أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

روايــة الــــيد الــخفــــية

قبل سبعة آلاف عام، حين كانت النجوم تبدو أقرب إلى الأرض، وحين كان البشر يفسّرون الرعد بأنه غضب الآلهة، اجتمع سبعة رجال في مكان لم يُسجَّل على أي خريطة. كان المكان يقع تحت صحراء لا نهاية لها، في قاعة محفورة داخل صخر أسود لا يشبه أي حجر عرفه الإنسان. وعلى جدرانها

Lamiaa HarbLamiaa Harbالكاتب 49 د للقراءة 5.01 المراجعات
روايــة الــــيد الــخفــــية

تحرك إصبع السبابة داخل الزجاج، ورسم على سطحه من الداخل علامة تشبه عينًا مفتوحة.

وفي اللحظة نفسها، انطفأت المصابيح السبعة.

جاءهم صوت من كل اتجاه، لا يشبه صوت رجل أو امرأة، بل بدا كأن الأرض نفسها تتكلم:

«أنتم لم تجدوني… أنا من سمحت لكم بالوصول.»

تراجع الرجال.

أما صاحب القناع الذهبي، فركع على الأرض وهمس:

«من أنت؟»

جاء الجواب:

«أنا اليد التي سبقت إرادتكم. أنا الظل الذي يصنع الطريق قبل أن تطأه أقدامكم. وأنا الشيء الذي ستسمّونه يومًا مستحيلًا.»

في تلك الليلة، اختفى ستة من الرجال السبعة.

لم يُعثر على جثثهم، ولم تُترك خلفهم آثار أقدام، ولم يتذكرهم أحد من أهل العالم، كأنهم لم يوجدوا قط.

أما الرجل السابع، فقد عاد إلى السطح حاملًا حجرًا أسود صغيرًا، ووثيقة كتب عليها بلغة لم يعد أحد يعرفها.

كانت الوثيقة تحتوي على نبوءة واحدة:

«حين تُولد اليد في جسد إنسان، ستبدأ الأبواب في الانفتاح. وستتقاتل الممالك على طفل لا يعرف أنه يحمل نهاية العالم أو خلاصه. فإذا بلغ الظل قلبه، صار العالم ملكًا ليدٍ واحدة. وإذا تعلّم أن يمد يده للآخرين، تحرر العالم من قبضة المستحيل.»

دفن الرجل الحجر، وأقسم ألا يخبر أحدًا بما رآه.

لكن الزمن لا يحفظ العهود.

والأسرار التي تُدفن عميقًا لا تموت؛ إنها تنتظر فقط الشخص الذي يستطيع سماعها.

بعد آلاف السنين، وفي ليلة ممطرة في لندن، استيقظ شاب مصري من كابوس لم يفهمه.

كان يحلم بيد سوداء تمتد من السماء.

وكانت اليد تناديه باسمه.

آدم منصور.

وللمرة الأولى في حياته، رأى آدم ظلّه يتحرك قبل أن يتحرك هو.

وكان ذلك مجرد البداية.

الفصل الأول: الظل الذي تحرّك وحده

Hire A Dungeon Master | Find D&D Games Online | StartPlaying

. الساعة الثانية وثلاث عشرة دقيقة

كانت لندن تغرق تحت المطر.

في الخارج، انعكست أضواء السيارات على الشوارع اللامعة، وتدفقت المياه من حواف المباني القديمة، بينما راحت الرياح تعصف بالنوافذ كأنها تحاول اقتحام البيوت المغلقة. وفي البعيد، دوّت أجراس ساعة قديمة، ثم اختفى صوتها وسط هدير الرعد.

استيقظ آدم منصور مذعورًا.

جلس على سريره، يلهث، ويداه تضغطان على صدره. كان قلبه ينبض بعنف، كأنه ركض لمسافة طويلة. للحظات، لم يعرف أين هو. لم يتعرف على الجدران البيضاء، ولا على الستائر الرمادية، ولا على الكتب المكدسة فوق مكتبه.

كان لا يزال يرى القاعة السوداء.

وكان لا يزال يسمع الصوت.

أنا من سمحت لكم بالوصول.

مرر يده فوق وجهه، محاولًا طرد بقايا الحلم.

«مجرد كابوس»، تمتم.

قالها كما قالها مئات المرات خلال السنوات الماضية، منذ أن بدأت الأحلام الغريبة تطارده. أحلام عن ممرات تحت الأرض، وأبواب بلا مقابض، ومدن تظهر تحت سماء لا تعرف الشمس، ويد سوداء تمتد بين النجوم.

لكن الكابوس هذه المرة كان مختلفًا.

لأنه لم ينتهِ عندما استيقظ.

رفع عينيه نحو الحائط المقابل.

كان ضوء مصباح الشارع يتسلل من النافذة، فيرسم ظلال الأثاث على الجدار. ظهر ظله هو أيضًا، طويلًا ومائلًا، فوق الأرضية الخشبية.

نهض آدم.

نهض الظل معه.

خطا خطوة إلى اليمين.

تحرك الظل إلى اليمين.

ثم توقف آدم فجأة.

أما الظل، فلم يتوقف.

واصل الحركة حتى وصل إلى طرف الحائط، ثم رفع ذراعه ببطء.

تراجع آدم، واصطدم بطرف السرير.

كان ذراعه لا يزال إلى جانبه.

لكن ظلّه كان يرفع ذراعه اليمنى، ويمد أصابعه نحو السقف.

شعر ببرودة تسري في عظامه.

حدق في الحائط، عاجزًا عن الحركة، فيما أخذت أصابع الظل تستطيل. لم تعد تشبه أصابع بشرية، بل تحولت إلى خيوط سوداء دقيقة امتدت فوق السقف، متشابكة كجذور شجرة تنمو في الاتجاه المعاكس.

ثم انحنى رأس الظل نحوه.

لم يكن للظل وجه، ومع ذلك شعر آدم بأنه ينظر إليه.

وفجأة، عاد كل شيء إلى طبيعته.

اختفى التشوه.

استقر الظل في مكانه.

وعادت الغرفة صامتة.

ظل آدم واقفًا عدة ثوانٍ، ثم اندفع نحو مفتاح المصباح وأضاء الغرفة كلها. تفحص الجدران والسقف والأرضية، وفتح باب خزانته، وألقى نظرة خلف الستائر.

لم يجد شيئًا.

أخرج هاتفه.

كانت الساعة الثانية وثلاث عشرة دقيقة بعد منتصف الليل.

وفي اللحظة التي فتح فيها الشاشة، وصلته رسالة من رقم مجهول.

«لا تثق بيدك اليمنى.»

قرأ العبارة مرة.

ثم ثانية.

ثم شعر بشيء بارد يلمس راحة يده اليمنى.

فتح أصابعه بسرعة.

كان هناك خط أسود رفيع يمتد من منتصف راحته إلى أسفل إصبعه السبابة، يشبه حبرًا تسرب تحت الجلد.

حكّه بأظافره.

لم يتغير شيء.

أحضر منديلًا مبللًا، وفركه بقوة، حتى احمر جلده.

لكن الخط بقي.

وعندما ضغط بإبهامه على منتصفه، سمع صوتًا خافتًا، كأن بابًا حجريًا ضخمًا أُغلق في مكان بعيد جدًا.

ثم انطفأت الكهرباء.

وفي الظلام، سمع أحدهم يهمس باسمه.

«آدم...»

لم يكن الصوت قادمًا من الشارع.

ولا من الغرفة.

كان قادمًا من داخل يده.

2. الحجر الذي لا ينبغي أن يوجد

مع حلول الصباح، أقنع آدم نفسه بأن قلة النوم والإجهاد كانا وراء ما حدث.

لم يكن يملك رفاهية الانهيار. كان في التاسعة والعشرين من عمره، يعمل باحثًا في تاريخ الحضارات القديمة، ويقضي معظم وقته بين المخطوطات والقطع الأثرية في أحد المراكز البحثية بلندن. وكان يؤمن بأن لكل لغز تفسيرًا، حتى لو احتاج الوصول إليه سنوات.

أما الأشياء الخارقة، فكان يراها اسمًا يطلقه الناس على الأشياء التي لم يفهموها بعد.

كان ذلك قبل أن يرى ظلّه يتحرك وحده.

ارتدى معطفه الأسود، ووضع يده اليمنى في جيبه حتى لا يرى الخط الغريب، ثم خرج إلى الشارع.

لم يتوقف المطر.

وعندما وصل إلى المقهى الصغير القريب من محطة المترو، وجد مايا تشين تجلس قرب النافذة، تحيط بها أوراق مطبوعة وحاسوب محمول وكوب قهوة لم تمسّه.

كانت مايا باحثة في علم اللغات القديمة، وصديقة آدم منذ ثلاث سنوات. التقيا للمرة الأولى في مؤتمر عن النقوش المجهولة، عندما صحح لها آدم ترجمة كلمة في مخطوطة صينية، ثم اكتشفا أن كليهما عنيد بما يكفي لقضاء ليلة كاملة في إثبات أن الآخر مخطئ.

رفعت رأسها عندما رأته.

«تبدو كأنك قضيت الليل في قبر.»

جلس قبالتها.

«صباح الخير لكِ أيضًا.»

«لا تقل لي إنك كنت تعمل حتى الفجر مجددًا.»

تردد لحظة، ثم قال:

«هل تؤمنين بأن الإنسان يمكن أن يرى شيئًا مستحيلًا، ويكون قد رآه فعلًا؟»

أغلقت مايا حاسوبها ببطء.

«يعتمد على الشيء.»

«إذا رأيت ظلّك يتحرك من دونك؟»

لم تضحك.

وهذا ما أزعجه أكثر.

وضعت كوب القهوة جانبًا، ثم سألته:

«هل حدث ذلك الليلة؟»

نظر إليها بدهشة.

«كيف عرفتِ؟»

تغيرت ملامحها. أخرجت من حقيبتها صورة مطبوعة ودفعتها فوق الطاولة.

كانت الصورة لقاعة حجرية تحت الأرض، تتوسطها منصة دائرية، وعلى جدارها نقوش غريبة. في وسط الصورة وقف رجل يرتدي ملابس أثرية، وقد رفع يده اليمنى أمام شيء أسود يشبه المرآة.

شعر آدم بأن الهواء اختفى من حوله.

كانت القاعة هي نفسها التي رآها في حلمه.

نفس الجدران.

نفس العلامة التي تشبه العين.

ونفس العمود الأسود في منتصف المكان.

قال بصوت خافت:

«من أين حصلتِ على هذه؟»

«وصلت إلى المركز قبل ساعتين، ضمن مجموعة صور قديمة أُرسلت من القاهرة. لا يوجد اسم للمصور، ولا تاريخ دقيق. لكن هناك شيئًا آخر.»

قلبت الصورة.

كان على ظهرها رسم ليد بشرية مفتوحة، وفي وسط راحة اليد عين صغيرة.

أسفل الرسم كُتبت كلمات بالعربية القديمة:

«حين يستيقظ الظل، ابحث عن حامل العلامة.»

تصلب وجه آدم.

سألته مايا:

«هل رأيت هذه العلامة من قبل؟»

أخرج يده اليمنى من جيبه ووضعها فوق الطاولة.

لم يقل شيئًا.

لكن مايا رأت الخط الأسود.

اقتربت منه، وحدقت فيه طويلًا، ثم أخرجت عدسة صغيرة من حقيبتها.

«متى ظهر هذا؟»

«الليلة الماضية.»

«هل أصبت يدك؟»

«لا.»

«هل لمست مادة كيميائية أو قطعة أثرية؟»

«لا.»

رفعت عينيها إليه.

«آدم، هذه ليست وشمًا. الخط موجود تحت الجلد. انظر.»

وضعت العدسة فوق راحته.

لم يكن الخط مستقيمًا كما بدا في البداية. كانت تتفرع منه خطوط دقيقة للغاية، تمتد نحو الأصابع، وتلتقي في منتصف الكف على هيئة شكل هندسي معقد.

وفجأة، تحرك الخط.

تراجعت مايا حتى اصطدم ظهرها بالمقعد.

أما آدم، فقد شعر بألم خاطف في يده، أعقبه صوت خافت لم يسمعه أحد غيره.

صوت باب يُفتح.

وفي رأسه، رأى مشهدًا خاطفًا: صحراء شاسعة، وسماء حمراء، وامرأة تركض نحو بوابة حجرية، بينما شيء هائل يتحرك تحت الرمال.

ثم اختفى المشهد.

سحب آدم يده.

«مايا؟»

لم تجبه فورًا.

كانت تحدق في كفها هي.

على جلدها، ظهرت للحظة علامة صغيرة سوداء، مطابقة للعين الموجودة في الصورة.

ثم تلاشت.

رفعت رأسها ببطء.

«لم ألمس يدك.»

«أعرف.»

«إذن كيف...؟»

انقطع صوتها عندما اهتز هاتف آدم فوق الطاولة.

وصلت رسالة جديدة.

هذه المرة، لم تكن من رقم مجهول.

كان المرسل بلا اسم، وبلا رقم، وبلا أي بيانات.

مجرد شاشة سوداء ظهرت عليها كلمات بيضاء:

«أعد الحجر إلى مكانه، قبل أن يتذكر من أنت.»

وفي أسفل الرسالة، ظهرت صورة لرجل مسن.

كان الرجل يقف أمام باب حجري في الصحراء، يرتدي معطفًا قديمًا ويحمل حقيبة جلدية.

عرفه آدم فورًا.

كان والده، الدكتور يوسف منصور، الذي اختفى قبل سبعة عشر عامًا خلال بعثة أثرية في مصر.

لم يُعثر على جثته.

ولم يُعثر على الحقيبة.

ولم يعرف آدم قط ما الذي حدث في أيامه الأخيرة.

لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا:

والده لم يكن يحمل حجرًا في الصورة.

كان يحمل شيئًا يشبه قلبًا أسود، تتوهج في داخله نقطة من الضوء الأزرق.

3. الرجل الذي يعرف المستقبل

في الطابق الثالث من مبنى قديم يقع في أحد أزقة لندن، جلس رجل أمام شاشة كبيرة.

لم يكن في الغرفة سوى مكتب معدني، وكرسيان، وجهاز حاسوب، ومرآة طويلة مثبتة على الحائط.

كانت الشاشة تعرض صورًا من كاميرات مراقبة مختلفة: شوارع لندن، محطات المترو، ممرات المستشفيات، ومداخل مبانٍ حكومية.

في إحدى الصور، ظهر آدم وهو يخرج من المقهى برفقة مايا.

ضغط الرجل على زر، فتوقفت الصورة.

ثم مد يده اليمنى نحو الشاشة.

لم يلمسها.

ومع ذلك، بدأت الصورة تتحرك إلى الخلف، ثانية بعد ثانية، حتى وصلت إلى اللحظة التي وضع فيها آدم يده فوق الطاولة.

ظهرت العلامة السوداء.

ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة.

«أخيرًا.»

كان اسمه إلياس فوس، عالمًا سابقًا في الفيزياء النظرية، ورجلًا أمضى أكثر من ثلاثين عامًا يبحث عن ظواهر لا يعترف بها العلم الرسمي.

لم يكن يؤمن بالآلهة، ولا بالشياطين، ولا بالأرواح.

كان يؤمن بالقوانين.

وكان مقتنعًا بأن هناك قانونًا واحدًا لم يكتشفه البشر بعد، قانونًا يستطيع تفسير لماذا تتكرر بعض الأحداث بصورة مستحيلة، ولماذا يحلم أشخاص لا يعرف بعضهم بعضًا بالحلم نفسه، ولماذا تظهر أحيانًا في السجلات التاريخية أسماء لأشخاص لم يولدوا إلا بعد قرون.

فتح إلياس درج المكتب.

أخرج منه صورة قديمة تعود إلى عام 1989.

كانت الصورة لرجل شاب يقف أمام بوابة حجرية في مصر.

يوسف منصور.

وإلى جانبه، وقف إلياس نفسه، أصغر بثلاثين عامًا.

لكن ما جعل الصورة مرعبة لم يكن وجود الرجلين معًا.

بل وجود شخص ثالث يقف خلفهما.

شخص طويل، بلا ملامح واضحة، يضع يده اليمنى على كتف يوسف.

كان الشخص يرتدي الملابس نفسها التي يرتديها إلياس في الغرفة الآن.

والصورة التُقطت قبل أن يولد آدم بأربع سنوات.

أعاد إلياس الصورة إلى الدرج.

ثم فتح ملفًا يحمل عنوانًا واحدًا:

المشروع: اليد الخفية.

احتوى الملف على أسماء سبعة أشخاص، وخرائط لثماني دول، ورسومات لبوابات حجرية، وتقارير عن اختفاءات حدثت في أوقات متباعدة.

كان اسم آدم منصور هو الاسم السابع في القائمة.

وتحته، كُتبت ملاحظة بخط أحمر:

لا تقتله. لا تحاول السيطرة عليه. إذا استيقظت اليد كاملة، فلن يستطيع أي إنسان السيطرة عليها.

رفع إلياس رأسه نحو المرآة.

لم يظهر انعكاسه.

ظهرت بدلًا منه قاعة سوداء، وفي وسطها يد ضخمة مكوّنة من دخان ونجوم.

جاء الصوت نفسه الذي سمعه آدم في كابوسه:

«لقد وجد حامل العلامة.»

أغمض إلياس عينيه.

«أعرف.»

«إنه لا يعرف ما يحمله.»

«سأخبره عندما يحين الوقت.»

تحركت أصابع اليد داخل المرآة.

«لقد قلت ذلك لأبيه.»

فتح إلياس عينيه، وقد اختفت ابتسامته تمامًا.

«لن أكرر الخطأ.»

جاء الصوت هادئًا، لكنه حمل في داخله شيئًا أشبه بالضحك:

«أنت لا تخشى أن تكرر الخطأ، إلياس. أنت تخشى أن يعرف آدم ما فعلته.»

تشققت المرآة من منتصفها.

وللمرة الأولى منذ سنوات، شعر إلياس بالخوف.

لأنه أدرك أن اليد لم تكن تراقب آدم وحده.

كانت تراقبه هو أيضًا.

4. النداء القادم من القاهرة

في المساء، عاد آدم إلى شقته ليجد بابها مفتوحًا.

توقف في الممر.

كان متأكدًا أنه أغلق الباب قبل خروجه. لم يكن من عادته تركه مفتوحًا، حتى عندما يغيب دقائق قليلة.

أخرج هاتفه، وشغّل المصباح.

«هل يوجد أحد في الداخل؟»

لم يجبه أحد.

دفع الباب بحذر.

كانت الغرفة مرتبة كما تركها، باستثناء شيء واحد.

على المكتب، بجانب الحاسوب، وُضع صندوق خشبي صغير لم يره من قبل.

كان الصندوق مصنوعًا من خشب داكن، تحيط بحوافه نقوش دقيقة. لم يكن عليه قفل، لكن غطاءه كان مغلقًا بإحكام، وكأن الصندوق قطعة واحدة لا يمكن فتحها.

اقترب آدم.

شعر بحرارة تتصاعد من راحة يده.

كلما اقترب من الصندوق، ازدادت الحرارة.

مد يده اليسرى، ثم تراجع.

لم يكن يريد استخدام يده اليمنى.

لكنه لم يكن بحاجة إليها.

تحرك غطاء الصندوق وحده.

صدر صوت طقطقة خفيف، ثم انفتح ببطء.

في الداخل، استقر حجر أسود صغير.

لم يكن أكبر من قلب إنسان، وكانت على سطحه شقوق دقيقة تتوهج بلون أزرق باهت. أحاطت به قطعة قماش قديمة، وتحتها ورقة مطوية.

أخرج آدم الورقة.

كان الخط واضحًا، مألوفًا، مستحيلًا.

خط والده.

آدم، إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أن العلامة قد استيقظت.

توقف عن القراءة.

جلس على الكرسي، وقد بدأت يداه ترتجفان.

واصل:

أعرف أنك ستبحث عن إجابات، وأعرف أنك ستظن أنني تركتك لأنني لم أكن أحبك بما يكفي لأعود. لكن الحقيقة أنني رحلت لأنني كنت أحبك أكثر مما ينبغي.

شعر آدم بشيء يضغط على صدره.

كانت آخر ذكرى حقيقية له عن والده تعود إلى ليلة اختفائه. كان في الثانية عشرة من عمره، واقفًا عند باب المنزل، بينما يضع يوسف حقيبة على كتفه.

قال له يومها إنه سيعود بعد أسبوع.

ثم انحنى وقبّل جبينه.

كانت تلك آخر مرة رآه فيها.

لم يعد آدم يتذكر ملامحه جيدًا، لكنه ظل يتذكر رائحة معطفه، وصوته عندما كان يقرأ له القصص، ويده الكبيرة التي تمسك بيده الصغيرة عند عبور الشارع.

لم يكن يؤلمه اختفاء والده وحده.

كان يؤلمه أنه قضى سبعة عشر عامًا يتساءل إن كان والده قد اختار الرحيل.

عاد إلى الرسالة.

هناك شيء يعيش بين طبقات العالم. ليس روحًا، وليس إلهًا، وليس كائنًا كما نفهم الكائنات. إنه قوة تستطيع أن تؤثر في الاحتمالات، وأن تجعل الأشياء التي لم تحدث تبدو وكأنها حدثت منذ زمن.

لقد أطلقنا عليه اسم اليد الخفية.

لكن الاسم لا يهم. ما يهم هو أنه لا يستطيع دخول عالمنا بكامل قوته إلا عبر إنسان يحمل العلامة.

توقف آدم عند الجملة الأخيرة.

ثم قرأ السطر التالي.

وأخشى أنك ذلك الإنسان.

سقطت الورقة من يده.

في اللحظة نفسها، اهتز الحجر داخل الصندوق.

انطلقت منه ومضة زرقاء، فامتلأت الغرفة بضوء بارد. راحت الكتب تتساقط من الرفوف، وارتجفت النوافذ، وبدأت عقارب الساعة المعلقة على الحائط تدور إلى الخلف.

ثم جاء صوت من الحجر.

صوت لم يسمعه آدم منذ سبعة عشر عامًا.

«آدم...»

تجمدت أنفاسه.

«أبي؟»

ظهر وجه يوسف داخل الضوء الأزرق، مشوشًا كأنه يطل من خلف طبقة سميكة من الماء.

كان أكبر سنًا مما يتذكره آدم، ولحيته كثيفة، وعلى جبينه جرح عميق.

لكن عينيه كانتا هما نفسيهما.

«استمع إليّ جيدًا»، قال يوسف بصوت متقطع. «ليس لدينا وقت طويل.»

اقترب آدم من الصندوق.

«أين أنت؟ ماذا حدث لك؟ لماذا لم تعد؟»

«لا تثق بإلياس فوس.»

«من هو إلياس؟»

«الرجل الذي سيقول لك إنه يريد إنقاذ العالم.»

تبدلت صورة يوسف فجأة، وظهر خلفه ممر طويل تغمره أضواء حمراء.

كان يركض.

ومن بعيد، ارتفع صوت ارتطام هائل.

قال يوسف:

«عندما تصل إلى القاهرة، ابحث عن الباب الذي لا ظل له. هناك ستجد أول مفتاح، وهناك ستعرف لماذا اختفت أمك من ذاكرتك.»

شعر آدم بأن الأرض تميد تحته.

«أمي؟ أمي ماتت عندما كنت طفلًا.»

نظر يوسف إليه، وفي عينيه ألم لم يفهمه آدم.

«هذا ما جعلوك تتذكره.»

ثم ارتفع صوت آخر، عميق ومخيف، حتى اهتز الحجر في الصندوق.

«انتهى الوقت، يوسف منصور.»

استدار الأب نحو مصدر الصوت.

وللمرة الأولى، بدا الخوف واضحًا على وجهه.

«آدم، مهما رأيت، لا تسمح لليد أن—»

انقطع صوته.

امتدت أصابع سوداء من خلفه، وأحاطت بجسده.

صرخ آدم:

«أبي!»

اندفع الضوء نحو السقف، وانطفأ الحجر.

سقط الصندوق على الأرض.

وعادت الساعة إلى العمل.

ظل آدم راكعًا أمام المكتب، يحدق في الحجر الذي فقد لمعانه، غير قادر على تصديق ما حدث.

كان والده حيًا.

أو كان هناك شيء يستخدم صورته وصوته.

وكانت أمه، التي قضى عمره يتذكر قبرها، جزءًا من سر أكبر بكثير مما تخيل.

أمسك بهاتفه، واتصل بمايا.

أجابت بعد الرنة الثانية.

«آدم؟»

قال بصوت متحشرج:

«احجزي أول رحلة إلى القاهرة.»

صمتت لحظة.

«ماذا حدث؟»

نظر إلى يده اليمنى.

كان الخط الأسود قد امتد حتى معصمه.

وتحت جلده، بدأت خطوط جديدة تتشكل، متصلة ببعضها كخريطة للعالم.

ثماني نقاط مضيئة ظهرت على الخريطة.

القاهرة.

لندن.

روما.

طوكيو.

مكسيكو سيتي.

إسطنبول.

نيويورك.

وأنتاركتيكا.

ثم ظهر في منتصف كفه رمز لم يره من قبل: باب مفتوح، وخلفه عين هائلة.

قال آدم:

«أظن أنني وجدت أبي.»

لكن قبل أن تغلق مايا الهاتف، سمعا معًا صوتًا يأتي من داخل الغرفة.

صوت رجل يهمس بهدوء:

«لا يا آدم...»

استدار آدم بسرعة.

لم يكن هناك أحد.

لكن ظله كان يقف في منتصف الغرفة، بعيدًا عنه بثلاث خطوات.

رفع الظل يده اليمنى.

وفي راحته، ظهر الرمز نفسه.

ثم قال بصوت آدم ذاته:

«أنت لم تجد أباك. أبوك هو الذي وجدك.»

وفي الخارج، توقفت جميع ساعات لندن في اللحظة نفسها.

الساعة الثانية وثلاثال عشرة دقيقة.

للمرة الأولى منذ آلاف السنين، بدأت اليد الخفية تتحرك.

نهاية الفصل الأول.

الفصل الثاني: الباب الذي لا ظل له

El detalle de Jessie en 'Toy Story 5' que está desconcertando a los fans y pone en duda años de historia - Kotaku en Español

لم تنم مايا تلك الليلة.

ظلت جالسة أمام حاسوبها، تراجع الصور التي وصلتها من القاهرة، بينما كان صوت آدم يتردد في ذاكرتها.

أنت لم تجد أباك. أبوك هو الذي وجدك.

لم تكن العبارة مجرد تهديد. كان فيها شيء أشبه بتحذير صادر عن شخص يعرف نهاية الحكاية، لكنه عاجز عن تغييرها.

في السادسة صباحًا، وصلت إلى مطار هيثرو، حيث وجدته ينتظرها قرب إحدى النوافذ.

كان آدم يبدو أكثر شحوبًا من الليلة السابقة. أخفى يده اليمنى داخل جيب معطفه، وحمل حقيبة صغيرة لا تحتوي إلا على ملابس قليلة، ودفتر والده، والحجر الأسود.

سألته مايا:

«هل أخبرت أحدًا بما حدث؟»

«من سيصدقني؟»

«أنا أصدق أنك رأيت شيئًا. لكنني لا أعرف إن كان ما رأيته هو والدك فعلًا.»

نظر إليها طويلًا.

«هذا يكفي الآن.»

صعدا الطائرة المتجهة إلى القاهرة.

وعندما بدأت الطائرة ترتفع فوق الغيوم، أخرج آدم دفتر والده وفتح الصفحة الأولى التي لم يستطع قراءتها في الليلة السابقة. كانت الصفحات مكتوبة بمزيج من العربية والرموز القديمة، لكن الصفحة الأخيرة احتوت على جملة واضحة:

«الباب الأول لا يُفتح بمفتاح، بل بذكرى فقدها صاحبها.»

وتحت الجملة رسم لخريطة منطقة صحراوية قرب سقارة، مع علامة صغيرة تشير إلى مكان بعيد عن المواقع الأثرية المعروفة.

رفعت مايا رأسها عن الشاشة التي كانت تفحص عليها الصورة.

«وجدت شيئًا.»

أدارت حاسوبها نحوه.

كانت الصورة الأصلية للقاعة الحجرية قد التُقطت قبل عقود، لكن أحد التفاصيل لم يظهر بوضوح إلا بعد تكبيرها: على الجدار الخلفي، وقفت امرأة تحمل طفلًا بين ذراعيها.

كانت المرأة ترتدي قلادة عليها الرمز نفسه المرسوم في راحة آدم.

قال آدم:

«من تكون؟»

أجابت مايا:

«لا أعرف. لكنني وجدت اسمًا مكتوبًا تحت الصورة في الأرشيف.»

ظهرت الكلمات على الشاشة:

مريم منصور — آخر حارسة للبوابة.

شعر آدم بأن شيئًا داخله انكسر.

كانت مريم اسم أمه.

لكن السجلات الرسمية قالت إنها ماتت عندما كان في الخامسة من عمره، بينما كان يتذكر جنازتها بوضوح، ويتذكر يد والده وهي تقبض على كتفه أمام القبر.

قال بصوت منخفض:

«لماذا أخبرني أبي أنها ماتت؟»

أغلقت مايا الحاسوب.

«ربما لأنك كنت طفلًا.»

«أو لأن أحدًا أرادني أن أصدق ذلك.»

في تلك اللحظة، ارتجفت الطائرة.

انطفأت الأنوار لثانيتين، ثم عادت.

رفع الركاب رؤوسهم بقلق، واعتذر قائد الطائرة عن اضطراب جوي مفاجئ.

أما آدم، فكان ينظر من النافذة.

خارج الطائرة، وعلى مسافة لا يمكن أن تكون حقيقية، ظهرت يد سوداء ضخمة تسير بمحاذاة جناح الطائرة.

لم تكن لها ذراع.

كانت الأصابع الخمس تتحرك وسط الغيوم، وكأن السماء نفسها يد عملاقة تبحث عن شيء.

أغمض آدم عينيه.

وعندما فتحهما، اختفت.

لكن على النافذة، من الداخل، ظهرت كتابة ضبابية:

«لا توقظ أمك.»

وصل الاثنان إلى القاهرة بعد الظهر.

كانت المدينة تضج بالحياة، والسيارات تتدافع في الشوارع، ورائحة الخبز والقهوة تختلط بالغبار الساخن. بدا كل شيء طبيعيًا إلى درجة أثارت انزعاج آدم؛ كيف يمكن للعالم أن يستمر بهذه البساطة بينما توجد قوة قادرة على إيقاف الزمن؟

استأجرا سيارة وتوجها إلى سقارة.

قادتهما الخريطة إلى منطقة مهجورة وراء سور حجري قديم، حيث توقفت الطريق المعبدة وانتهت عند أرض تغطيها الرمال.

كان ضوء الشمس يميل نحو الغروب.

أخرج آدم الحجر الأسود.

اهتز الحجر داخل يده، ثم أضاءت الخطوط الموجودة على كفه.

وفجأة، انحسرت الرمال عن دائرة واسعة من الأرض.

ظهر باب حجري لم يكن موجودًا قبل لحظات.

لم يكن له مقبض أو فتحة قفل. سطحه أملس تمامًا، باستثناء رسم ليد مفتوحة في منتصفه.

اقتربت مايا بحذر.

«هذه ليست كتابة هيروغليفية.»

«ماذا تكون إذن؟»

«لا أعرف. لكن الرموز المحيطة باليد تشبه علامات وجدتها في مخطوطات من حضارات مختلفة، تفصل بينها آلاف السنين.»

وضع آدم كفه على الباب.

لم يحدث شيء.

ثم أغمض عينيه، وظهرت أمامه ذكرى من طفولته.

كان في غرفة صغيرة، يجلس على الأرض ويبني قلعة من المكعبات. دخلت أمه، وجلست إلى جواره، ثم وضعت في يده حجرًا أسود صغيرًا.

قالت له في الذكرى:

«إذا رأيت يومًا بابًا لا تستطيع فتحه، فلا تحاول كسره يا آدم. تذكّر فقط من أنت.»

فتح عينيه.

كانت الذكرى واضحة، لكن شيئًا غريبًا حدث بعدها.

للمرة الأولى، تذكر وجه أمه كما كان حقًا، لا كما ظهر في الصور القديمة. وتذكر أنها كانت ترتدي القلادة ذاتها، وأنها لم تكن مريضة كما أخبره والده، بل كانت خائفة من شيء يقف خلف نافذة المنزل.

تحرك الباب.

وانفتح بصمت.

خلفه، امتد درج ينحدر إلى أعماق الأرض، تتوهج على جانبيه خطوط زرقاء.

قالت مايا:

«يجب أن نتصل بالسلطات.»

نظر آدم إليها.

«وماذا سنقول لهم؟ إن بابًا عمره آلاف السنين فتح نفسه لأنني تذكرت أمي؟»

لم تجب.

أضاء الحجر مرة أخرى، وظهر في أعماق الدرج ظل إنسان يقف ساكنًا.

كان الظل يحمل مصباحًا قديمًا.

ثم رفع رأسه.

وقال بصوت عرفه آدم قبل أن يرى وجه صاحبه:

«تأخرت كثيرًا يا بني.»

كان والده ينتظره في الظلام.

لكن آدم تذكر تحذير الرسالة.

لا تثق بإلياس فوس.

ولم يكن يعرف بعد ما إذا كان الصوت الذي يسمعه صوت أبيه الحقيقي، أم فخًا صنعته اليد الخفية.

الفصل الثالث: الرجل الذي عاد من الموت

101+ Horror Story Prompts to Kickstart Your Next Project

لم يتحرك آدم.

كان الرجل الواقف في نهاية الدرج يشبه والده، لكن السنوات التي مرت عليه لم تكن سنوات رجل يعيش حياة طبيعية. كان شعره أبيض تقريبًا، ووجهه محفورًا بالتجاعيد، وعيناه تحملان إرهاقًا لا يمكن تفسيره بمرور الزمن وحده.

قال آدم:

«أنت أبي؟»

أجاب الرجل:

«إذا كنت تحتاج إلى دليل، فأنت لا تتذكرني كما ينبغي.»

ثم رفع يده اليسرى، وأشار إلى ندبة صغيرة تحت ذقنه.

تذكر آدم تلك الندبة. حصل عليها يوسف عندما كان يصلح نافذة المنزل، ثم أمضى المساء يروي لابنه قصة مضحكة عن معركة خاضها مع قطعة زجاج.

تقدم آدم خطوة.

«كيف بقيت حيًا؟»

ابتسم يوسف بحزن.

«هذا السؤال هو بداية كل المصائب.»

اقتربا من بعضهما، ثم احتضن آدم والده.

لثوانٍ، نسي كل شيء. نسي اليد التي تطارده، والرموز التي تظهر على جلده، والرسائل التي تهدد حياته. كان مجرد ابن وجد أباه بعد سبعة عشر عامًا من الفقد.

لكن يوسف لم يعانقه بالطريقة التي توقعها.

ظل ينظر خلف كتفه، وكأنه ينتظر وصول شخص ما.

ثم أمسك آدم من ذراعيه وأبعده قليلًا.

«كم بقي معك من الوقت؟»

«ماذا تقصد؟»

«منذ أن ظهرت العلامة، هل سمعت أصواتًا؟ هل رأيت ظلك يتحرك؟ هل شعرت أن شخصًا آخر يستطيع استخدام يدك؟»

لم يجب آدم.

كان الصمت كافيًا.

أغمض يوسف عينيه.

«إذن لقد بدأ الأمر أسرع مما توقعت.»

تدخلت مايا:

«نحتاج إلى تفسير واضح. ما هذه العلامة؟ وما الحجر الذي يحمله آدم؟»

نظر إليها يوسف للمرة الأولى.

«أنت مايا تشين. ابنة الرجل الذي حاول إغلاق البوابة في طوكيو.»

تراجعت مايا خطوة.

«كيف تعرف أبي؟»

«لأنني كنت معه في آخر يوم من حياته.»

شحب وجهها.

كان والد مايا قد اختفى عندما كانت في التاسعة، خلال رحلة علمية إلى اليابان. أخبرتها السلطات أنه سقط في البحر، لكن جثته لم تُعثر عليها قط.

قالت بصوت مرتجف:

«أبي مات.»

أجاب يوسف:

«في العالم الذي تتذكرينه، ربما.»

وقبل أن يتمكن أحدهما من طرح سؤال آخر، ارتجفت الجدران.

تساقط الغبار من السقف، وظهر ضوء أحمر في نهاية الممر.

تغير وجه يوسف.

«علينا الرحيل. الآن.»

«إلى أين؟» سأل آدم.

«إلى المكان الذي بدأت فيه الحكاية.»

«أنت هنا منذ سبعة عشر عامًا، ولا تستطيع أن تخبرني ما الذي حدث؟»

توقف يوسف.

«أستطيع. لكن إذا أخبرتك بكل شيء الآن، فسوف تعرف اليد أنك أصبحت مستعدًا.»

جاء الصوت من أعماق الممر.

«إنه مستعد بالفعل.»

تجمد يوسف.

ظهر على الجدار ظل هائل، رغم عدم وجود أي مصدر للضوء خلفه. تحرك الظل فوق الحجارة، وامتدت أصابعه نحو آدم.

صرخ يوسف:

«لا تنظر إليها!»

لكن آدم كان قد نظر.

وللحظة واحدة، رأى داخل الظل وجوهًا لا حصر لها؛ رجالًا ونساءً وأطفالًا، يفتحون أفواههم في صمت.

ثم سمع صوت أمه.

«آدم، حبيبي.»

لم تكن الذكرى.

كان الصوت حيًا، دافئًا، قريبًا جدًا.

استدار آدم نحو مصدره.

وفي نهاية الممر، ظهرت امرأة ترتدي ثوبًا أبيض، وعلى صدرها القلادة التي رآها في الصورة.

كانت أمه.

ابتسمت له.

«لقد تأخرت يا بني.»

اندفع نحوها، لكن يوسف أمسكه بعنف.

«لا تقترب منها!»

وفي اللحظة التي قال فيها ذلك، اختفت المرأة.

وانطلقت من الجدار صرخة هزت الممر بأكمله.

كانت اليد الخفية قد وجدت طريقها إلى ذاكرة آدم.

والآن، أصبحت تعرف أضعف نقطة فيه.

الفصل الرابع: مدينة تحت المدينة

image about روايــة الــــيد الــخفــــية

هرب الثلاثة عبر ممر جانبي ضيق، بينما أخذت الحجارة تتساقط خلفهم.

كان يوسف يتقدم بخطوات سريعة، ويضيء الطريق بمصباحه. أما مايا، فكانت تحاول تسجيل الرموز التي تظهر على الجدران بهاتفها، حتى لا يضيع الدليل الوحيد الذي يثبت أن هذا المكان موجود فعلًا.

قال آدم وهو يلهث:

«هل ستخبرني أخيرًا ما الذي يحدث؟»

«عندما نصل.»

«قلت ذلك قبل قليل!»

توقف يوسف فجأة أمام جدار أملس.

«لأن المكان يستمع إلينا.»

وضع كفه على الحجر، وهمس بكلمات بلغة لم يفهمها آدم. انفتح الجدار إلى الداخل، كاشفًا عن قاعة واسعة.

توقف الجميع.

لم تكن القاعة أثرية بالمعنى المعتاد. كانت مدينة كاملة تمتد تحت الأرض، تتخللها شوارع حجرية، وأبراج شاهقة، وقنوات مياه تتوهج في أعماقها أضواء زرقاء.

وفي السماء، أو ما بدا كسماء داخل ذلك المكان، تحركت نجوم بطيئة بين سحب سوداء.

قالت مايا:

«هذا مستحيل.»

أجاب يوسف:

«إنه ليس تحت الأرض تمامًا. إنه بين مكانين.»

أشار إلى مبنى ضخم في وسط المدينة، تعلوه ثماني بوابات حجرية.

«هذه مدينة العتبات. كانت موجودة قبل أن يعرف البشر كيف يبنون المدن التي نعرفها.»

سألت مايا:

«من بناها؟»

«أناس اكتشفوا أن العالم ليس مكانًا واحدًا.»

قادهم يوسف إلى منصة مرتفعة تطل على المدينة. كانت هناك عشرات الأجراس المعلقة في الهواء، تتحرك دون أن تصدر صوتًا.

قال:

«هناك طبقات للواقع. عالمنا واحدة منها، لكن توجد طبقات أخرى تتقاطع معه. بعض هذه الطبقات تحفظ الذكريات، وبعضها يحتفظ بالاحتمالات التي لم تتحقق. واليد الخفية تستطيع الانتقال بينها.»

نظر آدم إلى كفه.

«هل هي كائن حي؟»

«لا أعرف إن كان تعريف الحياة ينطبق عليها. لكنها تفكر، وتتعلم، وتتذكر. والأهم أنها تستطيع التأثير في قرارات البشر.»

«كيف؟»

أجابه يوسف:

«تخيل أنك تقف أمام طريقين. تختار الأول لأنك تعتقد أنك تريد ذلك. لكن ماذا لو كانت القوة التي دفعتك إلى الاختيار قد غيرت احتمالًا صغيرًا في عقلك قبل أن تفكر؟ ماذا لو كانت كل الصدف التي أوصلتك إلى هنا قد صُنعت بعناية؟»

شعر آدم ببرودة في أطرافه.

تذكر الرسالة التي وصلته قبل اختفاء والده. وتذكر أنه اختار دراسة الآثار بسبب حلم قديم رآه وهو طفل.

ماذا لو لم يكن أي من ذلك اختياره؟

قالت مايا:

«لكن لماذا يحتاج إلى البشر؟»

أجاب يوسف:

«لأنه لا يستطيع العبور كاملًا إلى عالمنا دون إرادة بشرية. إنه يحتاج إلى عقل يفتح له الطريق، وقلب يتحمل وجوده.»

نظر إلى آدم.

«ولهذا اختارك.»

في تلك اللحظة، دوّى جرس في وسط المدينة.

ثم جرس آخر.

وبعده، أضاءت البوابات الثماني واحدة تلو الأخرى.

قال يوسف بصوت خافت:

«لقد استيقظت البوابات.»

ظهر فوق المدينة ضوء أحمر، وبدأت النجوم في السماء الداخلية تتساقط مثل شرارات النار.

على إحدى البوابات، ظهرت صورة لمدينة حديثة.

طوكيو.

وعلى بوابة أخرى، ظهرت روما.

ثم لندن ونيويورك ومكسيكو سيتي وإسطنبول، حتى ظهرت المواقع الثمانية كاملة.

سألت مايا:

«ماذا سيحدث عندما تفتح جميعها؟»

لم يجب يوسف فورًا.

ثم قال:

«ستصبح المسافة بين عالمنا وعالم اليد صفرًا.»

«وماذا يعني ذلك؟»

نظر إلى ابنه.

«يعني أن كل شيء يمكن أن يتغير. التاريخ، والذاكرة، والموت نفسه.»

اقترب آدم من البوابة الأقرب.

كان يرى خلف سطحها صورة لشارع في القاهرة، لكن الشارع كان خاليًا، والسيارات متوقفة في منتصف الطريق، والناس واقفين بلا حراك.

ثم رأى نسخة من نفسه تعبر الشارع.

كانت النسخة ترفع يدها اليمنى.

وتبتسم.

همس صوت من خلف البوابة:

«كل ما تحتاج إليه هو أن تطلب.»

أبعد آدم يده.

فانطفأت البوابة.

لكن في مكان بعيد، بدأت بوابة أخرى تفتح.

الفصل الخامس: سرّ إلياس فوس

image about روايــة الــــيد الــخفــــية

في لندن، دخل إلياس فوس إلى غرفة لم يرها أحد من العاملين في مؤسسته.

كانت تقع خلف مصعد لا يتوقف إلا إذا وضع يده على لوحة سوداء لا تحمل أزرارًا.

داخل الغرفة، امتدت خريطة ضخمة للعالم فوق الأرضية، ورُسمت عليها ثماني دوائر مضيئة.

كانت سبع منها تتوهج باللون الأزرق.

أما الدائرة الثامنة، فكانت سوداء تمامًا.

وقف إلياس في منتصف الخريطة، وخلع قفازيه.

كانت على يده اليسرى علامة قديمة، تشبه العلامة الموجودة على كف آدم، لكنها مشوهة وممتدة نحو الرسغ.

قال:

«لقد وصل إلى المدينة.»

جاءه صوت من مكبر مخفي:

«وهل رأى والده؟»

«نعم.»

«إذن ستبدأ الذكريات في العودة.»

جلس إلياس أمام شاشة زجاجية، فظهرت صورة لامرأة شابة تحمل طفلًا.

مريم منصور.

تحت الصورة، ظهر تاريخ قديم، ثم مجموعة من التسجيلات التي لم يسمعها أحد منذ عقود.

ضغط إلياس على أحدها.

ظهر يوسف منصور على الشاشة، في غرفة تشبه المختبر.

كان أصغر سنًا، وعلى وجهه آثار التعب.

قال يوسف في التسجيل:

«إذا وصل هذا التسجيل إلى آدم، فهذا يعني أنني فشلت في حمايته. يجب أن يعرف أن اليد ليست عدونا الوحيد.»

توقف التسجيل للحظة، ثم تابع:

«هناك إنسان فتح البوابة الأولى عمدًا. شخص يعرف كيف يستخدم العلامة دون أن يفقد إرادته. وإذا عاد، فلن يكون هدفه السيطرة على العالم، بل إعادة كتابة اللحظة التي خسر فيها كل شيء.»

انتهى التسجيل.

ظل إلياس صامتًا.

ثم فتح درجًا وأخرج صورة أخرى.

كان فيها يقف إلى جانب يوسف ومريم أمام بوابة حجرية.

لكن هذه المرة، ظهر شخص رابع في الصورة.

إلياس نفسه، مرتديًا ملابس سوداء، وبيده سكين فضية.

رفع الصورة نحو الضوء.

«لقد أخبرتني أنك متَّ في البوابة الأولى»، قال بصوت منخفض.

فجأة، انطفأت الشاشة.

ظهر انعكاس شخص خلفه في زجاج المكتب.

كان رجلًا طويلًا، يرتدي قناعًا أبيض بلا ملامح.

قال الرجل:

«لقد كذبت عليك.»

استدار إلياس، لكنه لم ينهض.

«من أنت؟»

«الشخص الذي جعل كل ذلك ممكنًا.»

«أنت اليد الخفية؟»

ضحك الرجل.

«اليد ليست ما تظنه. إنها مجرد باب. وأنا الشيء الذي ينتظر خلفه.»

رفع الرجل قناعه.

لم يكن له وجه.

كان مكان ملامحه سطح أسود يعكس الغرفة كما لو كانت مغمورة بالماء.

ثم مد يده نحو إلياس.

«ساعدني في الوصول إلى آدم، وسأعيد إليك ما فقدته.»

ارتجفت أصابع إلياس.

للحظة، ظهر في عينيه حزن عميق.

«لا تستطيع إعادة الموتى.»

أجاب الصوت:

«من قال إنهم ماتوا؟»

ظهرت في المرآة صورة طفلة صغيرة تركض في حديقة.

كانت ابنة إلياس، التي فقدها في حادث قبل خمسة وعشرين عامًا.

توقف الرجل عن الكلام.

كانت الطفلة تضحك في الصورة، وترفع يديها نحو أبيها.

همست:

«أبي...»

أغمض إلياس عينيه.

لقد أمضى نصف حياته في البحث عن الحقيقة، والنصف الآخر في محاولة الهرب من الذنب الذي شعر به بعد موت ابنته. كان يعرف أن الحزن قد يدفع الإنسان إلى تصديق المستحيل، لكنه لم يتوقع أن يصل به الأمر إلى هنا.

عندما فتح عينيه، كانت الصورة قد اختفت.

وبقيت يد سوداء مطبوعة على المرآة.

قال الرجل:

«أحضر لي آدم منصور.»

لم يرد إلياس.

لكن العلامة على يده اليسرى بدأت تتوهج.

وفي مكان بعيد تحت صحراء مصر، فتح يوسف عينيه فجأة.

قال لابنه:

«لقد عرفوا مكاننا.»

ثم دوّى صوت انفجار من أعماق المدينة.

كانت إحدى البوابات قد انكسرت.

وخلفها، لم يكن هناك عالم آخر.

كان هناك ظلام يتحرك.

الفصل السادس: روما والساعة التي لا تتحرك

Time's Labyrinth: 10 Deep Time Travel Cinema Picks - Movies and Collections

لم تكن مدينة العتبات مكانًا يمكن البقاء فيه طويلًا.

بعد انكسار البوابة، قاد يوسف ابنه ومايا إلى غرفة دائرية تتوسطها منصة حجرية. كانت على أرضيتها خريطة للعالم، تتوهج فوقها ثماني علامات.

قال يوسف:

«إذا أردنا منع اليد من العبور، فعلينا الوصول إلى أصل العلامات. أولها في روما.»

سأله آدم:

«ولماذا روما؟»

«لأن هناك رجلًا عاش أكثر من ثلاثمئة عام، ورأى البوابة الأولى تُفتح.»

وضع يوسف الحجر الأسود على المنصة. ارتفع الضوء الأزرق، وظهرت دائرة من الهواء المتلألئ.

لكن قبل أن يعبروا، أمسك يوسف بذراع آدم.

«هناك شيء يجب أن تعرفه. كل مرة تستخدم فيها العلامة، ستفقد ذكرى. قد تكون ذكرى صغيرة، وقد تكون شيئًا لا تستطيع استعادته أبدًا.»

«لماذا لم تخبرني بذلك من البداية؟»

«لأنني كنت أخشى أن تختار التخلي عن كل شيء من أجل الوصول إليّ.»

نظر آدم إلى أبيه، ثم عبر البوابة.

وفي اللحظة التي اختفى فيها، شعر بأن وجه أمه يتلاشى قليلًا من ذاكرته.

وصلوا إلى روما عند منتصف الليل.

ظهرت أمامهم ساحة قديمة خالية من الناس، تتوسطها نافورة جافة. كانت المدينة تبدو طبيعية من بعيد، لكن كل ساعة في الشوارع تشير إلى الثانية وثلاث عشرة دقيقة.

حتى الساعات الرقمية توقفت عند الرقم نفسه.

قادهم يوسف إلى كنيسة مهجورة قرب أحد الأزقة. خلف مذبح حجري، وجدوا درجًا ينزل إلى سراديب عميقة.

في نهاية الدرج، جلس رجل عجوز أمام ساعة ضخمة بلا عقارب.

قال الرجل دون أن يرفع رأسه:

«تأخرتم.»

رد يوسف:

«أعرف، يا لورينزو.»

رفع الرجل عينيه.

«أنت لا تعرف شيئًا. لقد بدأوا بمحو المدن من سجلات الزمن.»

اقترب آدم.

«من أنت؟»

«أنا الرجل الذي فتح الباب الأول، والرجل الذي أغلقه. وأنا أيضًا الرجل الذي تسبب في موت آلاف الأشخاص عندما حاول إصلاح خطئه.»

أشار لورينزو إلى الساعة.

داخل زجاجها، كانت صور تتحرك: حروب لم تحدث، مدن احترقت قبل بنائها، وأطفال يقفون أمام قبور أشخاص لم يولدوا بعد.

قال:

«اليد الخفية لا تتحكم في الزمن كما يعتقد الناس. إنها تتحكم في الاحتمالات. تختار طريقًا من بين طرق كثيرة، ثم تجعل العالم يعتقد أن ذلك الطريق كان الوحيد الممكن.»

سألته مايا:

«كيف نوقفها؟»

أجاب:

«يجب تدمير المراسي الثمانية، وهي الأشياء التي تربط قوتها بعالمكم.»

أخرج من جيبه قطعة معدنية قديمة، ووضعها في يد آدم.

«هذه أول مرساة. لكنها ليست مجرد أداة. إنها تحفظ ذكرى أول شخص قاوم اليد.»

عندما لمس آدم القطعة، رأى مشهدًا واضحًا.

رجل يقف أمام البوابة السوداء.

سبعة أشخاص حوله.

وامرأة ترفع طفلًا بين ذراعيها.

ثم سمع صوتًا يقول:

«لن يُهزم الظل بقوة أكبر منه، بل بشيء لا يستطيع امتلاكه.»

اختفت الرؤيا.

وعندما رفع آدم رأسه، كان لورينزو يحدق فيه بخوف.

«لقد رأتك.»

«من؟»

«اليد.»

اهتزت الساعة الضخمة.

ثم انفتح زجاجها من الداخل، وخرجت منه أصابع سوداء.

صرخ لورينزو:

«اهربوا!»

لكن الظل لم يطاردهم.

بل أمسك بساعة الجدار، وانتزع منها عقربًا ذهبيًا.

ثم رسم على الهواء صورة مايا وهي تقف أمام رجل مجهول في طوكيو.

قال الصوت:

«ابنة الخائن ستكون المفتاح.»

واختفت اليد.

الفصل السابع: الخيانة في طوكيو

image about روايــة الــــيد الــخفــــية

كانت مايا تعرف أن والدها لم يكن عالمًا عاديًا.

قبل اختفائه، كان يرسل إليها رسائل قصيرة عن النجوم، ويحدثها عن نظريات لا يفهمها أحد. لكنه لم يخبرها قط بأنه شارك في تجربة سرية، ولم يقل إن حياته كانت مرتبطة ببوابات تظهر في أماكن مختلفة من العالم.

بعد مغادرة روما، ظلت تفكر في كلمات لورينزو.

ابنة الخائن ستكون المفتاح.

وفي طوكيو، اكتشفت السبب.

وصل الثلاثة إلى المدينة عبر بوابة مخفية في نفق مهجور. كانت السماء تمطر، وأضواء الأبراج تنعكس على الشوارع، بينما ظهرت على شاشات الإعلانات صورة عين سوداء لا يلاحظها سوى آدم.

قادهم يوسف إلى معبد قديم يقع في منطقة جبلية خارج المدينة.

هناك، وجدوا امرأة ترتدي معطفًا أبيض.

كانت تشبه مايا إلى حد جعلها تتراجع.

لكنها لم تكن مايا.

كانت أمها.

همست مايا:

«أمي؟»

ابتسمت المرأة.

«لقد كبرتِ.»

لم تتحرك مايا. كانت أمها قد اختفت عندما كانت في الخامسة من عمرها، ولم تترك خلفها سوى قلادة وصورة باهتة.

قالت المرأة:

«أعرف أن لديك أسئلة كثيرة. لكن علينا أن نغادر قبل أن يصلوا.»

سأل آدم:

«من أنتِ؟»

أجابته:

«اسمي ليان تشين. كنت واحدة من الحراس الذين حاولوا منع فتح البوابة الأولى.»

نظر يوسف إليها بغضب.

«أنتِ من أخبرهم بمكان الحجر.»

لم تنكر.

«كنت أحاول إنقاذ ابنتي.»

تراجعت مايا.

«إنقاذي من ماذا؟»

نظرت إليها أمها طويلًا.

«من القوة التي تعيش داخل ذاكرتك.»

في تلك اللحظة، انطفأت أضواء المعبد.

ظهر رجل يرتدي قناعًا أبيض عند المدخل.

كان إلياس فوس.

رفع يديه، وقال:

«لا داعي للمقاومة. أريد فقط أن آخذ آدم.»

وقف يوسف أمام ابنه.

«لن يحدث ذلك.»

ابتسم إلياس بحزن.

«أنت لا تزال تظن أنني أعمل لحساب اليد.»

ثم أخرج من جيبه صورة قديمة ووضعها على الأرض.

كانت الصورة لآدم وهو طفل، يقف بين والديه.

لكن خلفهم، ظهر رجل رابع.

الرجل نفسه الذي ظهر في الصورة القديمة مع إلياس ويوسف ومريم.

قال إلياس:

«اليد ليست العدو الحقيقي. إنها السجن.»

اهتز المعبد.

وانشق الهواء خلفه، كأن السماء تحولت إلى زجاج.

ظهرت وراء الشق مدينة كاملة مقلوبة، تتدلى أبراجها من سقف أسود.

ومن قلب المدينة، جاء صوت مألوف:

«كفى أسرارًا.»

ثم ظهر رجل يشبه آدم تمامًا.

كان يرتدي ملابس سوداء، وعلى وجهه ندبة تمتد من الجبهة إلى الذقن.

قال الرجل:

«اسمي آدم أيضًا. وأنا النسخة التي تركتموها تموت.»

الفصل الثامن: الرجل الذي كان يمكن أن يكون آدم

image about روايــة الــــيد الــخفــــية

لم يهاجم الرجل الغريب أحدًا.

وقف وسط المعبد، يحدق في آدم بنظرة شخص يرى وجهه في المرآة بعد سنوات طويلة.

قال:

«أنت تعتقد أن حياتك بدأت عندما استيقظت في لندن. لكن هناك نسخًا أخرى منك، في احتمالات لم تحدث.»

سأله آدم:

«هل أنت من عالم آخر؟»

«أنا من احتمال آخر. في عالمي، ماتت مايا قبل أن نصل إلى القاهرة، وقتل أبي نفسه وهو يحاول إغلاق البوابة. أما أنت، فقد فتحتها بالكامل.»

نظر آدم إلى مايا.

كانت شاحبة، لكنها لم تتراجع.

قال الرجل:

«اليد أعطتني فرصة لتغيير ذلك. لكنها طلبت شيئًا في المقابل.»

«ماذا؟»

«أن أساعدها في الوصول إلى العالم الحقيقي.»

اقترب الرجل من آدم.

«أنا لا أريد أن أكون خادمًا لها. أريد فقط أن أستعيد ما فقدته.»

فهم آدم الألم في صوته. لم يكن الرجل شريرًا بطبيعته، بل نسخة منه اتخذت قرارات مختلفة، وفقدت كل ما كان يمنحه سببًا للاستمرار.

قال آدم:

«إذا ساعدتك على العودة، هل ستتوقف اليد؟»

ضحك الرجل بمرارة.

«لا أحد يوقفها. إنها تمنحك ما تريد، ثم تجعل ثمنه أغلى من قدرتك على الدفع.»

مد يده نحو آدم.

«تعال معي. يمكننا تغيير كل شيء.»

شعر آدم بأن العلامة في كفه تنبض.

رأى في ذهنه أمه، وطفولته، ووالده وهو يرحل. رأى كل فرصة ضائعة، وكل ليلة انتظر فيها عودة شخص لن يعود.

كان يستطيع أن يعيد الماضي.

أو على الأقل، كان ذلك ما أراد تصديقه.

لكنه تذكر كلمات والده:

كل مرة تستخدم فيها العلامة، ستفقد ذكرى.

قال آدم:

«إذا أعدت الماضي، فلن أكون الشخص الذي أنا عليه الآن.»

تغير وجه الرجل.

«إذن اخترت أن تبقى ضعيفًا.»

«اخترت ألا أسمح للألم بأن يقرر عني.»

مد الرجل يده، فانفجرت النوافذ، واندفعت قوة سوداء نحو آدم.

لكن مايا أمسكت بيده.

في اللحظة التي تلامست فيها أيديهما، تشكل حولهما ضوء ذهبي، وتراجعت القوة.

تراجع الرجل الغريب مذهولًا.

همس:

«هذا مستحيل...»

قالت ليان:

«ليست القوة وحدها هي التي تصنع العبور. الارتباط بين البشر يمكن أن يمنع اليد من فرض احتمال واحد.»

اختفى الرجل داخل الشق، لكنه ترك خلفه قطعة صغيرة من المعدن الأسود.

أخذها آدم.

كانت عليها علامة جديدة، لم تظهر على الخريطة من قبل.

علامة تشير إلى مكسيكو سيتي.

وفي اللحظة نفسها، انطلقت صرخة من أعماق المعبد.

كانت ليان تسقط على الأرض.

ظهرت فوق صدرها علامة سوداء، ثم بدأت عيناها تفقدان لونهما.

ركعت مايا إلى جانبها.

«أمي!»

همست ليان:

«لا تبحثوا عن المراسي فقط. ابحثوا عن الشخص الذي صنعها.»

ثم أغمضت عينيها.

لكنها لم تمت.

اختفت من المكان، كما اختفى يوسف قبل سنوات.

وتركت ابنتها وحيدة أمام حقيقة أشد قسوة:

ربما لم تكن أمها تحاول إنقاذها من اليد.

ربما كانت تحاول حمايتها من آدم نفسه.

الفصل التاسع: مدينة الموتى في المكسيك

image about روايــة الــــيد الــخفــــية

كانت العلامة الجديدة تقود إلى معبد قديم خارج مكسيكو سيتي، حيث اكتشف علماء الآثار قبل سنوات غرفة لم يتمكنوا من فتحها.

وصل آدم ومايا وإلياس إلى الموقع عند الفجر.

كان يوسف قد اختفى مرة أخرى بعد حادثة طوكيو، تاركًا رسالة قصيرة:

لا تثقوا بكل ما تتذكرونه عني.

لم تعد مايا تتحدث كثيرًا. كانت تحمل قلادة أمها، وتفكر في كل الكلمات التي لم تقلها لها.

أما إلياس، فقد بدا كأنه أصبح أكبر سنًا خلال أيام قليلة.

قال آدم:

«أخبرني بالحقيقة. لماذا تطاردني؟»

أجاب إلياس:

«لأنك الوحيد الذي يستطيع فتح المرساة الأخيرة.»

«ولماذا أنا؟»

«لأنك لست مجرد حامل للعلامة. أنت ابن المرأة التي أغلقت البوابة الأولى.»

توقف آدم.

«مريم؟»

أومأ إلياس.

«والدتك لم تمت. لقد ضحت بوجودها كي تمنع اليد من العبور. لكن الباب لم يُغلق تمامًا. بقي جزء منه فيك منذ ولادتك.»

لم يجد آدم ما يقوله.

كل حياته كانت مبنية على ذكرى أم ميتة وأب غائب. والآن، أصبح كلاهما جزءًا من سر لا يستطيع فهمه.

دخلوا الغرفة القديمة.

في وسطها، وُجدت ثمانية تماثيل حجرية بلا وجوه، تحيط بمرآة سوداء.

وعلى الأرض، ظهرت آلاف الأسماء المنقوشة.

كانت أسماء أشخاص اختفوا عبر القرون.

اقتربت مايا من المرآة.

«هذه الأسماء ليست للضحايا فقط.»

مررت أصابعها فوق أحد النقوش.

«إنها أسماء الذين حاولوا مقاومة اليد.»

فجأة، ظهر اسمها.

ثم اسم والدها.

ثم اسم آدم.

لكن اسم آدم كان محفورًا مرتين.

أحدهما بتاريخ ميلاده.

والآخر بتاريخ لم يأتِ بعد.

قال إلياس:

«هذه هي المدينة التي تحفظ الاحتمالات الميتة. كل اسم هنا يعود إلى حياة كان يمكن أن تحدث، لكنها لم تحدث.»

تحركت المرآة.

ظهر خلفها رجل يرتدي قناعًا أبيض.

رفع يده، فبدأت الأسماء تختفي واحدًا تلو الآخر.

صرخت مايا:

«إنه يمحوهم!»

أخرج آدم الحجر الأسود، ووضعه على الأرض بين التماثيل.

اندفعت موجة من الضوء الأزرق.

توقفت الأسماء عن الاختفاء.

لكن المرآة تشققت، وظهر خلفها عالم آخر.

عالم مليء بآدم.

آدم عجوز.

آدم طفل.

آدم يرتدي تاجًا من الذهب.

آدم يقف فوق مدينة محترقة.

وفي منتصف الصور كلها، ظهرت امرأة واحدة.

مريم منصور.

كانت تنظر إلى آدم، وتبكي بصمت.

ثم كتبت على سطح المرآة:

«لا تدمر المراسي الثمانية. اجمعها.»

الفصل العاشر: الخريطة التي تتنفس

اكتشف آدم أن المراسي الثمانية لم تكن أدوات منفصلة، بل أجزاء من آلة قديمة صُممت لحفظ التوازن بين طبقات الواقع.

إذا دُمّرت، انهار الحاجز بين العوالم.

وإذا جُمعت، أمكن الوصول إلى مصدر اليد الخفية.

لكن هناك مشكلة واحدة.

كانت كل مرساة موجودة في مكان مختلف، وتحرسها قوة مرتبطة بأكبر مخاوف الشخص الذي يحاول الوصول إليها.

أخرج إلياس دفترًا قديمًا من حقيبته.

قال:

«المرساة الأولى في روما، وقد حصلنا عليها. الثانية في القاهرة، والثالثة في طوكيو. الرابعة هنا. الخامسة في إسطنبول، والسادسة في نيويورك، والسابعة في أنتاركتيكا.»

سألته مايا:

«والثامنة؟»

تردد إلياس.

«لا يوجد لها مكان ثابت.»

«ماذا يعني ذلك؟»

«إنها ليست في العالم. إنها في ذاكرة الشخص الذي فتح البوابة الأولى.»

نظر آدم إليه.

«من هو؟»

أجاب إلياس:

«أنا لا أعرف اسمه الحقيقي.»

لكن كفه اليسرى بدأت تتوهج.

كان يكذب.

وقبل أن يتمكن آدم من مواجهته، ظهرت خريطة مضيئة فوق الأرض.

تحركت خطوطها كأنها أوعية دموية، وامتدت نحو الشرق.

إسطنبول.

هناك، تحت المدينة القديمة، كان ينتظرهم سرّ لم يستطع إلياس إخفاءه طويلًا.

الفصل الحادي عشر: إسطنبول والباب المزدوج

image about روايــة الــــيد الــخفــــية

كانت إسطنبول مدينة تعيش بين عالمين، تمامًا مثل آدم.

بحر يفصل القارتين، وشوارع تتجاور فيها الأبنية الحديثة مع المساجد والقصور القديمة. لكن تحت المدينة، في أعماق نفق لم يظهر على أي خريطة، كان هناك بابان متقابلان.

الأول مصنوع من الحجر الأبيض.

والثاني مصنوع من حجر أسود لا يعكس الضوء.

وقف آدم بينهما، وشعر بأن كفه تحترق.

قالت مايا:

«أي باب سنفتح؟»

أجاب إلياس:

«الأبيض يعيدك إلى الماضي. والأسود يريك المستقبل.»

اختار آدم الباب الأبيض.

فانفتح على غرفة طفولته.

كان في الخامسة من عمره، يجلس بجانب أمه، بينما يقف يوسف عند النافذة.

سمع أباه يقول:

«إذا عرفوا أن الطفل يحمل العلامة، فلن يتركوه يعيش.»

أجابت مريم:

«إذن علينا أن نمحو ذاكرته.»

«سيفقدنا جميعًا.»

«أفضل أن ينسى أننا أحببناه، من أن يتذكر العالم كله أنه المفتاح.»

تجمد آدم.

كانت هذه الحقيقة التي حُذفت من ذاكرته.

لم تمت أمه.

بل محوا ذكرياته عنها كي يخفوا العلامة.

ثم رأى نفسه طفلًا يُحمل بين ذراعي مريم، وهي تضع يدها على جبينه وتهمس:

«سامحني يا بني.»

انكسرت الصورة.

عاد آدم إلى النفق، والدموع في عينيه.

لم يقل شيئًا.

اقتربت مايا منه، لكنها لم تلمسه.

قالت بهدوء:

«يمكن أن تحزن عليها. ليس عليك أن تكون قويًا طوال الوقت.»

للمرة الأولى منذ بداية الرحلة، سمح آدم لنفسه بالبكاء.

وفي نهاية النفق، انفتح الباب الأسود وحده.

ظهر خلفه رجل يرتدي القناع الأبيض.

قال:

«لقد عرفت الحقيقة. والآن، حان الوقت لتعرف من أكون.»

نزع القناع.

كان وجهه وجه إلياس.

لكن إلياس الحقيقي كان يقف إلى جوار آدم.

صرخت مايا.

أما الرجل الثاني، فقال:

«أنا إلياس الذي اختار طريقًا آخر.»

ثم أشار إلى إلياس الحقيقي.

«وهذا هو الرجل الذي خانني.»

الفصل الثاني عشر: خيانة الرجل الذي أراد إنقاذ العالم

image about روايــة الــــيد الــخفــــية

لم ينكر إلياس الحقيقي ما سمعه.

قال:

«في احتمال آخر، كنت أعمل مع الرجل الذي ترونه. كنا نعتقد أن اليد تستطيع إعادة الموتى. حاولنا فتح البوابة، فابتلعت المدينة بأكملها.»

سأله آدم:

«ومن هذا الرجل؟»

أجاب إلياس:

«نسخة مني نجحت في النجاة، لكنها فقدت كل شيء. ومنذ ذلك اليوم، وهي تحاول إعادة كتابة الواقع.»

ابتسم الرجل المقنّع.

«لا تختصر الحكاية. أنت من ترك ابنتي تموت.»

ارتجف وجه إلياس.

«لم أستطع إنقاذها.»

«كان بإمكانك الاختيار.»

«لم يكن هناك اختيار!»

صرخ الرجل:

«دائمًا يوجد اختيار. أنت فقط لم ترغب في دفع الثمن.»

رفع الرجل يده، فانفتحت خلفه بوابة سوداء.

ظهرت مدينة كاملة، تعج بأشخاص يتحركون في صمت. كانت مدينة لم تعد موجودة في أي احتمال معروف.

قال الرجل:

«ساعدني يا آدم. أستطيع أن أعيد أمك. أستطيع أن أعيد والدتي وابنتي. أستطيع أن أعيد كل شخص فقده العالم.»

سأله آدم:

«وماذا سيحدث للأشخاص الذين يعيشون الآن؟»

«سيُعاد ترتيب العالم.»

«أي أنك ستمحو حياتهم.»

«سأمنحهم حياة أفضل.»

نظر آدم إلى إلياس الحقيقي.

لأول مرة، فهم لماذا ظل الرجل يلاحقه. لم يكن يحاول السيطرة على العالم، بل منع نفسه من ارتكاب الخطأ الذي ارتكبه نظيره.

لكن الرجل المقنّع كان قد بدأ بالفعل في فتح البوابة.

اندفع آدم نحوه.

تلامست العلامتان.

وانفجر المكان بضوء أبيض.

رأى آدم آلاف الاحتمالات تتدفق أمامه، لكنه لم يختر أيًّا منها.

بدلًا من ذلك، قال:

«لا أحد يملك حق اختيار حياة الآخرين نيابة عنهم.»

ثم قبض على يد الرجل.

توقفت البوابة.

للحظة واحدة، رأى آدم الحزن الحقيقي في عيني خصمه.

ثم اختفى الرجل، تاركًا وراءه المرساة الخامسة.

كانت العلامة في يده قد اسودّت بالكامل.

قال بصعوبة:

«لم يعد لدينا وقت. لقد عرف مكان المرساة الأخيرة.»

«أين هي؟» سأل آدم.

نظر إلياس إلى القارة القطبية الجنوبية.

«تحت الجليد... حيث دُفن أول إنسان فتح الباب.»

الفصل الثالث عشر: نيويورك والسماء المنكسرة

image about روايــة الــــيد الــخفــــية

قبل الوصول إلى أنتاركتيكا، احتاجوا إلى المرساة السادسة، التي كانت مخبأة داخل مبنى مهجور في نيويورك.

وصلوا إلى المدينة عند الفجر، لكنهم وجدوا شوارعها خالية بصورة غريبة.

كانت السيارات متوقفة وسط الطرق، والقطارات معلقة في الأنفاق، والطيور ثابتة في الهواء.

لم يتحرك شيء.

قالت مايا:

«الزمن توقف هنا.»

أجاب آدم:

«لا. شيء ما يجعلنا نعتقد أنه توقف.»

دخلوا مبنى قديمًا في مانهاتن، وصعدوا إلى الطابق الأخير. هناك وجدوا غرفة مليئة بالمرايا.

كل مرآة تعرض مشهدًا مختلفًا من حياة آدم.

في إحداها، كان يعيش مع والديه.

وفي أخرى، لم يلتقِ بمايا قط.

وفي ثالثة، كان يقف على عرش أسود، بينما تنحني أمامه مدن العالم.

اقترب من المرآة الأخيرة.

رأى نفسه يمد يده نحو السماء، فتخضع له النجوم.

همس الصوت:

«يمكنك أن توقف الحروب. أن تمنع المجاعات. أن تجعل كل إنسان يحصل على ما يريد.»

قال آدم:

«وما الثمن؟»

«أن تثق بي.»

رفع يده.

كاد يلمس المرآة.

لكن مايا أمسكت به.

«آدم، انظر إليّ.»

التفت إليها.

قالت:

«أنت لست مسؤولًا عن إنقاذ العالم وحدك. ولا تحتاج إلى أن تصبح شيئًا آخر حتى تستحق الحب.»

تراجع عن المرآة.

في اللحظة نفسها، تحطمت المرايا كلها، وظهرت في وسط الغرفة قطعة معدنية زرقاء.

المرساة السادسة.

لكن خلفها، ظهرت صورة والد مايا.

كان حيًا، ويقف في مكان شديد البياض، لا توجد فيه ظلال.

قال:

«مايا، إذا كنت تسمعينني، فلا تثقي بأمك.»

ثم انقطع التسجيل.

حدقت مايا في الشاشة المحطمة.

لقد عادت الحقيقة لتتحول إلى لغز جديد.

وكانت الرحلة إلى القطب الجنوبي تحمل الإجابة الأخيرة.

الفصل الرابع عشر: تحت جليد العالم

Secret Alien Structures Discovered Under Antarctica’s Ic | The Thought Collection

كانت الرياح في أنتاركتيكا تعوي كأنها أصوات آلاف البشر المحبوسين داخل الجليد.

وصل آدم ومايا وإلياس على متن طائرة أبحاث صغيرة، برفقة فريق لم يعرف الحقيقة كاملة. أخبرهم إلياس أنهم يبحثون عن بقايا حضارة قطبية قديمة، ولم يخبرهم أن الحضارة ربما سبقت ظهور الإنسان نفسه.

تحت سطح الجليد، وجدوا مدخلًا ضخمًا محفورًا في الصخر الأسود.

كان الباب يحمل العلامة نفسها التي ظهرت على كف آدم.

وضع يده عليه.

فانفتح.

خلفه، امتدت قاعة شاسعة، وفي مركزها هيكل عظمي لرجل يجلس فوق عرش حجري.

كان الهيكل يرتدي قلادة تحمل صورة عين داخل كف.

اقترب آدم.

وعندما لمس القلادة، انطلقت الذكريات.

رأى الرجل الذي عاد من الصحراء قبل آلاف السنين، حاملًا الحجر الأسود. رأى كيف حاول ستة رجال استخدام اليد لتغيير مصير ممالكهم، وكيف تحولت رغبتهم في النجاة إلى حرب بين الاحتمالات.

ثم رأى الرجل السابع، وهو يقرر التضحية بوجوده كي يغلق البوابة.

لكن قبل أن يغلقها، انقسمت القوة إلى ثمانية أجزاء، ودُفنت في ثماني مراسٍ.

كان ذلك الرجل هو أول حامل للعلامة.

والآن، كان آدم يرى وجهه.

لم يكن وجهًا غريبًا.

كان وجهه هو.

ليس نسخة منه.

بل الوجه نفسه، عبر آلاف السنين.

تراجع آدم مذعورًا.

قال إلياس:

«أنت لم تُختر بالصدفة. العلامة تنتقل عبر سلسلة من الاحتمالات، وتبحث عن شخص يستطيع حملها دون أن يخضع لها.»

«هل أنا ذلك الرجل؟»

«أنت آخر حلقة في السلسلة.»

فجأة، تحرك الهيكل العظمي.

انفتحت عيناه، وظهر فيهما ضوء أزرق.

قال بصوت جاف:

«لم يعد هناك وقت.»

رفع يده العظمية، فظهر فوقها ظل أسود.

«المرساة الأخيرة ليست هنا. إنها في قلب اليد نفسها.»

ثم انهار الهيكل إلى غبار.

وفي مكان بعيد، انفتحت البوابة الثامنة.

الفصل الخامس عشر: اختفاء مايا

في تلك الليلة، اختفت مايا.

لم يجدها آدم في المخيم، ولم تترك وراءها آثار أقدام. الشيء الوحيد الذي بقي هو قلادتها، موضوعة فوق دفتر أبيها.

فتح الدفتر، فوجد رسالة لم يقرأها من قبل:

يا مايا، إذا وصلتِ إلى هذا المكان، فهذا يعني أن آدم قد جمع المراسي. لا تدعيه يفتح البوابة الأخيرة، حتى لو اضطررتِ إلى إيقافه بنفسك.

قرأ الرسالة عدة مرات.

ثم سمع صوتًا من خلفه.

«إنها ليست مخطوفة.»

استدار.

كان يوسف واقفًا عند مدخل المخيم، وقد بدا أكثر إنهاكًا من ذي قبل.

قال آدم:

«أين مايا؟»

«ذهبت إلى اليد.»

«لماذا؟»

«لأنها تعتقد أنها تستطيع إنقاذ والدها.»

أمسك آدم بكتفيه.

«أنت تعرف أين هي!»

«نعم.»

«إذن خذني إليها.»

خفض يوسف رأسه.

«لا أستطيع. إذا دخلت البوابة قبل أن تكون مستعدًا، فسوف تصبح جزءًا منها.»

«وإذا لم أفعل، سأفقدها.»

نظر إليه يوسف طويلًا.

«هذا ما حدث لأمك.»

سكت آدم.

ثم قال يوسف:

«لم تختفِ مريم لأنها لم تحبك. اختفت لأنها كانت تعرف أن اليد ستستخدم حبك لها كي تتحكم بك. لقد أخفت نفسها داخل البوابة، وسمحت للعالم أن ينسى وجودها.»

«هل يمكنني إعادتها؟»

«ربما. لكن ليس بالطريقة التي تتخيلها.»

اقترب يوسف منه.

«يجب أن تفهم أن الحب لا يمنحنا حق تغيير الآخرين. أحيانًا، يكون الحب الحقيقي هو أن نترك لهم حرية الاختيار.»

نظر آدم إلى المراسي الست التي جمعها.

ثم رفع رأسه.

«لن أسمح لليد أن تختار نيابة عن أحد بعد الآن.»

وفي اللحظة التي قال فيها ذلك، ظهرت المرساة السابعة داخل كفه.

أما المرساة الثامنة، فقد بدأت تتشكل من الضوء حول قلبه.

لقد اكتملت الخريطة.

وكان الطريق إلى اليد مفتوحًا.

الفصل السادس عشر: قلب الظل

Once Human spielen | Xbox Cloud Gaming (Beta) auf  Xbox.com

لم تكن البوابة الأخيرة بابًا بالمعنى المعروف.

كانت شقًا في الوجود، يظهر في كل مكان ولا ينتمي إلى أي مكان.

عندما عبر آدم، وجد نفسه واقفًا فوق أرض من الزجاج الأسود، وتحت قدميه انعكست آلاف المدن. بعضها كان حيًا، وبعضها محترقًا، وبعضها لم يوجد قط.

في السماء، لم تكن هناك نجوم.

كانت هناك عيون.

وفي المنتصف، ارتفعت اليد الخفية، هائلة، تتكون من ظلال وأجسام سماوية متحركة.

قال الصوت:

«لقد وصلت أخيرًا.»

ظهر أمامه رجل يرتدي قناعًا أبيض.

كان آدم الآخر، الذي قابله في طوكيو وإسطنبول.

لكنه هذه المرة لم يكن غاضبًا.

كان حزينًا.

قال:

«أنت لا تفهم. اليد ليست شريرة. إنها تحاول إصلاح كل شيء.»

«بمحو العالم؟»

«بتصحيح أخطائه.»

«ومن يحدد ما هو الخطأ؟»

لم يجب الرجل.

ظهرت مايا خلفه، مقيدة بخيوط سوداء تمتد من الجدار.

ركض آدم نحوها، لكن اليد رفعت إصبعها.

توقف في الهواء.

قال الصوت:

«يمكنك إنقاذها. فقط أعطني ما بقي من إرادتك.»

أحس آدم بقوة تجذبه إلى الأمام. بدأت ذكرياته تتدفق خارج عقله: وجه أمه، ضحكة أبيه، أول لقاء له مع مايا، وحتى اسمه.

صرخت مايا:

«لا تستمع إليها!»

لكن آدم كان يضعف.

رأى حياته كلها تتكرر أمامه، وكل لحظة ألم عاشها. رأى كيف كان يمكن أن تكون حياته لو عاد والده، ولو بقيت أمه إلى جانبه، ولو لم يعرف الخوف يومًا.

قالت اليد:

«أستطيع أن أعيد لك كل ذلك.»

رفع آدم رأسه.

«حتى لو لم يكن حقيقيًا؟»

«ما الحقيقة سوى ما تتذكره؟»

توقف.

كان ذلك السؤال هو السلاح الحقيقي للكيان. لم يكن يحاول تدمير آدم، بل إقناعه بأن الألم لا قيمة له، وأن الماضي يمكن استبداله بنسخة أفضل.

لكن آدم تذكر كلمات أمه:

إذا رأيت يومًا بابًا لا تستطيع فتحه، فتذكر فقط من أنت.

قال:

«الحقيقة هي أنني فقدت أشخاصًا أحببتهم. والحقيقة أيضًا أنني واصلت الحياة.»

بدأ الضوء الأزرق يتوهج في كفه.

«لن أسمح لك بمحو ألم الآخرين بحجة إنقاذهم.»

انفجرت الخيوط السوداء حول مايا.

وسقطت على الأرض حرة.

لكن اليد لم تتراجع.

بل بدأت تفتح أصابعها.

وفي الفراغ المحيط بها، ظهر عالم آدم كاملًا، كأنه كرة زجاجية صغيرة.

قال الصوت:

«إذن شاهد ما سيحدث عندما أتركه.»

الفصل السابع عشر: العالم الذي نسي نفسه

في لحظة واحدة، اختفت الحدود بين العوالم.

في القاهرة، نسي الناس أسماءهم.

في لندن، توقفت الأنهار عن الجريان.

في روما، ظهرت مبانٍ من عصور لم يعرفها أحد.

وفي طوكيو، بدأ الأطفال يتذكرون حياة لم يعيشوها.

لم يكن الأمر مجرد فوضى.

كان التاريخ نفسه يتغير.

في المستشفيات، ظهرت أسماء أشخاص ماتوا منذ قرون في سجلات المرضى. وفي المدارس، امتلأت الكتب بصور ملوك لم يحكموا أي بلد. وعلى شاشات الهواتف، بدأت الصور العائلية تتغير، فيختفي أشخاص ويظهر آخرون مكانهم.

كان العالم يفقد ذاكرته المشتركة.

داخل قلب الظل، رأت مايا المشاهد تتدفق حولها.

قالت:

«إذا استمرت، فلن يبقى أحد يعرف من كان.»

أجاب آدم:

«يجب أن نعيد المراسي إلى أماكنها.»

«لكنها لم تعد موجودة. لقد اندمجت معك.»

نظر إلى يده.

كانت العلامة قد امتدت فوق ذراعه كلها، وتحولت إلى شبكة من الضوء الأزرق.

قال:

«إذن سأعيدها من خلالي.»

صرخت مايا:

«هذا قد يقتلك!»

«ربما.»

«لن أسمح لك بذلك.»

ابتسم رغم الخوف.

«لم أعد أريد أن أكون الشخص الذي يحاول إنقاذ الجميع وحده.»

أمسك بيدها.

وفي اللحظة التي تلامست فيها أيديهما، ظهرت حولهما صور أشخاص آخرين.

يوسف.

مريم.

ليان.

إلياس.

لورينزو.

وحتى آدم الآخر، الذي وقف بعيدًا يراقب المشهد.

بدأت أصواتهم تتداخل.

لم تكن أصواتًا تأمر آدم، بل أصواتًا تذكره بأن كل إنسان يملك إرادة، وأن العالم لا يمكن اختزاله في قرار واحد.

قالت مايا:

«أنت لا تحتاج إلى أن تكون أقوى من اليد.»

أجاب:

«أحتاج فقط إلى ألا أكون وحدي.»

ثم رفع يده.

وللمرة الأولى، لم يحاول التحكم في القوة.

بل فتحها.

انتشر الضوء الأزرق في الفراغ، وبدأت المراسي تنفصل عن جسده، واحدة تلو الأخرى.

لكن اليد الخفية صرخت.

كانت تخسر قدرتها على فرض الاحتمال الواحد.

وكانت على وشك كشف سرها الأخير.

الفصل الثامن عشر: الحقيقة التي أخفاها الزمن

تشققت اليد من المنتصف.

ومن داخلها، ظهر رجل مسن، يرتدي ملابس بسيطة، ويمسك حجرًا أسود صغيرًا.

كان الرجل السابع الذي ظهر في النبوءة.

أول حامل للعلامة.

لكن وجهه لم يكن وجه آدم هذه المرة.

كان وجهًا مختلفًا، مرهقًا، مليئًا بالحزن.

قال الرجل:

«أنا الذي صنعت اليد.»

صمت آدم.

تابع الرجل:

«قبل آلاف السنين، فقدت أسرتي في كارثة. كنت عالمًا يبحث عن طريقة لتغيير الاحتمالات، واعتقدت أنني أستطيع صنع قوة تعيد كل شيء إلى ما كان عليه.»

«فخلقت اليد؟»

«خلقت أداة لتجمع الاحتمالات وتعيد ترتيبها. لكنني منحتها قدرة على التعلم. ومع الوقت، لم تعد تميز بين إنقاذ العالم والسيطرة عليه.»

نظر الرجل إلى اليد، التي بدأت تتلوى خلفه.

«كانت تحاول تنفيذ طلبي الأول إلى الأبد: أن تمنع الألم.»

قالت مايا:

«لكنها جعلت العالم كله سجينًا.»

أومأ الرجل.

«لأنها لم تفهم أن الألم ليس خطأ يمكن محوه، وأن الحرية لا تعني ضمان السعادة.»

اقترب آدم.

«لماذا اختارتني؟»

«لأنك تحمل العلامة، لكنك لا تبحث عن السلطة. أنت تبحث عن إجابة. اليد اعتقدت أنها تستطيع استخدام حبك لوالديك كي تجعل منك بابًا.»

«وهل كانت أمي تعرف ذلك؟»

«نعم. وقد اختارت أن تدخل قلب اليد لتحميك.»

ظهر وجه مريم في الفراغ.

لم تكن شبحًا ولا صورة.

كانت امرأة حقيقية، متعبة، لكنها تبتسم.

قالت:

«آدم.»

لم يستطع الرد.

اقترب منها، وكأنه يخشى أن تختفي إذا تحرك بسرعة.

«أمي؟»

أومأت.

«أنا آسفة لأنني تركتك.»

«لماذا لم تعودي؟»

«لأنني كنت أحاول أن أمنعها من الوصول إليك. كل مرة كنت أقترب فيها من العالم، كانت اليد تستخدم ذكرياتك لتفتح بابًا جديدًا.»

دمعت عينا آدم.

«كنت أظن أنك متِّ.»

«وأنا كنت أراك تكبر من بعيد، وأتمنى لو أستطيع أن أمسك يدك مرة أخرى.»

رفع آدم يده.

لكن قبل أن يلمسها، بدأت صورة مريم تتلاشى.

قال الرجل السابع:

«إذا أغلقت البوابة الآن، ستعود إلى عالمك. لكنك لن تستطيع الاحتفاظ بكل ما وجدته هنا.»

نظر آدم إلى أمه.

ثم إلى أبيه، الذي ظهر إلى جوارها.

كان يوسف حيًا، لكنه بدا كأنه يقف على الجانب الآخر من نافذة شفافة.

قال يوسف:

«الاختيار لك يا بني.»

للمرة الأولى، لم يحاول آدم البحث عن طريقة لتجنب الخسارة.

بل قرر أن يواجهها.

قال:

«سأغلق البوابة. لكنني لن أسمح لها بمحو الحقيقة مرة أخرى.»

الفصل التاسع عشر: سقوط اليد الخفية

لم يكن تدمير اليد يحتاج إلى سلاح.

كان يحتاج إلى إعادة الاختيار إلى أصحابه.

وقف آدم في مركز الفراغ، وأمسك الحجر الأسود بكلتا يديه. وضعت مايا يدها فوق يده، ثم انضم إليهما إلياس، الذي وصل عبر الشق الأخير قبل أن ينهار.

ظهرت حولهم صور آلاف البشر، من الماضي والحاضر والاحتمالات التي لم تتحقق.

لم يطلب آدم منهم أن يتحدوا.

لم يأمرهم.

قال فقط:

«إذا كان هذا العالم لكم، فاختاروا بأنفسكم.»

انتشر الضوء من الحجر.

في كل مدينة، استعاد الناس ذكرياتهم. عادت الأسماء إلى أصحابها، وعادت الساعات إلى الحركة، وعادت الأنهار إلى الجريان.

لكن اليد الخفية لم تستسلم.

اندفعت نحو آدم، محاولة الدخول إلى جسده، إلا أن العلامة الموجودة على كفه بدأت تتفكك.

صرخ الرجل السابع:

«الآن! حررها من الوعد الذي أنشأها!»

فهم آدم أخيرًا.

لم تكن اليد مقيدة بسلاسل مادية، بل بأمر قديم: امنع الألم، مهما كان الثمن.

اقترب من الظل، وقال:

«لا أطلب منك أن تصلح العالم. أطلب منك أن تتوقف عن امتلاكه.»

توقفت الأصابع.

للحظة واحدة، عاد الظل إلى هيئة يد بشرية عادية.

ثم بدأ يتفتت إلى آلاف النقاط المضيئة.

لم تكن النقاط تموت.

كانت تتحرر من الشكل الذي حُبست فيه.

أضاء الفراغ كله، واختفت المراسي الثمانية.

انهارت البوابة.

سقط آدم ومايا وإلياس على أرض حجرية باردة.

وعندما فتح آدم عينيه، وجد نفسه في القاعة تحت جليد أنتاركتيكا.

كان العالم لا يزال موجودًا.

لكن العلامة اختفت من يده.

وللمرة الأولى منذ بداية الرحلة، تحرك ظله معه بصورة طبيعية.

الفصل العشرون: العودة إلى الحياة

مرت ثلاثة أشهر.

عاد آدم إلى القاهرة، حيث استأجر شقة صغيرة تطل على شارع مزدحم. لم يعد يسمع أصواتًا في الليل، ولم تعد الساعات تتوقف عندما يدخل غرفة.

لكن الحياة لم تعد كما كانت.

احتفظ آدم بدفتر والده، وبدأ يكتب فيه كل ما يتذكره عن الرحلة. لم يكن متأكدًا إن كان أحد سيصدقه، لكنه لم يعد يشعر بالحاجة إلى إثبات كل شيء.

أما مايا، فعادت إلى عملها في دراسة اللغات القديمة، لكنها لم تعد ترى المخطوطات باعتبارها سجلات للماضي فقط، بل بوصفها آثارًا لأسئلة ظل البشر يطرحونها منذ آلاف السنين.

نجا إلياس، لكنه ترك مؤسسته واختفى عن الأضواء. أرسل إلى آدم رسالة واحدة:

بعض الأخطاء لا يمكن محوها. لكن يمكننا أن نختار ألا نكررها.

وفي أحد الأيام، بينما كان آدم يرتب أوراق والده، وجد ظرفًا صغيرًا لم يره من قبل.

كان مكتوبًا عليه:

إلى آدم، عندما تنتهي اليد الخفية.

فتح الظرف.

في داخله صورة عائلية قديمة.

كان آدم طفلًا، يقف بين أمه وأبيه في حديقة المنزل. لم تكن الصورة مشوشة، ولم تظهر فيها أي علامات غريبة.

على ظهرها، كتبت مريم:

الحياة ليست وعدًا بألا نفقد من نحب. إنها الفرصة التي نمنحها لأنفسنا كي نحبهم ما دمنا قادرين على ذلك.

قرأ العبارة مرات عديدة.

ثم وضع الصورة داخل دفتر والده.

في المساء، خرج إلى الشارع.

كانت القاهرة مزدحمة كعادتها، والناس يتحدثون ويضحكون ويتجادلون. طفل صغير يركض خلف كرة، وبائع ينادي على بضاعته، وامرأة تمسك بيد ابنتها أثناء عبور الطريق.

مشاهد بسيطة.

لكن آدم شعر للمرة الأولى بأنه يرى العالم كما هو، لا كما يتمنى أن يكون.

اقتربت منه مايا.

قالت:

«هل ما زلت تفكر في الأمر؟»

«أحيانًا.»

«هل تخشى عودة اليد؟»

نظر إلى يده اليمنى.

لم يكن عليها سوى ندبة رفيعة.

«لا أعرف إن كانت قد اختفت تمامًا. لكنني أعرف أنها لم تعد تملك قراراتي.»

ابتسمت مايا.

ثم سارا معًا في الشارع.

ولم يلاحظا الظل الصغير الذي ظهر للحظة على جدار قريب.

كان يشبه يدًا مفتوحة.

لكن هذه المرة، لم يحاول الإمساك بأحد.

بل أشار إلى السماء.

الفصل الحادي والعشرون: اليد التي لم تعد خفية

بعد عام كامل، افتتح آدم مركزًا صغيرًا لدراسة المخطوطات المجهولة، بالتعاون مع مايا. لم يعلنا عن اكتشافاتهما، ولم يخبرا أحدًا بالحقيقة الكاملة عن البوابات.

كانا يعرفان أن العالم ليس مستعدًا لتصديق كل شيء.

لكن آدم لم يعد يخشى الأسرار كما كان من قبل.

في إحدى الليالي، تلقى رسالة وصلت إلى بريده الإلكتروني من عنوان لا يعرفه.

لم تتضمن الرسالة سوى ملف صوتي قصير.

تردد قبل فتحه.

ثم ضغط زر التشغيل.

جاءه صوت رجل مسن:

«إذا كنت تسمع هذا التسجيل، فهذا يعني أنك نجحت في إغلاق البوابة.»

كان صوت الرجل السابع.

«أريدك أن تعرف أن اليد لم تكن الشر الوحيد في الحكاية. لقد كانت نتيجة خوف إنسان من فقدان من يحب. لا تجعل خوفك يتحول إلى قيد على الآخرين.»

توقف التسجيل لحظة.

ثم تابع:

«هناك قوى لا ينبغي أن نسيطر عليها، لأن السيطرة ليست الطريق الوحيد للحماية. أحيانًا، أعظم ما يستطيع الإنسان فعله هو أن يترك للآخرين حق الاختيار.»

انتهى التسجيل.

جلس آدم صامتًا.

ثم فتح النافذة.

كانت السماء صافية، والنجوم تظهر فوق المدينة.

رفع يده اليمنى، ونظر إلى الندبة الصغيرة في راحته.

لم يظهر أي ضوء.

لم تتحرك الظلال.

لم يسمع صوتًا غريبًا.

لكن شيئًا داخله تغير إلى الأبد.

لم يعد يريد أن يعرف إن كانت هناك قوة تحرك العالم من خلف الستار.

كان يريد أن يعرف ما الذي يمكن للناس فعله عندما يتوقفون عن الخوف من المجهول.

وفي صباح اليوم التالي، عاد إلى المركز.

كانت مايا تنتظره أمام مكتبه، تحمل مخطوطة جديدة عُثر عليها في أحد الأرشيفات القديمة.

قالت:

«أعتقد أنك ستريد رؤية هذا.»

فتح المخطوطة.

في الصفحة الأولى، ظهر رسم ليد بشرية مفتوحة.

لكنها لم تكن سوداء.

كانت مرسومة بالحبر الذهبي، وحولها ثمانية أشخاص يمسكون بأيدي بعضهم.

وفي الأسفل، كُتبت عبارة:

«حين تتوقف اليد عن التحكم، يبدأ الإنسان في الاختيار.»

ابتسم آدم.

ثم أغلق المخطوطة.

لقد انتهت رحلة اليد الخفية.

لكن العالم سيظل مليئًا بالأبواب التي لم تُفتح بعد، والأسرار التي تنتظر من يكتشفها.

هذه المرة، لم يكن آدم يبحث عن القوة.

كان يبحث عن المعرفة.

وكان يعرف أن الفرق بينهما قد يغيّر العالم كله.

الخاتمة: الحرية أقوى من الخوف

بعد سنوات، صار آدم يروي لأبنائه حكايات عن المدن القديمة، وعن حضارات اختفت، وعن أشخاص حاولوا أن يجعلوا العالم مكانًا مثاليًا.

لم يخبرهم بكل شيء.

لكنه كان يقول لهم دائمًا:

«إذا قابلتم يومًا شيئًا لا تفهمونه، فلا تخافوا منه لمجرد أنه غريب. ولا تثقوا به لمجرد أنه يعدكم بكل ما تريدون. اسألوا دائمًا عن الثمن، وتذكروا أن الاختيار الذي يُنتزع من الإنسان ليس خلاصًا، حتى لو بدا كذلك.»

وفي إحدى الليالي، سأله ابنه الصغير:

«أبي، هل كانت اليد الخفية حقيقية؟»

نظر آدم إلى النافذة.

كان ظل شجرة يتحرك مع الريح فوق الجدار.

ابتسم، ثم أجاب:

«بعض الأشياء تكون حقيقية حتى عندما لا نستطيع رؤيتها. لكن أخطر يد خفية ليست تلك التي تتحرك في الظلام.»

«فما هي؟»

أمسك آدم بيد ابنه الصغيرة.

«هي اليد التي تجعلنا نظن أننا لا نستطيع الاختيار.»

ثم أطفأ المصباح.

وبقيت الغرفة هادئة.

لم تتحرك الظلال من تلقاء نفسها.

ولم تتوقف الساعات.

ولم يأتِ صوت من خلف الجدران.

كان العالم، بكل ما فيه من ألم وأمل، ملكًا لمن يعيشون فيه.

تمت رواية «اليد الخفية».

 

تابع جديد Lamiaa Harb

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق