المنزل رقم 13: حين تنطق الجدران بأسرار الدموع والدماء
المنزل رقم 13: حين تنطق الجدران بأسرار الدموع والدماء

هناك أ مکان في هذا العالم، لا يُقاس عمره بالسنوات بل بعدد الأسرار التي دفنت في جدرانه، والصرخات الصامتة التي تتردد في أركانه المظلمة كلما هبت ريح منتصف الليل. منزلنا القديم، الواقع على أطراف المدينة المنسية، كان واحداً من تلك الأماكن التي تتجنبها عيون المارة، وكأن لعنة غير مرئية تحيط بسوره الحديدي الصدئ.
منذ أن وطأت قدمي ذلك المنزل للمرة الأولى، وأنا أشعر بأن شيئاً ما يراقبني في الخفاء. لم يكن شعوراً عابراً، بل كان برودة تسري في العمود الفقري، ونظرات ثاقبة تشبه تلك التي تبعثها العتمة حال انقطاع النور. ورغم تحذيرات الجيران المتكررة وقصصهم الغريبة عن العائلة التي اختفت في ظروف غامضة قبل عقود، إلا أن الفضول المظلم كان أقوى من صوت العقل.
بدأت الحكاية ببطء شديد، وكأن الكيان الخفي داخل المنزل كان يختبر صبري. في الليلة الأولى، سمعت صوت خطوات بطيئة ومنتظمة على الدرج الخشبي المؤدي إلى الطابق العلوي. كنت أعلم جيداً أنني وحدي في المنزل، وأن الأبواب مغلقة بإحكام، لكن صوت احتكاك الحذاء الخشبي بالخشب القديم كان واضحاً وجلياً لدرجة جعلتني أتجمد في مكاني غير قادر على الحراك. وعندما شجعت نفسي وفتحت باب الغرفة لتفقد الأمر، لم أجد سوى فراغ مطبق ورائحة غريبة تشبه رائحة التراب المبلل بعد عاصفة ممطرة.
لم تتوقف الأمور عند حدود الأصوات، بل امتدت لتطال الواقع المحسوس. في الليالي التالية، كانت الأشياء تبدل أماكنها بنفسها. الصور العائلية المعلقة على الجدار كانت تُقلب رأساً على عقب، وأحياناً أجد النوافذ مفتوحة على مصراعيها رغم إغلاقها المُتقن قبل النوم. لكن الحادثة التي كادت تفقدني صوابي حدثت في ليلة مقمرة، حين استيقظت على صوت همس خافت ينادي باسمي قادماً من المرآة الكبيرة المكسورة في ممر الطابق الثاني.
اقتربت من المرآة بخطوات مرتعشة، وقلبي يدق بقوة وكأنه سيخترق ضلوعي. وهناك، في انعكاس ضوء القمر الشاحب، لم أرى وجهي فحسب، بل رأيت وجوهاً أخرى تلتف من حولي، وجوهاً لشخصيات تبدو عليها ملامح الألم والهلع، وتلك العيون الحزينة التي كانت تنظر إلي وكأنها تستصرخني لإنقاذها من سجنها الأبدي خلف الزجاج. في تلك اللحظة، أدركت أنني لست سوى ضيف غير ومرحب به في عالمهم الخاص، وأن المنزل لم يكن مهجوراً حقاً، بل كان مأهولاً بأرواح ترفض الرحيل وتتغذى على خوف كل من يجرؤ على انتهاك صمتها.
مرت تلك الليلة كأنها دهور، وما أن انبلج فجر اليوم التالي حتى جمعت أبسط أمتعتي وغادرت ذلك المكان المشؤوم دون ألتفت وراءك أبداً. تعلمت حينها درساً قاسياً؛ وهو أن بعض الأبواب المغلقة يجب أن تظل مغلقة، وأن الفضول البشري أحياناً قد يقودنا إلى عوالم مظلمة لا نملك القدرة على احتمال رعبها. واليوم، كلما مررت مصادفة بذلك الشارع المظلم، أشعر بأن نافذة الطابق الثاني تتحرك ببطء، وكأن أحدهم يلوح لي مودعاً، أو ربما... محذراً لمن سيأتي بعدي.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق