في هذا المقال
ساعه من ما وراء السحر


كانت ساعة الحائط الرخامية في صالة الشقة تشير تماماً
إلى الثالثة صباحاً، ذلك الوقت الذي يُعرف في الفولكلور الشعبي بـ "ساعة السحر" أو لحظة سكون العالم البشري. في تلك اللحظة بالضبط، استيقظ "سامر" فجأة من نومه، عارياً من الأحلام، ووجد نفسه مستغرقاً في وعي كامل ويقظة تامة وكأن أحدهم نادى اسمه بصوت خفي.
عاش سامر بمفرده في شقة قديمة بالطابق الأخير من عمارة يعود تاريخ بناائها إلى أربعينيات القرن الماضي، عمارة تتميز بممراتها الطويلة المظلمة، وأسقفها العالية، ورائحة الخشب العتيق والرطوبة التي لا تفارق الجدران أبداً. في البداية، اعتقد أن سبب استيقاظه هو عاصفة الرياح الشتوية التي كانت تضرب النوافذ بخشونة، لكن صوتاً خفيفاً ومألوفاً قاطعة تفكيره.
كان الصوت قادماً من غرفة المعيشة المجاورة لغرفة نومه؛ صوت أشبه بتحريك أوراق مقرمشة ببطء شديد، يليه نقر منتظم ومزعج على سطح الطاولة الخشبية: تِك.. تِك.. تِك.
شعر سامر بقشعريرة باردة تسري في عموده الفقري، وابتلع ريقه بصعوبة بالغة محاولاً تهدئة دقات قلبه المتسارعة. تذكّر فوراً أنه تأكد من إغلاق جميع النوافذ والأبواب قبل أن يخلد إلى النوم، كما أن قطه الوحيد "لوسي" كان نائماً بعمق على وسادته الخاصة عند قدمي السرير. إذن.. من أو ما الذي يثير تلك الأصوات في الخارج؟
قرر سامر ألا يستسلم للذعر، فالبحث عن تفسير منطقي هو سلاح العقل الوحيد. نهض ببطء شديد من السرير، محاولاً ألا يصدر أي صوت قد يكشف مكانه. كانت عيناه بالكاد تعتادان على العتمة الدامسة التي لا يخرقها سوى ضوء خافت وقادم من مصابيح الشارع عبر زجاج النافذة.
تسلل بخطوات حذرة نحو باب غرفة النوم المفتوح جزئياً، ومد يده ليطل برأسه على الممر المؤدي إلى غرفة المعيشة. هنا توقفت أنفاسه تماماً.
على طاولة المنتصف في غرفة المعيشة، وتحت شعاع الضوء الضعيف، كان هناك ظل داكن لشخص جالس بظهر منحنٍ ومستغرق في شيء ما. لم يكن شبحاً شفافاً، بل كان كتلة صلبة بلون الفحم، تتحرك بحركات متقطعة وغريبة. وعندما اقترب ببصره، لاحظ الكارثة؛ كان الكائن يعبث بصندوق خشبي قديم ورثه سامر عن جده الراحل، صندوق يحتوي على أقدم صور العائلة وأوراق شخصية وطلسسم قديمة كان الجد يحذر مراراً وتكراراً من فتحها أو العبث بها.
لكن ما أصاب سامر بالرعب الحقيقي لم يكن سرقة الصندوق، بل صوت الكائن وهو يتحدث بصوت منخفض، مخيف، وكأنه يخرج من بئر عميق: "لقد وجدتها أخيرًا.. القطعة الأخيرة لتكتمل اللعبة."
تسمّر سامر في مكانه، وعقله متوقف عن الاستيعاب، فكيف دخل هذا الكائن؟ ومن أين أتى؟ وقبل أن يقرر ما إذا كان سيهرب أو يصرخ، توقف الكائن عن العبث بالصندوق ببطء شديد، وبدأت كتفاه ترتجفان في حركة عكسية للطبيعة البشرية؛ إذ بدأ رأسه يستدير ببطء شديد للخلف.. مئة وثمانين درجة كاملة، وكأن عظامه تتكسر وتتحطم تحت الجلد بلا ألم، حتى أصبحت وجهة وجهه مطابقة تماماً للمكان الذي يقف فيه سامر في عتمة الممر.
لم تكن هناك عيون في وجه ذلك الكائن، بل تجاويف سوداء عميقة ومظلمة تفيض منها رائحة التراب والموت، وابتسامة عريضة شقت وجهه من الأذن إلى الأذن.
صاح سامر برعب ذاب فيه صوته، وأراد التراجع للخلف للركض، لكن ساقيه خانتاه وتسمّرتا في الأرض وكأن جذوراً خفية ربطته بالبلاط البارد. وفي تلك اللحظة المرعبة، اندفع الكائن نحوه بسرعة البرق، مخلفاً وراءه صوتاً يشبه فحيح الأفاعي وهدير الرياح العاتية.
في صباح اليوم التالي، كانت شقة سامر هادئة تماماً وغارقة في صمت مطبق. عثر جيرانه على باب الشقة مردوداً قليلاً، وعندما دخلوا للاطمئنان عليه، لم يجدوا أي أثر لسامر.. ولا لقطة.. ولا للصندوق القديم. الشيء الوحيد الذي بقي في غرفة المعيشة كان أثراً داكناً ومحترقاً على بلاط الأرضية بجوار الطاولة، ورائحة تراب غريبة تملأ المكان، بينما كانت ساعة الحائط الرخامية متوقفة تماماً عن العمل عند الساعة الثالثة تماماً، وكأن الزمن قد توقف للأبد في تلك الليلة المظلمة
تابع جديد Asser Asser
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق