبر 2008 — 11:47.
النداء الثالث. مصدر الإشارة لم يتغير.
رفعت ليلى رأسها.
«إنتوا فضلتوا تسمعوا صوتي بعد اختفاء الطائرة؟»
«على فترات. التسجيلات كانت قصيرة، وكل مرة تحمل معلومة مختلفة. بعضها كان تحذيرات. وبعضها كان تفاصيل ما كانش ممكن حد يعرفها إلا لو كان جوه الطائرة.»
«زي إيه؟»
فتح نادر صفحة أخيرة.
المقعد 23A خالٍ. لا تفتحوا الباب خلفه.
أسفلها، بخط مختلف، أضيفت جملة لاحقًا:
إذا وصلت ليلى إلى هنا، فقد بدأت الحلقة الثانية.
لمست ليلى الكلمات.
«مين كتب الجملة دي؟»
قال نادر:
«حسن.»
«إمتى؟»
«بعد اختفاء الطائرة بأحد عشر يومًا.»
«إزاي؟»
«ده السؤال اللي حاولنا نجاوب عليه تسع سنين.»
جلست ليلى على صندوق معدني قرب الجدار. شعرت بأن عقلها يحاول ترتيب الوقائع، لكنه كلما أمسك بخيط، انقطع الخيط عند نقطة لا يمكن تجاوزها.
أبوها كان يفترض أنه مات قبل الرحلة.
صوته ظهر في تسجيلات بعد اختفائه.
صوتها هي ظهر في تسجيلات أقدم من التسجيل الذي لم تسجله بعد.
والآن، طفلة تشبهها تنتظرها داخل طائرة اختفت تسع سنوات، لكنها لم تمر من خلالها إلا سبع وأربعين دقيقة، وفقًا لما قاله نادر في لحظة غفلة أثناء حديثه السابق.
رفعت رأسها فجأة.
«إنت قلت إن الوقت داخل الحلقة كان سبع وأربعين دقيقة؟»
أومأ ببطء.
«تقريبًا. ده اللي قدرنا نستنتجه من آخر بيانات وصلت قبل انقطاع الإشارة.»
«يعني بالنسبة لهم، الطائرة اختفت سبع وأربعين دقيقة بس؟»
«لو كانت الحسابات صحيحة.»
«بس بره مرّت تسع سنين.»
«أيوه.»
«إذن الناس اللي جوه...»
«مش بالضرورة يكونوا كبروا تسع سنين.»
لم تستطع ليلى منع نفسها من السؤال:
«وأبويا؟»
لم يجب.
كانت الإجابة التي لم يقلها أشد قسوة من أي جواب.
فتحت ليلى حقيبتها وأخرجت الشريط القديم. وضعته بجوار الدفتر الأسود، ثم لاحظت شيئًا لم تنتبه إليه من قبل: على حافة علبة الشريط، كان هناك رقم محفور بخط بالغ الصغر.
47
وبجانبه، ثلاثة خطوط متوازية.
العلامة نفسها الموجودة على المفتاح.
سألت نادر:
«إيه علاقة الشريط بالمشروع؟»
أخذ العلبة، وقلبها بين أصابعه.
«ده مش مجرد تسجيل عائلي.»
«يعني إيه؟»
«بصي على ظهره.»
كانت هناك كتابة باهتة لم ترها ليلى من قبل، تظهر فقط عندما مالت العلبة نحو الضوء.
اختبار الإشارة — عينة بشرية: ل. م.
شعرت ببرودة تسري في ظهرها.
«عينة بشرية؟»
أعاد نادر العلبة إليها ببطء.
«ليلى... هل تتذكري إنك دخلتي منشأة بحثية مع والدك وإنتِ صغيرة؟»
«لأ.»
«هل تتذكري غرفة فيها أجهزة، وأضواء حمراء، وصوت صفارة؟»
أرادت أن تقول لا.
لكن صورة خاطفة ظهرت في ذاكرتها: يد أبيها تمسك بيدها، ممر أبيض، باب زجاجي، وصف طويل من المصابيح الصغيرة. ثم صوت امرأة يقول: «التسجيل بدأ.»
ضغطت ليلى كفيها على صدغيها.
«مش فاكرة.»
«ما تحاوليش تفتكري بالقوة.»
«إنتوا استخدمتوني في التجربة؟»
«أنا ما كنتش موجودًا في الاختبار الأول.»
«بس عارف إنه حصل.»
خفض نادر عينيه.
«أيوه.»
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، فتغير وجهه.
«لازم نمشي.»
«ليه؟»
«لأن مريم جاية.»
«إنت قلت إنها مش موثوقة.»
«وده صحيح.»
«وهي قالت إنك مش موثوق.»
«وده صحيح برضه.»
وقفت ليلى ببطء.
«إنتوا الاتنين بتخفوا حاجة.»
«أكتر من حاجة.»
«يبقى هتفضلوا تخبوا لحد إمتى؟»
أغلق نادر الدفتر ووضعه في يدها.
«لحد ما نعرف مين فينا بيحاول يمنع الكارثة، ومين فينا بيحاول يعيدها.»
في آخر الممر، دوّى صوت خطوات مسرعة.
ظهرت مريم عزمي عند البوابة، تحمل ملفًا أسود ومسدسًا صغيرًا موجهًا إلى الأرض.
لم تكن تنظر إلى نادر.
كانت تنظر إلى ليلى.
«ابعدي عن الباب.»
قالت ليلى:
«إنتِ عارفة إيه اللي وراه؟»
«أيوه.»
«وأبويا؟»
توقفت مريم للحظة، وكأن السؤال أصابها في موضع قديم من ذاكرتها.
«أبوكي ما كانش المفروض يكون على الرحلة.»
«لكنه كان عليها.»
«أيوه.»
«والطائرة رجعت علشانه؟»
لم تجب مريم مباشرة.
فتحت الملف الأسود، وأخرجت ورقة عليها صورة حسن منصور، وتحتها بيانات تسجيل دخول إلى منشأة بحثية.
التاريخ: 17 أكتوبر 2008.
الوقت: 11:46 مساءً.
وبجانب اسمه، في خانة المرافقين، كان هناك اسم آخر.
ليلى حسن منصور — العمر: 7 سنوات.
حدقت ليلى في الورقة.
«ده مستحيل.»
قالت مريم بصوت منخفض:
«إنتِ كنتِ هناك يا ليلى.»
«أنا كنت في البيت.»
«دي النسخة اللي اتقالت لكِ.»
«إنتِ بتقولي إني كنت في المنشأة ليلة اختفاء الطائرة؟»
«أنا بقول إن آخر سجل مؤكد لوجودك قبل بداية الحلقة كان في المكان ده.»
«وبعدها؟»
رفعت مريم عينيها إليها.
«بعدها، اختفيتي من السجلات لمدة سبع وأربعين دقيقة.»
تراجعت ليلى.
«أنا ما اختفيتش.»
قالت مريم:
«أيوه. إنتِ رجعتي.»
ثم أشارت إلى الباب المعدني.
«لكن اللي رجع مش بالضرورة يكون كل اللي خرج.»
وفي اللحظة نفسها، جاء صوت الطفلة من خلف الباب مرة أخرى:
«مريم... إنتِ وعدتيني ما تسيبينيش هنا.»
سقط الملف من يد مريم.
للمرة الأولى منذ قابلتها ليلى، بدت مسؤولة التحقيق خائفة فعلًا.
همست:
«يا إلهي...»
ثم نظرت إلى ليلى وقالت:
«دي مش أول مرة نسمع صوتك من جوه الطائرة.»
سكتت لحظة.
«دي أول مرة نسمع صوتك وإنتِ لسه بره.»
الطائرة المفقودة
الفصل السابع: الفتاة التي عادت مرتين
لم تتحرك مريم من مكانها.
كانت تنظر إلى الباب المعدني كأنها تنتظر أن ينفتح وحده، وكأنها تعرف أن الصوت الذي ناداها ليس مجرد تسجيل.
قالت ليلى:
«إنتِ وعدتي مين؟»
لم تجبها مريم.
«مين البنت اللي جوه؟»
أغلقت مريم الملف الملقى على الأرض، ثم رفعت عينيها إلى نادر.
«إنت قلت إنك أوقفت الجهاز.»
قال نادر: «وأوقفته فعلًا.»
«إذن ليه الإشارة رجعت؟»
«لأن ليلى وصلت.»
التفتت مريم إلى ليلى، وكان في عينيها شيء يشبه الندم.
«لازم تشوفي الملف الأصلي.»
قادتهما إلى غرفة صغيرة خلف البوابة. أغلقت الباب وأخرجت من حقيبتها حاسوبًا قديمًا. أدخلت كلمة مرور طويلة، ثم فتحت مجلدًا يحمل اسمًا واحدًا: المشروع 714.
ظهرت على الشاشة صورة لطفلة ترتدي فستانًا أبيض.
كانت ليلى.
لكن الصورة لم تكن صورة عائلية. ظهرت الطفلة داخل غرفة مليئة بالأجهزة، وعلى معصمها سوار يحمل رقمًا.
23A.
أسفل الصورة، كُتب:
اختبار التزامن البشري الأول. الملاحظة: تستجيب الطفلة لإشارات لم تُرسل بعد.
شعرت ليلى بالغثيان.
«إيه معنى الكلام ده؟»
قالت مريم: «أبوكي كان بيشتغل على مشروع لدراسة الإشارات اللي بتوصل قبل إرسالها. في البداية، كانت تجاربهم بتقتصر على أصوات قصيرة. نقرات، كلمات، أحيانًا ثوانٍ من محادثة.»
«وبعدين استخدموني؟»
«حسن قال إنك كنتِ بتسمعي الإشارات قبل أي حد. ما كانش عايزك تشاركي، لكنه اكتشف إن وجودك بيخلي الإشارة أوضح.»
«كنت طفلة.»
«عارفة.»
«وما حدش فكر يسألني؟»
خفضت مريم رأسها.
«ما كانش فيه حد بيسأل في المشروع ده.»
فتحت ملفًا آخر.
ظهر تقرير مؤرخ في 16 أكتوبر 2008، قبل اختفاء الرحلة بيوم واحد.
أظهرت العينة ل.م. استجابة سابقة للحدث بمقدار 47 دقيقة. تكررت الاستجابة ثلاث مرات. لا يمكن تحديد ما إذا كانت العينة تتذكر الحدث أم تتلقى أثرًا منه.
قالت ليلى:
«سبع وأربعين دقيقة.»
«أيوه.»
«نفس الوقت اللي الطائرة قضته جوه الحلقة.»
لم تجب مريم.
تذكرت ليلى الشريط. صوتها طفلة تسأل أباها: «هو إحنا هنرجع تاني؟»
ثم تذكرت شيئًا آخر: قبل أيام من وفاة أبيها، استيقظت في منتصف الليل وهي تبكي. قالت لأمها إنها حلمت بطائرة لا نوافذ لها، وإن أباها يناديها من خلف باب لا تستطيع فتحه.
كانت أمها قد قالت لها إن الأحلام ليست ذكريات.
لكنها لم تكن تعرف أن أمها نفسها كانت قد وقعت على ورقة إقرار سرية تتعلق بالمشروع.
أظهرت مريم الوثيقة التالية.
17 أكتوبر 2008، الساعة 11:46 مساءً. تم تسجيل خروج الطفلة ل.م. من المنشأة.
وبجانب الخانة، توقيع حسن منصور.
ثم ظهرت وثيقة أخرى، مؤرخة في اليوم نفسه، الساعة 11:48.
تم تسجيل دخول الطفلة ل.م. إلى المنشأة.
حدقت ليلى في الوقتين.
«إزاي خرجت ودخلت في دقيقتين؟»
قال نادر من خلفها:
«دي أول مرة اتسجل فيها رجوعك.»
«أول مرة؟»
أومأ.
«فيه تسجيل تاني، بعد سبع وأربعين دقيقة.»
فتحت مريم الملف الأخير.
التاريخ نفسه. الساعة 12:35 بعد منتصف الليل.
تم تسجيل خروج الطفلة ل.م. للمرة الثانية. لا توجد ملاحظات عن الحالة الجسدية أو الذاكرة.
لم تعد ليلى قادرة على الجلوس.
«أنا رجعت مرتين؟»
قالت مريم: «السجلات بتقول كده.»
«طب أنا كنت فين بين المرتين؟»
لم يجب أحد.
وفجأة، ظهر إشعار على الشاشة.
ملف جديد تم استلامه.
لم تضغط مريم عليه.
فُتح الملف تلقائيًا.
كان تسجيلًا مصورًا لحسن منصور، جالسًا أمام الكاميرا، متعبًا، وعلى جبينه جرح حديث.
«لو التسجيل ده وصل لليلى، يبقى أنا فشلت في منع الحلقة من إنها تبدأ. لازم تعرفي إن اللي حصل لكِ ما كانش حادثًا عاديًا. إحنا حاولنا نعيد التجربة، لكن الجهاز استجاب لإشارة جاية من المستقبل. إشارة صوتية بصوتك.»
توقف حسن، ونظر إلى شيء خارج إطار الكاميرا.
«نادر فاكر إنه يقدر يتحكم في الجهاز. ومريم فاكرة إنها تقدر تدفن اللي حصل. الاتنين غلطانين.»
اقترب من الكاميرا.
«يا ليلى، لو شوفتي الطفلة اللي شبهك، ما تروحيش معاها. دي مش نسخة منك، ومش شبح. دي اللحظة اللي اتقسمتي فيها إلى طريقين.»
انطفأت الصورة.
ظهر سطر أخير على الشاشة:
النسخة الأصلية محفوظة في المقصورة. المقعد 23A.
رفعت ليلى رأسها.
«أنا لازم أرجع للطائرة.»
قالت مريم: «الطائرة مش موجودة.»
«لكن الباب موجود.»
«الباب مش بيؤدي لنفس المكان كل مرة.»
قالت ليلى:
«يبقى لازم نعرف المكان اللي بيؤدي له.»
وعندها، سمعوا من خلف الجدار صوتًا جديدًا.
صوت محرك طائرة يستعد للإقلاع.
الفصل الثامن: سجل الوفاة
قبل أن يفتحوا الباب مرة أخرى، طلبت ليلى ملف وفاة أبيها.
كانت تعرف أنها لن تحصل على إجابة من نادر أو مريم ما لم تجد شيئًا لا يستطيعان تفسيره بالكلام.
في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى الأرشيف المركزي الذي احتفظ بسجلات الحوادث القديمة. استغرق الأمر ساعات حتى وجدت الوثيقة التي تحمل اسم حسن منصور.
تاريخ الوفاة: 18 أكتوبر 2008.
سبب الوفاة: حادث مروري.
مكان الوفاة: طريق القاهرة ـ الإسكندرية الصحراوي.
كانت تعرف القصة جيدًا. حادث سيارة ليلًا، احتراق شديد، والتعرف على الجثمان من خلال مقتنيات شخصية.
لكن شيئًا لم يكن منطقيًا.
تقرير الحادث أُعد الساعة 2:15 صباحًا، بينما سجل المستشفى وصول الجثمان الساعة 1:42.
وفي خانة الطبيب الذي أكد الوفاة، كان هناك توقيع.
الدكتور نادر فؤاد.
لم يكن طبيبًا.
كانت هذه أول ثغرة لا تحتاج إلى نظرية زمنية لتفسيرها. أحدهم زوّر الوثيقة.
طلبت ملف الحادث الأصلي، فقيل لها إنه نُقل إلى أرشيف أمني خاص بعد إغلاق التحقيق. لكن موظفًا مسنًا تذكر أن نسخة من الصور بقيت في ملف جانبي.
أخرج لها ظرفًا مغبرًا.
في الصورة الأولى، سيارة محترقة على جانب الطريق.
في الثانية، رجال الإنقاذ يحيطون بجثمان مغطى.
أما الصورة الثالثة، فكانت لرجل يقف بعيدًا عن الحادث، يرتدي معطفًا رماديًا.
نادر فؤاد.
وفي يده حقيبة معدنية.
كبّرت ليلى الصورة بكاميرا هاتفها. على الحقيبة شعار مشروع العتبة.
ظهر خلف نادر انعكاس وجه آخر في زجاج سيارة الإنقاذ.
وجه حسن منصور.
لم يكن في الصورة شخص يشبهه فحسب. كان يحمل الجرح نفسه الذي رأته في تسجيله.
على ظهر الصورة، كُتبت عبارة بخط يدوي:
الجثمان لا يطابق هوية المتوفى. تنفيذ الخطة البديلة.
وفي أسفل الظرف، وجدت ليلى قصاصة ورق صغيرة.
لا تبحثي عن الرجل الذي مات. ابحثي عن الرجل الذي عاد إلى الطائرة.
اتصلت بمريم.
«أنا لقيت دليل إن تقرير وفاة أبويا مزور.»
قالت مريم: «كنت متوقعة.»
«إنتِ كنتِ عارفة؟»
«كنت عارفة إن الجثمان ما اتعرفش عليه بشكل قاطع.»
«وسكتي؟»
«لأن حسن طلب مني.»
«ليه؟»
«لأنه كان خايف إنهم يوصلوا لكِ.»
«مين هم؟»
«الناس اللي موّلوا المشروع. نادر ما كانش صاحب القرار الوحيد.»
سكتت ليلى قليلًا.
«مريم، إنتِ قلتي إن الطفلة اللي جوه الباب نادتك. إنتِ تعرفيها؟»
لم ترد مريم فورًا.
ثم قالت:
«أيوه. قابلتها قبل اختفاء الطائرة.»
«إزاي؟»
«لأنني كنت مسؤولة عن مراقبتها.»
«مراقبتها؟»
«ليلى، فيه حاجة ما قلتهاش لكِ. في الليلة دي، كان فيه تسجيل خروج واحد لطفلة من المنشأة، لكن فيه شخصين دخلوها.»
«شخصين؟»
«إنتِ، وطفلة تانية ما كانش ليها أي سجل ميلاد.»
أغلقت ليلى عينيها.
«توأم؟»
«ما نعرفش.»
«إنتِ بتقولي إن فيه بنت تانية كانت موجودة؟»
«أنا بقول إن الكاميرات سجلت طفلتين بوجه واحد. واحدة خرجت مع حسن. والتانية اختفت قبل ما تبدأ التجربة.»
سألت ليلى:
«وأي واحدة فيهم أنا؟»
قالت مريم بصوت خافت:
«ده السؤال اللي محدش قدر يجاوب عليه.»
انتهت المكالمة.
عادت ليلى إلى الصورة الثالثة. قلبتها مرة أخرى، ووجدت كتابة صغيرة على الحافة، لم تنتبه إليها من قبل:
23A ليس رقم مقعد. إنه رقم العينة.
وفي اللحظة نفسها، وصلتها رسالة من رقم مجهول:
«لو عايزة تعرفي أنهي واحدة فيهم إنتِ، ارجعي للمكان اللي اتولد فيه الصوت.»
ثم إحداثيات لموقع مهجور في أطراف القاهرة.
كانت تلك بداية الطريق إلى المختبر القديم.
الفصل التاسع: المختبر الأخير
كان المبنى أشبه بمخزن مهجور. نوافذه مسدودة بألواح معدنية، وبابه الخارجي يحمل آثار حريق قديم.
وصلت ليلى قبل الغروب، ومعها نسخة من المفتاح النحاسي. لم تخبر نادر، ولم تخبر مريم. لم تعد تعرف من يمكنها الوثوق به.
وجدت القفل الذي يطابق المفتاح في باب جانبي تحت درج إسمنتي.
دار المفتاح بسهولة.
في الداخل، كانت رائحة الغبار والمواد الكيميائية لا تزال عالقة في الهواء. امتد ممر طويل إلى غرفة زجاجية، وفي نهايته لوحة كهربائية تحمل الشعار ذي الخطوط الثلاثة.
شغّلت مصباح هاتفها.
ظهرت على الجدران أرقام وتواريخ، بعضها ممسوح، وبعضها مكتوب بعناية.
11:47.
47 دقيقة.
23A.
وفي وسط الغرفة، جهاز دائري تحيط به حلقات معدنية، موصول بمسجل قديم.
وضعت ليلى الشريط في المسجل.
انطلق صوتها وهي طفلة:
«بابا، هو إحنا هنرجع تاني؟»
ثم صوت حسن:
«لو رجعنا، مش هنرجع كلنا.»
انقطع التسجيل.
ظهر ضوء أحمر صغير على الجهاز.
ثم سُمعت نقرة.
ونقرة ثانية.
وثالثة.
انفتح درج صغير أسفل لوحة التحكم، وفيه دفتر أبيض كتب على غلافه:
ملاحظات حسن منصور — النسخة التي لا يجب أن توجد.
فتحت ليلى الدفتر.
كانت الصفحات الأولى شرحًا تقنيًا لتجارب الإشارة. لكن الصفحات الأخيرة كُتبت بخط متعجل.
اكتشفنا أن الجهاز لا يستقبل المستقبل كله. يستقبل أثرًا محدودًا من حدث لم يكتمل بعد. عندما يتكرر الأثر بما يكفي، يبدأ النظام في البحث عن مصدره.
كانت ليلى المصدر الأكثر استقرارًا.
لم نعرف إن كانت ترسل الإشارة أم تستقبلها.
في الاختبار الأخير، سمعنا صوتها قبل أن تتحدث.
ثم صفحة أخرى:
إذا عادت الرحلة، فهذا لا يعني أن التجربة نجحت. يعني أن السبب اكتمل.
توقفت ليلى عند الجملة الأخيرة.
لقد صنعتُ جهازًا يستمع إلى المستقبل، ثم حاولتُ منع المستقبل من الإجابة.
في آخر الدفتر، وجدت مخططًا لمقصورة الرحلة 714. كان المقعد 23A محاطًا بدائرة حمراء، وخلفه باب لا يظهر في أي مخطط رسمي.
كتبت بجانبه ملاحظة:
لا يوجد باب فعلي هنا. ما يظهر هو امتداد للمكان الذي يستجيب للإشارة. لا يفتح بالمفتاح وحده، بل بوجود الشخص الذي يحمل ذاكرة الحدث.
كانت هناك ورقة أخرى ملتصقة بالغلاف.
إذا وصلت ليلى إلى المختبر، فمعنى ذلك أن التسجيل وصل إليها. لا تحاولوا كسر الحلقة. كسرها بالقوة قد يمحو كل ما خرج منها، بما في ذلك الأشخاص الذين لم يعودوا إلى زمنهم.
سمعت ليلى صوتًا خلفها.
«كان المفروض ما توصليش هنا.»
استدارت.
كان نادر واقفًا عند الباب.
«إنت بتراقبني؟»
«بحاول أحميكِ.»
ضحكت بمرارة.
«كل واحد بيكدب عليّ بيقول إنه بيحميني.»
اقترب نادر من الجهاز.
«حسن كان عايز يوقف التجربة، لكن لما اكتشف إن الإشارة مرتبطة بيكِ، خاف إن تعطيل الجهاز يقطع الطريق اللي ممكن يرجعكِ من خلاله.»
«يرجعني منين؟ أنا قدامك.»
«من الجزء اللي اختفى منكِ.»
رفعت الدفتر.
«فيه طفلة تانية.»
أطرق نادر رأسه.
«أيوه.»
«مين هي؟»
«مش عارف.»
«إنت كنت مدير المشروع!»
«كنت مديره، لكن في الليلة دي، فقدنا السيطرة على النظام. سجلنا خروجكِ من الغرفة، وبعد سبع وأربعين دقيقة سجلنا دخولكِ مرة تانية. لكن كاميرات الممر أظهرت إن الطفلة اللي دخلت ما كانتش هي الطفلة اللي خرجت.»
«يعني أنا نسخة؟»
«ما نعرفش. يمكن تكوني نفس الطفلة، لكن ذاكرتك اتغيرت. يمكن تكوني رجعتي من مسار مختلف. ويمكن يكون الجهاز سجّل حدثين متطابقين في لحظتين مختلفتين.»
«إنتوا بتقولوا أي حاجة علشان ما تعترفوش إنكم ما تعرفوش.»
قال نادر: «دي الحقيقة الوحيدة اللي أقدر أضمنها.»
تقدم إلى لوحة التحكم وأطفأ المفتاح الرئيسي.
اختفت الأضواء.
لكن الجهاز ظل يعمل.
ومن داخل الحلقة المعدنية، جاء صوت آدم شاهين:
«برج المراقبة، هنا الرحلة 714. هل تسمعونني؟»
ثم صوت آخر، صوت حسن:
«ليلى، لو وصلتي إلى هنا، لازم تسمعي التسجيل كاملًا.»
ظهر على المسجل مؤشر أحمر.
بدأ تشغيل ملف لم يكن موجودًا قبل لحظات.
وفيه قال حسن:
«أنا الراكب رقم 187. وأنا اللي ساعدت الطائرة تختفي.»
الفصل العاشر: اعتراف الراكب رقم 187
جلست ليلى أمام المسجل.
ظهر حسن في الصورة مرتديًا زيًا فنيًا، وخلفه جدار معدني يشبه جدران الطائرة.
«أنا حسن منصور. المهندس المسؤول عن جهاز التزامن في الرحلة 714. لو حد بيشوف التسجيل ده، يبقى أنا فشلت في إيقاف التجربة.»
توقف، ثم أكمل:
«في البداية، كان الجهاز بيستقبل إشارات قصيرة من أوقات لاحقة. صوت، رقم، جملة ناقصة. لكن لما نقلنا الجهاز إلى الطائرة، اتغيرت النتائج. الجهاز ما بقاش يستقبل إشارات بس. بدأ يربط بين حدثين، ويكرر اللحظة اللي بيحصل فيها التداخل.»
ظهرت على الشاشة صورة للطائرة وهي تتحرك على المدرج.
«نادر قال إننا نقدر نسيطر على التجربة. أنا صدقته. لكن قبل الإقلاع، اكتشفت إن الجهاز اتعدل من غير علمي، وإن فيه بيانات اتزرعت داخله علشان تُنقل خلال الرحلة. البيانات دي كانت دليلًا على عمليات غير قانونية، وكان فيه ناس مستعدين يضحوا بالطائرة كلها علشان تختفي.»
تنفس حسن ببطء.
«حاولت أفصل الجهاز، لكنه كان قد بدأ يستقبل إشارة من مصدر خارج الزمن الطبيعي. الإشارة كانت بصوت ليلى.»
تغيرت الصورة.
ظهرت شاشة تسجيل عليها موجة صوتية.
«ما كنتش فاهم ليه بنتي بتكلمني من لحظة لسه ما حصلتش. وبعدها فهمت إن الجهاز مش بيخلق المستقبل، لكنه بيجبر الحدث على إنه يكرر نفسه لحد ما الإشارة تلاقي مصدرها.»
ثم انخفض صوته.
«أنا دخلت الطائرة تحت هوية فنية. اسمي ما كانش ضمن قائمة الركاب. علشان كده، لما اتعدّ الركاب، كانوا 186. لكن الحقيقة إن فيه 187 شخصًا على متن الرحلة.»
رفعت ليلى يدها إلى فمها.
«أنا حاولت أوقف الجهاز عند 11:47. لكن في اللحظة اللي قطعت فيها الطاقة، اختفت الطائرة من العالم الخارجي. جوه الحلقة، الوقت ماشي بشكل مختلف. كل محاولة للخروج كانت بتعيدنا إلى نفس اللحظة.»
نظر حسن مباشرة إلى الكاميرا.
«يا ليلى، لو سمعتي صوتي من وراء الباب، ما تفتكريش إن ده معناه إني واقف في الناحية التانية. الإشارة ممكن تحمل صوتي، وممكن تحمل ذكرياتي، وممكن تحمل نسخة من لحظة عشتها. لكن مش كل صوت دليل على وجود صاحبه.»
توقف التسجيل للحظة، ثم عاد.
«فيه حاجة أخطر. لما حاولت أوقف الجهاز، سجل النظام إشارة صوتية منكِ. الإشارة دي هي اللي سمحَت للطائرة إنها ترجع. ما كنتش عارف مصدرها وقتها. دلوقتي عرفت.»
ظهرت على الشاشة صورة لليلى وهي طفلة داخل المختبر.
«أنا آسف.»
أغمض حسن عينيه.
«لو رجعتي للمكان اللي بدأت فيه التجربة، هتلاقي إنك كنتِ بتحاولي تنقذيني. لكنك ما كنتيش تعرفي إن محاولتك هي اللي هتخليني أختفي.»
انتهى التسجيل.
لم تبكِ ليلى.
كانت الحقيقة أكبر من الدموع.
سألت نادر:
«هل أبويا عايش؟»
قال: «مش عارف.»
«هل هو جوه الطائرة؟»
«مش عارف.»
«هل ممكن يرجع؟»
نظر إلى الجهاز الذي ظل مضاءً رغم فصل الطاقة.
«لو رجعت الطائرة، ممكن نعرف.»
«وإنت عايز ترجعها؟»
«أنا عايز أنهي اللي بدأناه.»
«حتى لو اختفى ناس تانيين؟»
لم يجب.
أخذت ليلى الدفتر والشريط، ثم اتجهت إلى الباب.
قال نادر: «لو خرجتي دلوقتي، هتضيعي آخر فرصة للوصول إليه.»
توقفت.
«إنت مش عايز ترجع أبويا. إنت عايز ترجع الملفات اللي على الجهاز.»
تغير وجه نادر.
كان ذلك كافيًا.
«البيانات اللي كانت على الطائرة، لسه موجودة؟»
«ممكن.»
«وده سبب إنك مستعد تفتح الحلقة من جديد.»
«لو ظهرت البيانات، هنقدر نثبت مين كان مسؤولًا عن المشروع.»
«وتبرئ نفسك.»
لم ينكر.
قالت ليلى: «مش هساعدك.»
خرجت من المختبر.
لكن قبل أن تغلق الباب، سمعت صوت أبيها مرة أخرى:
«ليلى... ما تسيبيش مريم تدخل الطائرة.»
ثم صوت طلقة.
الفصل الحادي عشر: اعتراف مريم
وجدت مريم تنتظرها خارج المختبر.
كانت تحمل ضمادة حول يدها، ووجهها شاحبًا.
«نادر وصل قبلي؟»
لم تجب ليلى.
قالت مريم: «إذن شفتِ التسجيل.»
«أيوه.»
«وعرفتي إنه كان على الطائرة.»
«وعرفت إنكم كلكم كدبتوا عليّ.»
خفضت مريم عينيها.
«أنا كمان كذبت.»
«ليه؟»
«لأني كنت خايفة.»
جلست على حافة الرصيف، وأخرجت من حقيبتها بطاقة ذاكرة صغيرة.
«دي آخر نسخة من كاميرات المختبر.»
شغلتها ليلى على هاتفها.
ظهرت غرفة الاختبار، وفيها حسن يقف أمام الجهاز. بجانبه طفلة ترتدي فستانًا أبيض.
ثم ظهرت طفلة ثانية في آخر الغرفة.
لم تكن صورة منعكسة. كانت طفلة أخرى، تقف وحدها أمام الباب.
تحركت الأولى نحو حسن.
أما الثانية فظلت تنظر إلى الكاميرا.
ثم رفعت يدها وأشارت إلى العدسة، كأنها تعرف أن أحدًا سيشاهد التسجيل بعد سنوات.
تقدمت مريم في الصورة، وكانت أصغر سنًا. أمسكت بالطفلة الأولى وأخرجتها من الغرفة.
بقيت الثانية وحدها.
انطفأت الأنوار.
عندما عادت، لم تكن الطفلة موجودة.
قالت ليلى: «إنتِ أخرجتيني؟»
«أخرجت الطفلة اللي قال حسن إنها إنتِ.»
«والتانية؟»
«اختفت.»
«إنتِ وعدتيها إنك ما تسيبيهاش.»
أومأت مريم.
«كانت بتكلمني كل ليلة من خلال جهاز الاتصال. كانت تقول إنها لوحدها، وإنها عايزة ترجع. وبعد فترة، بدأت أسمع صوتها في تسجيلات ما سجلناهاش.»
«ليه ما قلتوش الحقيقة؟»
«لأننا ما كناش عارفين أنهي واحدة فيكم خرجت.»
«لكنكم سجلتم اسمي على الاتنين.»
«نادر هو اللي أمر بتعديل السجلات. كان عايز يخفي إن التجربة أنتجت مسارًا ثانيًا.»
«مسارًا ثانيًا؟»
«ما نعرفش إذا كانت طفلة تانية فعلًا، أو إن الجهاز فصل حدثًا واحدًا إلى صورتين. لكن التسجيلات أثبتت إن فيه صوتًا ظل داخل الحلقة.»
نظرت ليلى إلى مريم.
«وإنتِ فاكرة إن البنت دي لسه جوه الطائرة.»
«أيوه.»
«وأنا؟»
قالت مريم:
«أنا فاكرة إنك رجعتي. لكني مش متأكدة إن الرجوع كان كاملًا.»
ظلت ليلى صامتة.
ثم سألت: «إيه اللي حصل لأمي؟»
أخرجت مريم ورقة مطوية.
كانت رسالة من والدة ليلى، مكتوبة قبل وفاتها بأشهر.
إذا سألت ليلى عن الليلة دي، قولوا لها إني ما كنتش أعرف الحقيقة كاملة. حسن قال لي إن بنتي رجعت. وأنا صدقته، لأني كنت محتاجة أصدقه.
لكن في أول ليلة بعد رجوعها، صحيت ولقيتها واقفة قدام باب الشقة، بتكلم حد مش موجود.
كانت بتقول: «مش دلوقتي. لازم أرجع في الوقت الصح.»
لما سألتها بتكلم مين، بصت لي وقالت: «بكلم نفسي يا ماما.»
توقفت ليلى عن القراءة.
كانت تتذكر تلك الليلة.
كانت تتذكر أنها وقفت عند الباب، وأن أمها أمسكت بها وأعادتها إلى السرير.
لكنها لم تتذكر الجملة.
أعادت الرسالة إلى مريم.
«إنتِ عايزة ترجعي الطائرة؟»
قالت مريم: «عايزة أطلع اللي جوه منها.»
«وأبويا؟»
«لو كان موجودًا، هنحاول نرجعه.»
«والطفلة؟»
لم تجب مريم.
قالت ليلى: «مش هسيب حد تاني جوه.»
ثم فتحت دفتر حسن عند الصفحة الأخيرة.
كانت هناك تعليمات مختصرة لتشغيل الجهاز من خلال ثلاثة أصوات متتابعة، يفصل بينها سبع وأربعون ثانية.
وفي الهامش، كتب حسن:
الإشارة الأخيرة يجب أن تأتي من المصدر نفسه الذي أرسل الإشارة الأولى.
قالت ليلى:
«المصدر هو أنا.»
أومأت مريم.
«علشان كده الطائرة رجعت لما وصلتي.»
«لأ. الطائرة ما رجعتش لسه. اللي رجع هو الباب.»
نظرتا إلى بعضهما.
كان أمامهما وقت قليل قبل أن يعيد الجهاز فتح المسار.
وللمرة الأولى، اتفقتا على شيء واحد:
لن تتركَا الحقيقة داخل الطائرة.
الفصل الثاني عشر: الرحلة التي لم تقلع
في الساعة 11:20 مساءً، عادتا إلى المطار.
كان نادر قد اختفى من المختبر، لكنه ترك خلفه سيارة وبطاقة دخول إلى منطقة الصيانة. استخدمتها مريم للوصول إلى البوابة الشرقية.
لم يكن هناك باب معدني هذه المرة.
كانت هناك طائرة تقف على المدرج البعيد.
بيضاء، بلا أضواء ملاحة، وعلى ذيلها شعار شركة الطيران القديم.
الرقم 714 واضح تحت الجناح.
قالت ليلى: «دي هي.»
قالت مريم: «الطائرة رجعت قبل ما حد يشوفها.»
اقتربتا من السياج. لم تظهر الطائرة على الشاشات القريبة، ولم يكن هناك أي صوت لمحركاتها.
لكن عندما رفعت ليلى هاتفها، ظهر على الشاشة اتصال وارد من رقم مجهول.
أجابت.
«ليلى منصور؟» قال صوت رجل.
«مين؟»
«آدم شاهين. قائد الرحلة 714.»
تجمدت.
«إنت فين؟»
«في القمرة. إحنا بنحاول نهبط.»
«الطائرة على الأرض بالفعل.»
«لأ. إحنا لسه في الجو.»
نظرت ليلى إلى المدرج. الطائرة كانت أمامها، ثابتة، كأنها صورة لا تتحرك.
قال آدم: «البرج بيقول إن المدرج فاضي. لكن أنا شايفه. شايف الأضواء والبوابة.»
«إنت شايف طيارة تانية.»
«إحنا بنشوف نفس الطيارة.»
ثم جاء صوت كريم ناصر في الخلفية:
«كابتن، الساعة رجعت 11:47.»
سمعت ليلى صوت الإنذار.
قال آدم: «ليلى، لو إنتِ فعلًا موجودة، لازم تقولي لنا إيه اللي ورا الباب.»
لم تجب.
سأل آدم: «هل أبوكي معاكي؟»
قالت: «لأ.»
«إذن لسه ما وصلناش للنقطة الأخيرة.»
انقطع الاتصال.
تحركت الطائرة على المدرج، لكن عجلاتها لم تلمس الأرض. كانت تنزلق فوقه بصمت، ثم بدأت تتلاشى من المقدمة إلى المؤخرة.
قالت مريم: «الإشارة بتضعف.»
«إزاي نثبتها؟»
«لازم مصدرها يرسل النغمة الكاملة.»
«أي نغمة؟»
أخرجت مريم جهاز تسجيل صغيرًا.
«النغمة اللي سجلتيها وإنتِ طفلة. حسن كان بيستخدمها لمزامنة الجهاز.»
«أنا ما سجلتش أي نغمة.»
«لكن صوتك موجود في الأرشيف.»
شغلت مريم التسجيل.
ثلاث نقرات، ثم نغمة قصيرة، ثم صوت طفلة تقول:
«أنا جاهزة.»
كانت ليلى تسمع التسجيل لأول مرة، ومع ذلك شعرت أنها تعرف متى ستأتي كل نقرة.
أغمضت عينيها.
ثلاث نقرات.
نغمة.
«أنا جاهزة.»
فتحت عينيها.
«دي مش نغمة عادية. دي صوتي لما كنت بقلد صفارة الجهاز.»
«ممكن.»
«ولو أرسلناها، الطائرة هترجع؟»
«ده اللي حصل قبل كده.»
«ومين أرسلها قبل كده؟»
لم تجب مريم.
كانت الإجابة واضحة الآن، لكنها لم ترد أن تقولها بصوت مرتفع.
فتحت ليلى دفتر حسن مرة أخرى. تحت التعليمات، وجدت سطرًا لم تره من قبل، مكتوبًا بحبر مختلف:
لا ترسلي الإشارة لتعيدي الطائرة. أرسليها لتفتحي الطريق إلى مصدرها.
قالت ليلى:
«إحنا مش هنكرر التجربة.»
«إذن هنعمل إيه؟»
نظرت إلى الطائرة التي بدأت تظهر من جديد.
«هنعرف مين اللي جوه.»
وفجأة، انطلقت أضواء المدرج كلها دفعة واحدة.
ظهر على شاشة هاتف ليلى تسجيل صوتي جديد.
عنوانه:
النداء الأخير — النسخة الأصلية.
الفصل الثالث عشر: المقصورة 23A
لم يكن هناك وقت لاستدعاء أحد.
ظهر الباب المعدني عند نهاية ممر الصيانة، هذه المرة مفتوحًا على مصراعيه. خلفه امتد ممر الطائرة، مضاءً بأضواء خافتة.
دخلت ليلى أولًا، وتبعتها مريم.
كان الهواء باردًا، والمقاعد خالية. فوق كل مقعد، ساعة صغيرة تعرض الوقت نفسه:
11:47.
تقدمتا حتى الصف الثالث والعشرين.
كان المقعد 23A مشغولًا.
جلست الطفلة ذات الفستان الأبيض، واضعة الحقيبة المدرسية على ركبتيها.
قالت ليلى: «إنتِ مين؟»
رفعت الطفلة رأسها.
«إنتِ عارفة.»
«أنا ليلى منصور.»
«وأنا كمان.»
«إزاي؟»
نظرت الطفلة إلى المقعد المجاور.
«لأنك خرجتي، وأنا فضلت.»
جلست ليلى أمامها.
«إنتِ حقيقية؟»
«إنتِ حقيقية؟»
لم تجد ليلى ردًا.
قالت الطفلة: «أنا فضلت أسمع صوتك كل ليلة. كنتِ بتكبري، وكنتِ بتنسي. وأنا كنت فاكرة كل حاجة.»
«فاكرة إيه؟»
«إن بابا وعدنا إنه هيرجع.»
«هو فين؟»
أشارت الطفلة إلى باب قمرة القيادة.
«هناك.»
وقفت مريم فجأة.
«ما تروحيش وراها.»
لكن ليلى كانت قد رأت شيئًا على معصم الطفلة.
سوارًا يحمل الرقم 23A.
رفعت كمها، ونظرت إلى معصمها هي.
لم يكن هناك سوار.
لكن تحت جلدها، عند الرسغ، ظهر أثر رفيع على شكل ثلاثة خطوط.
ثلاثة خطوط متوازية.
قالت الطفلة: «إنتِ أخدتي معاكِ كل حاجة إلا الذكرى.»
«إنتِ اللي جوه الحلقة؟»
«أنا اللحظة اللي ما كملتش.»
ثم مدت يدها.
«تعالي. بابا مستنينا.»
سمعت ليلى صوت حسن من قمرة القيادة.
«ليلى، ما تدخليش.»
نظرت إلى الطفلة.
«إنتِ سمعتيه؟»
«كل يوم.»
«هو عايش؟»
قالت الطفلة:
«في اللحظة اللي اختار فيها يفضل.»
الفصل الرابع عشر: آدم شاهين
عندما دخلت ليلى قمرة القيادة، وجدت آدم شاهين جالسًا في مقعد القائد، يرتدي الزي نفسه الذي ظهر به في الصور القديمة.
كان يبدو أكبر من الصور، لكن ليس بقدر تسع سنوات.
رفع رأسه.
«إنتِ ليلى؟»
«أيوه.»
نظر إلى الساعة.
«إذن أخيرًا وصلنا إلى اللحظة الصحيحة.»
كان كريم ناصر يقف بجانب لوحة الملاحة، يراقب شاشة سوداء لا تعرض إلا رقمًا واحدًا: 47.
قالت ليلى: «إيه اللي حصل للطائرة؟»
أجاب آدم: «حاولنا نرجع إلى المسار الطبيعي. كل مرة كنا بنقترب من الهبوط، كنا نسمع نداءً من البرج. بعده تختفي المدرجات، ونرجع إلى نفس الدقيقة.»
«مين كان بيبعت النداء؟»
«في البداية ما عرفناش. بعدين ظهر صوتكِ.»
«أنا ما كنتش على الطائرة.»
«عارف. لكن صوتكِ كان موجودًا.»
قال كريم: «كنا بنسمعه قبل كل إعادة. نفس الجملة، بنفس التوقيت.»
سألت ليلى: «هل شفتوا أبويا؟»
تبادل الطياران نظرة.
قال آدم: «كان معنا.»
«فين؟»
«حاول يعطل الجهاز من حجرة المعدات. بعد ما فشل، دخل إلى الممر الخلفي وقال إنه لازم ينتظر شخصًا.»
«مين؟»
نظر آدم إلى المقعد 23A.
«قال إنه ينتظر ابنته.»
شعرت ليلى بأن الكلمات تضغط على صدرها.
«أنا ما كنتش هنا.»
قال آدم: «هو كان مقتنع إنك هتوصلي.»
أخرج كريم من درج صغير بطاقة تعريف مهترئة.
حسن منصور — مهندس أنظمة الإشارات.
وتحتها رقم غير رسمي:
187.
قال آدم: «قبل ما يختفي، سلّمنا دي. وقال إن الطائرة مش هتخرج من الحلقة إلا لما تسمع الإشارة من مصدرها الحقيقي.»
«وإيه مصدرها؟»
«صوتكِ.»
رفعت ليلى جهاز التسجيل.
«لو شغلت النغمة، هتخرجوا؟»
قال كريم: «ما نعرفش.»
قال آدم: «لكن فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تختاري.»
فتح سجل الرحلة على الشاشة.
ظهرت بيانات الرحلة من لحظة الإقلاع حتى 11:47.
ثم سجل آخر، لا يحمل أي بيانات طيران.
مصدر الإشارة: مقعد 23A.
هوية المصدر: ليلى حسن منصور.
توقيت الإرسال: قبل بداية الرحلة.
قال آدم:
«التسجيل اللي بنسمعه مش جاي من المستقبل. هو جاي من اللحظة اللي بتتكرر.»
سألت ليلى:
«يعني إيه؟»
أجاب:
«إحنا مش بنستقبل صوتكِ من بكرة. إحنا بنستقبل صوتكِ من نهاية الحلقة، واللي هي بالنسبة لنا لسه ما حصلتش.»
نظرت إلى شاشة الملاحة.
الرقم 47 بدأ يتناقص.
46.
45.
44.
قال كريم: «الوقت بدأ يتحرك.»
ثم انطلق إنذار حاد.
على الشاشة ظهر سطر جديد:
الراكب 187 غير موجود في المقصورة.
وسمعت ليلى صوت أبيها خلفها:
«أنا هنا.»
استدارت.
كان حسن واقفًا عند باب القمرة.
الفصل الخامس عشر: الأب الذي لم يمت
لم تركض ليلى نحوه.
كانت قد تعلمت أن الصوت قد يكون أثرًا، وأن الصورة قد تكون ذكرى، وأن كل شيء داخل الطائرة لا يعني بالضرورة أن صاحبه موجود.
لكن الرجل أمامها كان يحمل الجرح نفسه الذي رأته في التسجيل.
وفي يده المفتاح النحاسي.
قال حسن: «كبرتي.»
لم تستطع منع دموعها.
«إنت أبويا؟»
ابتسم بحزن.
«كنت أتمنى إنك ما تضطريش تسألي السؤال ده.»
اقتربت منه خطوة.
«إنت عايش؟»
«أنا موجود.»
«ده مش جواب.»
نظر إلى الساعة.
«بالنسبة لي، اللي حصل ما كانش تسع سنين. كان أقل من ساعة. لكني عشت كل لحظة منها مرات كثيرة.»
«يعني إنت ما كبرتش؟»
«مش بالطريقة اللي تتخيليها.»
لمسته ليلى.
كان جسده دافئًا.
لم يكن تسجيلًا.
انهارت في حضنه، وبكت كما لم تبكِ منذ وفاة أمها.
ظل يربت على ظهرها، ثم قال:
«أنا آسف.»
ابتعدت عنه.
«ليه ما رجعتش؟»
«حاولت.»
«تسع سنين يا بابا.»
«عارف.»
«كنت فين كل الوقت ده؟»
«في نفس الليلة. كل ما أحاول أوصل للباب، أرجع إلى بداية اللحظة. كأن الطائرة بتعيد نفسها، لكن كل مرة بتفقد جزءًا من الذاكرة.»
«والبنت اللي في المقعد 23A؟»
نظر إلى الممر.
«هي السبب اللي خلاني أستنى.»
«مين هي؟»
«هي الجزء اللي ما قدرتش آخده معايا لما خرجتي أول مرة.»
تراجعت ليلى.
«أنا خرجت من الطائرة قبل اختفائها؟»
قال حسن: «خرجتِ من المختبر.»
«والبنت؟»
«فضلت داخل الإشارة.»
«يعني هي مش إنسانة؟»
تردد حسن.
«ما عنديش إجابة كاملة. اللي أعرفه إن الجهاز سجّل وجودكِ في مكانين في اللحظة نفسها. واحدة خرجت معايا، وواحدة فضلت في اللحظة اللي بدأت فيها التجربة.»
«إذن أنا مين؟»
أمسك بيديها.
«إنتِ بنتي. وده الشيء الوحيد اللي ما شككتش فيه أبدًا.»
«لكن هل أنا اللي خرجت فعلًا؟»
لم يجب.
أخفض رأسه.
«في الليلة دي، كان لازم أختار. إما أوقف الجهاز وأخاطر إننا نفقدكِ، أو أسيبه يعمل وأخاطر إن الحلقة تبتلع الطائرة كلها.»
«واخترتني أنا.»
«أيوه.»
«وسبت الباقيين.»
قال بصوت مكسور: «كنت فاكر إني هقدر أرجع لهم.»
نظرت ليلى إلى الطيارين.
«هل ممكن نخرجهم كلهم؟»
قال حسن: «لو أرسلنا الإشارة الصحيحة.»
«إيه الإشارة الصحيحة؟»
«التسجيل اللي بدأ الحلقة.»
فهمت ليلى.
التسجيل الذي سمعه يوسف قبل اختفاء الطائرة.
صوت امرأة تقول: «إذا كنت تسمعني، فلا تسمح لها بالهبوط.»
قالت: «أنا اللي لازم أسجله.»
أومأ حسن.
«لكن لو سجلتيه، هتكوني السبب في اختفاء الطائرة.»
«ولو ما سجلتوش؟»
«الرحلة هتفضل محبوسة، والإشارة هتبحث عن مصدرها إلى الأبد.»
نظر إليها بعينين متعبتين.
«ما فيش اختيار من غير ثمن.»
الفصل السادس عشر: ملف نادر فؤاد
قبل أن تتمكن ليلى من اتخاذ قرار، انفتح باب القمرة ودخل نادر.
كان يحمل جهازًا صغيرًا متصلًا بحقيبة معدنية.
قال حسن بغضب: «إنت ما كانش المفروض توصل هنا.»
أجاب نادر: «وأنت ما كانش المفروض تفضل حيًا.»
رفع حسن المفتاح النحاسي.
«إنت السبب في كل ده.»
«أنا السبب في التجربة. لكنك أنت اللي نقلت الجهاز إلى الطائرة.»
«لأنك قلت إنك هتوقف استخدامه في نقل البيانات.»
«كان لازم أحمي المشروع.»
ضحكت ليلى بمرارة.
«تحمي المشروع؟ 186 شخصًا اختفوا تسع سنين علشان تحمي مشروعك؟»
قال نادر: «لو سقط المشروع، كانت ملفات أكبر هتظهر. عمليات تهريب بيانات، عقود سرية، أسماء ناس ما كانش المفروض تظهر.»
«فقررت تخفي الطائرة.»
«ما كنتش عايز الطائرة تختفي. كنت عايز الجهاز يعطل الاتصالات لفترة قصيرة. لكن حسن حاول يفصله، والإشارة تضخمت.»
قال حسن: «إنت اللي عدّلت التردد.»
«كنت بحاول أتحكم في النتيجة.»
«إنت كنت بتحاول تتحكم في شيء ما فهمتوش.»
وضع نادر الجهاز المعدني على لوحة التحكم.
«انتهى الكلام. هنرسل الإشارة ونرجع الطائرة. وبعدها هنقدر نثبت كل شيء.»
قالت ليلى: «إنت مش عايز ترجع الناس. إنت عايز تستعيد البيانات.»
لم ينكر.
«البيانات هي الدليل الوحيد على اللي حصل.»
«والدليل على إنك كنت جزءًا منه.»
قال نادر: «لو ما رجعناش الطائرة، الحقيقة هتفضل مدفونة.»
أجابته ليلى: «الحقيقة مدفونة بسببك.»
ضغط نادر زرًا على الجهاز.
بدأت الساعات في المقصورة تتحرك بسرعة.
11:47.
11:46.
11:45.
ثم بدأت تتوقف، واحدة بعد أخرى.
صرخ كريم: «الضغط بيتغير!»
أمسك آدم بمقعده.
قال حسن: «أوقف الجهاز!»
«ما أقدرش.»
«إنت هتكرر الانهيار!»
قال نادر: «أنا هكسر الحلقة.»
أمسكت ليلى بالجهاز وحاولت نزعه من اللوحة.
دفعها نادر بعيدًا.
سقطت على الأرض، لكن يدها أمسكت بالكابل الرئيسي.
سمعت صوت الطفلة من الممر:
«ليلى، ما تخليهوش يعمل كده.»
ثم ظهر صوت آخر، صوت مريم عبر جهاز الاتصال:
«ليلى! التسجيل عندك؟ لازم ترسلي الإشارة الآن!»
نظرت إلى حسن.
«لو أرسلتها، هنقدر نرجع؟»
قال: «مش عارف.»
«ولو ما أرسلتهاش؟»
«هنفقد السيطرة بالكامل.»
نظرت إلى نادر.
كان يحاول تشغيل الجهاز بالقوة، وعيناه مثبتتان على شاشة البيانات.
فهمت ليلى أن الحلقة لم تكن مجرد لغز زمني.
كان هناك بشر اختاروا الكذب، والتلاعب، وإخفاء الأدلة. وكان هناك أشخاص عالقون في نتيجة قرارات لم يتخذوها.
لم يعد بإمكانها الانتظار.
أخرجت جهاز التسجيل.
ثلاث نقرات.
نغمة.
لكنها لم تضغط زر التسجيل بعد.
قال حسن:
«ليلى، لو بدأتي التسجيل، لازم تكمليه. ما ينفعش تقطعي الإشارة في النص.»
«إنت هترجع معايا؟»
نظر إلى المقعد 23A.
«لو رجعت، مش هيرجع كل شيء زي ما كان.»
«أنا مش عايزة كل شيء يرجع زي ما كان. أنا عايزة أرجعك.»
أغمض عينيه.
«وأنا عايزك تعيشي.»
ثم انطفأت كل الأضواء.
وفي الظلام، سمعت ليلى صوتها هي، قادمًا من مكبر الصوت:
«إذا كنت تسمعني، فلا تسمح لها بالهبوط.»
الفصل السابع عشر: الرسالة التي لم تُرسل بعد
لم يكن أمام ليلى سوى أن تفعل الشيء الوحيد الذي ظلت تخشاه.
سجلت صوتها.
«إذا كنت تسمعني، فلا تسمح لها بالهبوط.»
توقفت.
سمعت صوت يوسف في ذاكرتها، وصوت أبيها، وصوت الطفلة.
كان عليها أن تكمل الرسالة التي بدأت قبل تسع سنوات.
«الرحلة 714 ليست طائرة عادية. لا تفتحوا الباب خلف المقعد 23A. لا تحاولوا إيقافها بالقوة.»
ظهرت على الشاشة رسالة:
الإشارة غير مكتملة.
أغمضت عينيها.
ثلاث نقرات.
نغمة.
ثم قالت:
«أنا ليلى حسن منصور. إذا كنت تسمعني، فأنا أرسل هذه الرسالة من نهاية الرحلة. لا تسمحوا للطائرة بالهبوط قبل أن تعرفوا من الراكب رقم 187.»
ظهرت رسالة أخرى:
المصدر متطابق.
بدأت المقصورة تهتز.
قال آدم: «الإشارة وصلت إلى البرج!»
سمعت ليلى صوت يوسف عبر مكبر الصوت، كما سمعته في التسجيل الأول:
«الرحلة 714، برج المراقبة ينادي. هل تسمعني؟»
ثم صوت آدم:
«نسمعك، برج المراقبة.»
قال يوسف: «بياناتكم بتظهر وتختفي. هل تواجهون مشكلة؟»
أجاب آدم: «لدينا خلل في الوقت.»
كانت اللحظة تتكرر أمام عينيها.
الماضي لم يعد ذكرى. كان يحدث من جديد.
قالت ليلى في جهاز التسجيل:
«إذا كنت تسمعني، فلا تسمح لها بالهبوط.»
ظهرت الرسالة الأخيرة:
تم تثبيت الحلقة.
فجأة، توقف اهتزاز الطائرة.
عاد الضوء.
كانت ليلى واقفة في قمرة القيادة، وجهاز التسجيل في يدها.
لكن حسن لم يكن أمامها.
ولا نادر.
ولا مريم.
لم يبقَ سوى آدم وكريم، يحدقان في شاشات الملاحة.
قال آدم: «إيه اللي حصل؟»
نظرت ليلى إلى الساعة.
11:47.
أجابته بصوت مرتجف:
«أنا أرسلت الرسالة.»
قال كريم: «لمن؟»
قبل أن تجيب، ظهر على شاشة الرادار هدفان.
الرحلة 714.
والرحلة 714.
واحدة في السماء.
والأخرى على الأرض.
الفصل الثامن عشر: الطائرة التي عادت فارغة
سمعت ليلى صوتًا بعيدًا يشبه هدير المحركات.
فتحت عينيها.
كانت واقفة على مدرج مطار القاهرة، تحت أضواء بيضاء قاسية. لم يكن هناك باب معدني، ولا ممر، ولا قمرة قيادة.
أمامها، على مسافة قصيرة، كانت الطائرة 714 متوقفة.
انفتح بابها الأمامي.
خرج موظفو المطار، ثم فرق الطوارئ، ثم رجال الأمن.
لم يخرج أحد من الطائرة.
اقتربت ليلى ببطء.
كان جسم الطائرة يحمل آثار خدوش، وعلى أحد الأجنحة خط أسود طويل. لم تكن هناك نوافذ مضاءة، ولم يظهر أي شخص خلف الزجاج.
صعدت السلم.
دخلت المقصورة.
المقاعد كلها فارغة.
لكن على كل مقعد ساعة صغيرة، وكل الساعات متوقفة عند 11:47.
تقدمت إلى الصف الثالث والعشرين.
المقعد 23A كان خاليًا.
على المقعد، وُضعت صورة حديثة لها، وخلفها عبارة:
المرة دي، ما تنقذنيش.
قلبت الصورة.
على ظهرها، بخط أبيها:
لقد فعلتِ ما كان عليكِ فعله. لكن لا تبحثي عني في المكان الذي عدتِ منه.
سمعت خطوات خلفها.
كان يوسف الراوي واقفًا عند مدخل المقصورة.
بدا أكبر سنًا، ووجهه متعبًا، لكنه كان حقيقيًا.
قال: «كنت عارف إنك هترجعي.»
سألته: «الطائرة كانت فين؟»
«على المدرج. ظهرت فجأة، من غير ما يكون فيه أي إشارة على الرادار.»
«والركاب؟»
«ما لقيناش حد.»
«والطيار؟»
«ولا الطاقم.»
نظرت إلى المقاعد الفارغة.
«أنا كنت معاهم.»
قال يوسف: «عارف.»
«إزاي؟»
أخرج جهاز تسجيل قديمًا من جيبه.
«لأننا سمعنا صوتك قبل ما الطائرة ترجع.»
شغل التسجيل.
جاء صوت ليلى واضحًا:
«الرحلة 714، برج المراقبة ينادي. هل تسمعني؟»
تراجعت.
«ده مش صوتي.»
قال يوسف: «كان صوتك في التسجيل.»
«أنا ما قلتش الجملة دي.»
«لكنها موجودة.»
نظرت إلى الجهاز.
كان التوقيت محفورًا على ظهره:
17 أكتوبر 2008 — 11:47 مساءً.
همست:
«أنا اللي أرسلتها.»
أومأ يوسف.
«إذن كنتِ تعرفين إن الطائرة هترجع.»
قالت ليلى: «لأ. كنت أعرف إن لازم أرسل الإشارة. لكني ما كنتش أعرف إيه اللي هيحصل بعدها.»
نظر يوسف إلى المقعد 23A.
«فيه حاجة تانية لازم تشوفيها.»
أخرج من جيبه نسخة من قائمة الركاب الأصلية.
186 اسمًا.
وفي أسفل الصفحة، بخط يدوي مختلف، أضيف اسم:
حسن منصور — مهندس أنظمة الإشارات — الراكب 187.
لم تكن هناك علامة تدل على أنه نزل من الطائرة.
لم تكن هناك علامة تدل على أنه مات.
كان اسمه ببساطة موجودًا، كأنه ما زال في الرحلة.
قال يوسف:
«ليلى، مين كان معاكِ جوه الطائرة؟»
نظرت إلى المقعد الخالي.
«أبويا.»
«هل رجع؟»
لم تستطع الإجابة.
لأنها في تلك اللحظة، سمعت صوتًا خافتًا يأتي من أسفل المقعد.
ثلاث نقرات.
ثم همسة:
«لسه ما خلصناش.»
الفصل التاسع عشر: توقيع بعد الموت
بعد عودة الطائرة، فُتح تحقيق جديد. لكن السلطات لم تعلن أن الرحلة عادت من المستقبل، ولا أن الطائرة كانت محبوسة في حلقة زمنية.
التقرير الرسمي قال إن الطائرة اختفت بسبب خلل مجهول في أنظمة الملاحة، وإن عودتها لا تزال قيد التحقيق.
أما الركاب، فلم يظهر لهم أي أثر.
حاولت ليلى العثور على مريم، لكنها اختفت من المطار. لم يكن اسمها موجودًا في سجل دخول فريق التحقيق، رغم أنها كانت معها قبل ساعات.
بحثت عن نادر فؤاد.
وجدت خبرًا قديمًا يفيد بأنه توفي في حادث سيارة عام 2010.
لكن في ملفات التحقيق الجديدة، ظهر توقيع باسمه بتاريخ اليوم التالي لعودة الطائرة.
كانت الورقة أمرًا بنقل الجهاز التجريبي إلى موقع غير معلن.
في أسفلها، كُتبت جملة بخط يدوي:
لا تسمحوا لليلى بالوصول إلى النسخة الأصلية.
عرفت ليلى الخط.
كان خط نادر.
لكن التاريخ لم يكن منطقيًا. نادر إما اختفى داخل الحلقة، أو مات قبل ستة عشر عامًا.
في المساء، ذهبت إلى منزل أبيها القديم.
كانت الشقة مغلقة منذ سنوات، لكنها وجدت الباب مفتوحًا.
في غرفة المكتب، كانت الأوراق مبعثرة، وعلى الطاولة جهاز تسجيل صغير.
ضغطت زر التشغيل.
جاء صوت مريم:
«ليلى، لو بتسمعي التسجيل ده، يبقى نادر فشل في الوصول إلى الجهاز قبلنا. أنا ما كنتش صادقة معاكِ من البداية. فيه سبب يخليهم كلهم يحاولوا يمنعوكِ من فتح الباب.»
توقفت مريم لحظة.
«الطفلة اللي فضلت جوه الحلقة ما كانتش نسخة منكِ. كانت أنتِ، قبل ما تخرجي.»
انقطع التسجيل.
ثم عاد بعد ثوانٍ.
«واللي خرجت مع حسن... ما كانتش الطفلة اللي دخلت المختبر.»
تجمدت ليلى.
أعادت المقطع.
مرة.
مرتين.
ثلاثًا.
لم يكن هناك تفسير واضح.
هل كانت مريم تقول إن ليلى الحالية هي الطفلة التي بقيت داخل الحلقة؟ أم أن الطفلة التي خرجت كانت هي الأصل، وأن ما بقي مجرد أثر؟
فتحت الدفتر الذي أخذته من المختبر. وجدت في الصفحة الأخيرة ملاحظة جديدة لم تكن موجودة من قبل:
لا يمكن تحديد هوية الشخص من خلال ذاكرته وحدها. الجهاز يكرر الصوت والصورة، لكنه لا يثبت استمرارية الوعي.
وتحتها:
إذا عادت ليلى، فلا تسألوها من تكون. اسألوها ما الذي تتذكره قبل العودة.
أغلقت ليلى الدفتر.
كانت تتذكر أباها.
تتذكر أمها.
تتذكر بيتها.
لكنها لم تعد تعرف إن كانت تلك الذكريات دليلًا على أنها عاشت تلك الحياة، أم مجرد ذاكرة انتقلت إليها مع الإشارة.
رن الهاتف.
رسالة من رقم مجهول:
«تعالي إلى برج المراقبة. يوسف وجد التسجيل الكامل.»
ذهبت فورًا.
كان يوسف ينتظرها في الغرفة التي شهدت النداء الأول.
على الشاشة، ظهرت موجة صوتية طويلة، مدتها سبع وأربعون دقيقة.
قال يوسف: «ده التسجيل الكامل اللي وصلنا ليلة الاختفاء. مش مجرد تحذير. فيه صوتين متداخلين.»
شغل التسجيل.
الصوت الأول كان صوت ليلى:
«إذا كنت تسمعني، فلا تسمح لها بالهبوط.»
أما الصوت الثاني، فكان صوت رجل.
صوت حسن منصور.
قال:
«إذا كانت ليلى تسمعني، فلا تسمح لها بالعودة.»
الفصل العشرون: ما وراء الإشارة
أعاد يوسف التسجيل من البداية.
«الصوت الأول كان واضحًا عندنا ليلة الاختفاء. الصوت الثاني ما ظهرش إلا بعد عودة الطائرة.»
قالت ليلى: «يعني أبويا بيحذرني من الرجوع؟»
«أو بيحذر شخصًا تانيًا من رجوعكِ.»
نظرت إلى الشاشة.
«إزاي نعرف؟»
أشار يوسف إلى التوقيت.
«الصوت الأول اتسجل الساعة 11:47، لكن الصوت الثاني يحمل توقيتًا مختلفًا. الجهاز سجله قبل النداء الأول بثلاث ثوانٍ.»
«قبل النداء؟»
«أيوه.»
قالت ليلى: «إذن الرسالة الثانية وصلت قبل الأولى.»
أومأ يوسف.
«وده معناه إن التسجيل مش شريطًا واحدًا. دي إشارتان اتداخلتا من لحظتين مختلفتين.»
طلبت نسخة من التسجيل، ثم أخذته إلى مختبر صوتيات مستقل.
بعد ساعات من التحليل، ظهرت نتيجة غير متوقعة.
الصوت الثاني لم يكن صوت حسن وحده.
كان هناك صوت ثالث، منخفض جدًا، يكاد يختفي تحت التشويش.
صوت امرأة تقول:
«الراكب رقم 187 ليس حسن منصور.»
أعادت ليلى التسجيل مرارًا.
«الراكب رقم 187 ليس حسن منصور.»
ثم جملة أخرى:
«الاسم الحقيقي هو ليلى حسن منصور.»
شعرت ليلى أن الغرفة تدور حولها.
كان حسن على متن الطائرة، نعم. لكن الرقم 187 لم يكن مجرد رقم إضافي. كان عنوانًا لمصدر الإشارة.
ربما كان حسن هو الراكب الذي أُخفي من القائمة، لكن النظام سجّل ليلى بوصفها الراكب الإضافي، لأنها كانت جزءًا من الحدث حتى حين لم يكن جسدها على متن الطائرة.
اتصلت بمريم، فوجدت هاتفها مغلقًا.
اتصلت بنادر، فلم يرد.
عادت إلى التسجيل.
في آخر ثلاث ثوانٍ، سمعت صوتًا آخر.
صوت طفلة تقول:
«أنا جاهزة.»
النغمة نفسها.
العبارة نفسها.
لكن هذه المرة، تبعها صوت حسن:
«لا. مش لسه.»
ثم صوت ليلى، وهي أكبر سنًا:
«لازم أرجع.»
انتهى التسجيل.
وضعت ليلى السماعات على الطاولة.
كانت الحقيقة تتشكل، لكنها لم تكن مكتملة.
لو كانت هي مصدر الإشارة، فكيف وصلت الرسالة إلى الماضي؟
ولو كانت الطفلة داخل الطائرة هي النسخة التي لم تعد، فهل كان عليها إنقاذها؟
أو أن إنقاذها سيمنع ليلى نفسها من العودة؟
فتحت دفتر حسن عند الملاحظة التي تتحدث عن المصدر.
الإشارة لا تبحث عن صاحب الصوت. إنها تبحث عن اللحظة التي يصبح فيها الصوت ممكنًا.
فهمت أخيرًا أن الجهاز لم يكن ينتظر شخصًا بعينه.
كان ينتظر فعلًا لم يحدث بعد.
فعلًا ستقوم به ليلى، لا لأنها تتذكره، بل لأنها وصلت إلى النقطة التي لا يمكن فيها التراجع.
رن هاتفها.
هذه المرة، كان الاتصال من رقم أبيها القديم.
أجابت.
«بابا؟»
جاء صوته ضعيفًا:
«ليلى، عندك فرصة واحدة.»
«إنت فين؟»
«في المكان اللي بدأنا فيه.»
«المختبر؟»
«لأ. في اللحظة اللي اخترتي فيها ترجعي.»
سمعت صوت الطفلة خلفه.
ثم قال حسن:
«لو فتحتي الباب، هتقدري ترجعي لي. لكن لازم تعرفي إنك مش هتكوني الشخص الوحيد اللي يرجع.»
انقطع الاتصال.
الفصل الحادي والعشرون: القرار الأخير
عادت ليلى إلى المختبر القديم مع مريم، التي ظهرت فجأة عند مدخل المبنى قبل منتصف الليل.
لم تسألها أين كانت.
قالت مريم: «أنا عرفت مين الراكب رقم 187.»
«مين؟»
«مش شخصًا واحدًا.»
أخرجت ورقة عليها مخطط الإشارة.
«الرقم 187 هو الاسم اللي أعطاه النظام للمصدر الزائد عن العدد المسجل. في البداية، كان حسن. بعدين أصبح صوتكِ. الجهاز لم يكن يسجل الركاب فقط، بل كل حضور يمكنه التأثير في الحلقة.»
قالت ليلى: «يعني أبويا كان الراكب 187؟»
«في سجل الرحلة، أيوه. لكن في سجل الإشارة، الرقم انتقل إليكِ.»
«وليه؟»
«لأنكِ كنتِ المصدر اللي جعل الحلقة تستمر.»
دخلتا الغرفة.
كان الجهاز الدائري يعمل من تلقاء نفسه. على الشاشة، ظهرت ثلاث نوافذ.
الأولى تعرض برج المراقبة عام 2008.
الثانية تعرض الطائرة داخل الحلقة.
الثالثة تعرض ليلى في الغرفة نفسها، لكنها ترتدي ملابس مختلفة، ووجهها أكثر تعبًا.
كانت النسخة الثالثة تنظر مباشرة إلى الكاميرا.
قالت:
«لو وصلتِ إلى هنا، يبقى ما زال عندكِ وقت تختاري.»
سألت ليلى: «إنتِ مين؟»
قالت النسخة:
«أنا اللي فضلت.»
«هل إنتِ حقيقية؟»
«بقدر ما إنتِ حقيقية.»
«هل أقدر أرجعكِ؟»
«تقدري. لكن لو رجعت، الحلقة هتبدأ من جديد.»
نظرت ليلى إلى مريم.
«هل فيه طريقة نطلعهم كلهم؟»
قالت مريم: «مش عارفة.»
«هل فيه طريقة نوقف الجهاز من غير ما نمحوهم؟»
«مش عارفة.»
عادت ليلى إلى الشاشة.
قالت النسخة: «أنا مش عايزاكِ تنقذيني.»
«ليه؟»
«لأنكِ هتخسري كل اللي رجعتي عشانه.»
«وأبويا؟»
صمتت النسخة.
ثم قالت: «أبوكي اختار يفضل علشانكِ. لو رجعتيه، ممكن تاخدي مكانه.»
نظرت ليلى إلى حسن في النافذة الثانية. كان يقف خلف باب المقصورة، يحمل المفتاح النحاسي.
قالت ليلى: «أنا مش هسيبكِ هنا.»
ابتسمت النسخة بحزن.
«إنتِ ما سبتينيش. إنتِ رجعتي.»
ثم اختفت النافذة الثالثة.
ظهرت رسالة على الشاشة:
المصدر جاهز للإرسال.
كان عليها أن تختار بين إرسال الإشارة التي تعيد الطائرة، أو قطع الاتصال نهائيًا.
لكن قطع الاتصال قد يعني اختفاء كل من ظل داخل الحلقة.
وإرسال الإشارة قد يعيد كل شيء إلى البداية.
قالت مريم: «لو ما عملتيش حاجة، الجهاز هيكمل لوحده.»
نظرت ليلى إلى أزرار التحكم.
ثلاث نقرات.
نغمة.
سبع وأربعون ثانية.
كانت تعرف ما يجب أن تفعله.
لكنها لم تكن تعرف ما سيبقى بعدها.
الفصل الثاني والعشرون: النغمة
جلست ليلى أمام جهاز التسجيل.
أخرجت الشريط القديم الذي تركه أبوها، ووضعته في المسجل.
سمعت صوت طفلتها القديمة:
«بابا، أنا خايفة.»
ثم صوته:
«ما تخافيش يا ليلى. طول ما إنتِ فاكرة الطريق، هتعرفي ترجعي.»
أوقفت التسجيل.
قالت مريم: «لو أرسلتي النغمة، ممكن الطائرة ترجع فعلًا.»
«عارفة.»
«وممكن الحلقة تتكرر.»
«عارفة.»
«وممكن ما نعرفش نخرج.»
نظرت ليلى إليها.
«وممكن نعرف.»
وضعت أصابعها على الأزرار.
النقرة الأولى.
النقرة الثانية.
النقرة الثالثة.
ثم النغمة.
لم تكن نغمة معقدة. مجرد صوت قصير، يرتفع ثم ينخفض، كما تفعل صفارة صغيرة حين تتقطع طاقتها.
لكن الجهاز استجاب لها فورًا.
أضاءت الحلقات المعدنية.
بدأت الأرقام تتحرك.
11:44.
11:45.
11:46.
سمعت ليلى صوت آدم شاهين:
«برج المراقبة، هنا الرحلة 714. هل تسمعونني؟»
ثم صوت يوسف، أصغر سنًا:
«الرحلة 714، برج المراقبة ينادي. هل تسمعني؟»
كانت تسمع الماضي يحدث في اللحظة نفسها.
قالت ليلى في جهاز التسجيل:
«إذا كنت تسمعني، فلا تسمح لها بالهبوط.»
توقفت للحظة.
ثم أضافت الجملة التي لم تكن موجودة في التسجيل الأصلي:
«لكن إذا كانت الطائرة قد عادت بالفعل، فلا تفتحوا الباب خلف المقعد 23A.»
ظهر على الشاشة:
إشارة متعارضة.
قالت مريم: «إنتِ غيرتي الرسالة!»
«كان لازم أضيف التحذير.»
«ده ممكن يكسر الحلقة.»
«أو يمنعها من إنها تبدأ بالطريقة نفسها.»
بدأت الحلقات المعدنية تهتز بعنف.
ظهرت على الشاشة صورة الطائرة، ثم المختبر، ثم برج المراقبة.
في كل صورة، كان حسن يقف في مكان مختلف.
وفي كل مرة، كان ينظر إلى ليلى.
ثم انفتح باب الغرفة.
دخل نادر.
كان وجهه مغطى بالدم، لكنه كان واعيًا.
«أوقفي التسجيل!»
قالت ليلى: «فات الأوان.»
«إنتِ مش فاهمة! لو أرسلتي الإشارة كاملة، هترجعي الطائرة، لكن مش هتقدري تتحكمي في اللي يرجع معاها.»
«أنا مش بحاول أتحكم.»
«إذن هتدمري كل شيء!»
قالت مريم: «إنت اللي بدأت ده.»
اندفع نادر نحو لوحة التحكم.
لكن ليلى ضغطت الزر الأخير.
انطلقت النغمة مرة ثانية.
وانطفأت الأضواء.
في الظلام، سمعت صوت أبيها يقول:
«أحسنتِ يا ليلى.»
ثم سمعت صوت الطفلة:
«دلوقتي دوري.»
الفصل الثالث والعشرون: من الذي عاد؟
استيقظت ليلى على أرضية المختبر.
كان الصمت مطبقًا. الجهاز الدائري متوقف، والحلقات المعدنية ساكنة، والشاشات سوداء.
لم تجد مريم.
لم تجد نادر.
ولم تجد الدفتر.
لكن المفتاح النحاسي ظل في يدها.
خرجت إلى الشارع.
كان الفجر يقترب، والمدينة تبدو عادية على نحو يثير الريبة. لم تكن هناك صفارات إنذار، ولا سيارات أمن، ولا أي علامة على أن طائرة اختفت وعادت.
اتجهت إلى المطار.
في الطريق، فتحت هاتفها.
وجدت رسالة واحدة من رقم مجهول.
«الرحلة 714 وصلت.»
وصلت إلى المطار بعد دقائق.
كان هناك حشد من الصحفيين أمام البوابة، ورجال الأمن يمنعون الناس من الاقتراب.
على شاشة الأخبار، ظهر مذيع يعلن أن طائرة ركاب اختفت في ظروف غامضة عام 2008، ثم ظهرت فجأة على مدرج مطار القاهرة في الساعات الأولى من الصباح.
لم يذكروا عدد الركاب.
لم يذكروا اسم قائد الطائرة.
لم يذكروا كيف أمكن لطائرة أن تعود بعد تسع سنوات من دون أي أثر.
طلبت ليلى من أحد رجال الأمن السماح لها بالدخول. أخرجت بطاقة أبيها القديمة، التي لم تعرف أنها ما زالت تحمل صلاحية الدخول.
نظر الرجل إلى البطاقة، ثم إلى وجهها.
«إنتِ ليلى منصور؟»
«أيوه.»
تراجع خطوة.
«فيه حد مستنيكِ جوه.»
قادها إلى غرفة صغيرة قرب المدرج.
كان يوسف هناك.
وعلى الطاولة أمامه، وُضعت صورة قديمة.
صورة ليلى وهي طفلة، تقف بجانب أبيها أمام الطائرة 714.
لكن خلفهما، في نافذة الطائرة، ظهرت طفلة أخرى تنظر إليهما.
الوجه نفسه.
الفستان الأبيض نفسه.
قال يوسف: «لقينا الصورة دي في المقعد 23A.»
أمسكتها ليلى.
«مين اللي التقطها؟»
«ما نعرفش.»
قلبت الصورة.
على ظهرها، كُتبت عبارة بخط أبيها:
اللي رجع مش هو اللي خرج.
شعرت ليلى بأن أنفاسها تتسارع.
قال يوسف: «فيه حاجة تانية.»
أخرج قائمة الركاب.
كانت تحتوي على 186 اسمًا، كما في السجلات الأصلية.
لكن هذه المرة، كان الاسم رقم 187 مكتوبًا بالحبر الأسود:
ليلى حسن منصور.
وبجواره خانة الوصول.
كانت مكتوبًا فيها:
لم تصل بعد.
رفعت رأسها.
«ده معناه إيه؟»
لم يجب يوسف.
في الخارج، بدأ صوت محركات الطائرة يرتفع.
نظرت ليلى عبر النافذة.
كانت الطائرة تتحرك وحدها على المدرج، رغم أن محركاتها كانت متوقفة.
وعلى شاشات المطار، ظهرت رسالة جديدة:
الرحلة 714 — موعد الإقلاع: 17 أكتوبر، 11:47 مساءً.
لم يكن التاريخ تاريخ اليوم.
كان تاريخ اختفاء الطائرة.
قال يوسف: «ليلى، لازم نخرج من هنا.»
لكنها لم تتحرك.
كانت تسمع صوت الطفلة، بعيدًا، يأتي من داخل الطائرة:
«إنتِ وعدتيني ترجعي.»
نظرت إلى المفتاح النحاسي.
ثم إلى صورة أبيها.
وأخيرًا، فهمت ما لم تستطع فهمه طوال الوقت.
لم تكن الطائرة تنتظر أن تعود.
كانت تنتظر أن تصل.
الفصل الرابع والعشرون: النداء الأخير
في الساعة 11:32 مساءً، وقف يوسف الراوي في برج المراقبة.
لم يكن يعرف كيف وصل إلى هناك مرة أخرى. كان قد ترك العمل منذ سنوات، لكنه وجد نفسه في المقعد القديم، أمام الشاشات التي لم تتغير إلا قليلًا.
على شاشة الرادار، ظهرت نقطة تتحرك فوق البحر.
الرحلة 714.
كانت الطائرة قد أقلعت قبل دقائق، وفقًا للبيانات التي ظهرت على النظام، رغم أن المطار كله كان يشهد أن المدرج خالٍ.
رفع يوسف سماعة الاتصال.
«الرحلة 714، برج المراقبة ينادي. هل تسمعني؟»
لم يأتِ رد.
كرر النداء.
«الرحلة 714، برج المراقبة ينادي. هل تسمعني؟»
ثم سمع ثلاث نقرات.
نقرة.
نقرة.
نقرة.
تبعها صوت امرأة:
«إذا كنت تسمعني، فلا تسمح لها بالهبوط.»
تجمد يوسف.
كان هذا هو التسجيل نفسه الذي سمعه قبل تسع سنوات.
لكنه هذه المرة سمع صوتًا آخر في الخلفية.
صوت رجل يقول:
«ليلى، لا تكملي التسجيل.»
ثم صوت طفلة:
«أنا جاهزة.»
بدأت النقطة على الرادار تتلاشى.
أمسك يوسف بالسماعة بكلتا يديه.
«الرحلة 714، أجبني!»
جاءه صوت آدم شاهين:
«برج المراقبة، هنا الرحلة 714. لدينا مشكلة في أنظمة الملاحة.»
ثم صوت كريم ناصر:
«كابتن، فيه طائرة تانية أمامنا.»
أغلق يوسف عينيه.
كان يعرف كل كلمة قبل أن تُقال.
لكن هذه المرة، ظهر على الشاشة مصدر الإشارة.
لم يكن الطائرة.
كان برج المراقبة نفسه.
وعند باب البرج، وقفت ليلى منصور.
لم يسمعها أحد تدخل.
كانت تحمل جهاز التسجيل، والمفتاح النحاسي، وصورة الطفلة ذات الفستان الأبيض.
قال يوسف:
«إنتِ هنا إزاي؟»
لم تجب.
وضعت جهاز التسجيل على الطاولة.
كانت الشاشة تعرض توقيتًا واحدًا:
17 أكتوبر 2008 — 11:47 مساءً.
قال يوسف: «إنتِ اللي أرسلتي النداء؟»
نظرت ليلى إلى السماعة.
«أيوه.»
«إمتى؟»
«لسه هرسله.»
لم يفهم.
أشارت إلى الجهاز.
«التسجيل ده لازم يوصل لك قبل اختفاء الطائرة. أنا سمعته لما كنت صغيرة، قبل ما أعرف إني هسجله.»
قال يوسف: «لكن لو أرسلتيه، هتبدأ الحلقة.»
«هي بدأت بالفعل.»
«إذن تقدري توقفيها.»
نظرت إليه طويلًا.
«مش بالطريقة اللي إنت فاكرها.»
أخذت السماعة.
كانت تعرف أن الجملة التالية ستحدد كل شيء.
لو لم ترسل النداء، فلن تختفي الطائرة بالطريقة التي يعرفونها، لكن الركاب سيبقون عالقين في لحظة لا تنتهي. وإذا أرسلته، فستبدأ الحلقة من جديد، وتصبح هي السبب في اختفاء الطائرة، حتى لو كانت تحاول إنقاذ من بداخلها.
لكنها لم تعد تبحث عن طريق يخلو من الثمن.
ضغطت زر التسجيل.
ثلاث نقرات.
ثم نغمة قصيرة.
ثم قالت:
«إذا كنت تسمعني، فلا تسمح لها بالهبوط.»
توقفت، وأخذت نفسًا عميقًا.
«الرحلة 714، برج المراقبة ينادي. هل تسمعني؟»
انتهى التسجيل.
وفي اللحظة نفسها، اختفت الطائرة من الرادار.
لم يصرخ يوسف.
لم يحاول الاتصال مرة أخرى.
كان يعرف أن النداء وصل إلى الماضي.
لكن ليلى لم تغادر الغرفة.
وقفت أمام الشاشة، تنتظر.
قال يوسف بصوت منخفض:
«إذن خلصت.»
هزت رأسها.
«لأ.»
أشارت إلى الشاشة.
ظهرت نقطة جديدة على الرادار.
طائرة صغيرة، بلا رقم رحلة.
كانت تتحرك باتجاه المطار.
قال يوسف: «دي إيه؟»
اقتربت ليلى من الشاشة.
على بيانات الإشارة، ظهر اسم المصدر:
الراكب رقم 187.
ثم ظهر الاسم كاملًا.
حسن منصور.
رفعت ليلى رأسها.
«بابا؟»
انطلق صوت من السماعة.
«ليلى، أنا وصلت.»
ثم انطفأت الشاشة.
لم يظهر أي أثر للطائرة.
ولم يكن هناك أي صوت بعد ذلك.
إلا أن المفتاح النحاسي في يد ليلى بدأ يهتز.
قلبته.
على وجهه الذي كان يحمل الرقم 714، ظهر نقش جديد لم يكن موجودًا من قبل:
23A — الرحلة التالية.
في تلك اللحظة، أدركت ليلى أن الحلقة لم تكن دائرة تعود إلى بدايتها فحسب.
كانت دائرة تبحث عن شخص يكملها.
وكانت قد أكملت النداء.
لكنها لم تعرف إن كانت قد أنقذت أباها، أم أعادته إلى المكان الذي فقدته فيه.
الخاتمة: سبع وأربعون ثانية
بعد ستة أشهر، أُغلق التحقيق رسميًا.
لم يُعثر على الركاب، ولم تُقدَّم إجابة مقنعة عن كيفية عودة الطائرة. اختفت الملفات الأصلية للمشروع، واختفى اسم نادر فؤاد من جميع السجلات العامة. أما مريم عزمي، فلم يظهر لها أي أثر.
احتفظت ليلى بالمفتاح النحاسي والشريط القديم.
لم تعد تعمل في الصحافة. لم تعد تكتب عن الحوادث الغامضة، ولم تعد تحاول إثبات أن ما حدث كان حقيقيًا.
كانت تعرف أن بعض الحقائق لا تحتاج إلى أن يصدقها الآخرون حتى تظل حقيقية.
في ليلة ممطرة، عادت إلى منزل أبيها القديم. وضعت الشريط في المسجل، وجلست أمام النافذة.
سمعت صوتها طفلة:
«بابا... أنا خايفة.»
ثم صوت حسن:
«ما تخافيش يا ليلى. طول ما إنتِ فاكرة الطريق، هتعرفي ترجعي.»
توقفت قبل نهاية الشريط بثوانٍ.
هذه المرة، سمعت شيئًا لم تسمعه من قبل.
صوت طفلة أخرى، هامسًا:
«إنتِ وعدتيني.»
أوقفت التسجيل.
لم تكن تعرف هل عليها أن تعود إلى المطار، أم أن ترك الماضي ساكنًا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينقذ ما تبقى.
ثم رن الهاتف.
رقم مجهول.
أجابت.
لم يقل أحد شيئًا.
فقط ثلاث نقرات.
ثم صوت أبيها:
«ليلى، لو بتسمعيني، ما تبعتيش الإشارة.»
أغمضت عينيها.
كان الصوت واضحًا، متعبًا، حقيقيًا إلى درجة لا تحتمل الشك.
قالت: «إنت فين؟»
جاءها الرد:
«في الرحلة التالية.»
انقطع الاتصال.
نظرت ليلى إلى المفتاح.
كان الرقم المحفور عليه قد تغير.
لم يعد 714.
أصبح:
715.
وفي الخارج، خلف النافذة، سمعت هدير طائرة تعبر السماء.
رفعت رأسها.
لم تكن هناك أي طائرة في الأفق.
لكن ساعة الحائط توقفت.
11:47.
وعلى جهاز التسجيل، الذي كانت قد أوقفته بنفسها، أضاء المؤشر الأحمر.
بدأ تسجيل جديد.
جاء صوت ليلى، من مكان لم تصل إليه بعد:
«الرحلة 715، برج المراقبة ينادي. هل تسمعني؟»
ثم صوت رجل يرد:
«نسمعك.»
كان صوت حسن منصور.
وبعده، سُمعت ثلاث نقرات.
وانتهى التسجيل.
تابع جديد Lamiaa Harb
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق