في هذا المقال

النبتة الأولى وعشق الأرض
في إحدى القرى المصرية العريقة، حيث يجري النيل كعرق الحياة، عاش العم "حسن"، رجل سبعيني وجهه كصحيفة متجعدة تروي حكايات الصبر. لم تكن الأرض بالنسبة للعم حسن مجرد حفنة من التراب يزرعها، بل كانت روحه وقطعة من كرامته. مع كل صباح، وقبل أن تستيقظ الشراشير وتسفر الشمس عن وجهها، كان يخرج إلى حقله الصغير حافي القدمين، ليمس بكفيه التراب الندّي، ويستنشق عبير الأرض السقية بكبرياء.
٢. كفاح السنوات ورزق الحلال
قضى العم حسن عمره كله بين زرع وحصاد، ينحني للأرض ليطعم أهله وأهل قريته من عرق جبينه. لم يعرف الشكوى يوماً رغم قسوة الطقس وشح بعض المواسم. كان يردد دائماً لأبنائه: "الأرض لا تخون من يخلص لها، وما خرج من التراب بالحلال بارك الله فيه". كان يزرع القمح والذرة، وفي كفيه قوة تجعل الصخر يلين، وفي قلبه رضا يجعل القليل كثيراً.
٣. اختبار النيل وموسم الجفاف
في أحد الأعوام، حبس النيل ماءه قليلاً، وقلّت مياه الترعة وشققت الأرض عطشاً. ساد الخوف بين أهل القرية وتملك اليأس من قلوب الكبار والصغار. خاف الجميع على مواسمهم التي أوشكت على الهلاك، وشحّ الرزق وكثر اللغط. لكن العم حسن لم يفقد أمله يوماً بالخالق، وكان يقين الرضا يملأ أركانه وهو ينظر إلى السماء بثبات.
٤. العطاء في ذروة المحنة
رغم حاجته الماسّة لكل قطرة ماء لينقذ حقله، لاحظ العم حسن أن جاره الشاب "أحمد"، الذي أسس عائلته حديثاً، أوشكت أرضه على الجفاف التام ويكاد يبكي حسرة على زراعته. دون تردد أو تفكير في مصلحته الشخصية، قام العم حسن بفتح مأخذ الماء الخاص بحقله ووجّه سقاية بئره الارتوازية الصغير كله إلى أرض جاره، مؤثراً إياه على نفسه في أشد الأوقات صعوبة.
٥. الشهامة التي تركت أثراً
تفاجأ الجار الشاب وسأله باستغراب والدموع في عينيه: "كيف تسقي أرضي وتترك أرضك يا عم حسن؟". فابتسم الشيخ الأصيل وقال بصوت هادئ ومطمئن: "الزرع يُعوض يا بني، لكن الجار الطيب إن انكسر خاطره لا يُعوض. الخير إذا لم يعمّ القرية كلها فلا خير فيه". ضرب هذا الموقف أروع أمثلة المروءة والشهامة، وشاع خبر هذا الصنيع بين القرية كلها ليعيد للجميع قيم التضامن الأخوي.
٦. غيث السماء وفرج بعد شدة
لم تمضِ سوى أيام قليلة حتى انفتحت أبواب السماء وهطل المطر غزيراً، وامتلأت الترع بالماء العذب ليروي العطش، ويهتز الزرع ويربو. تحولت أرض العم حسن وأرض جاره إلى بساط أخضر يسر الناظرين، وكان محصودهما في ذلك العام من أوفى وأبرك المحاصيل التي شهدتها القرية منذ سنوات طويلة، وكأن الأرض ردت التحية لأهلها بأفضل منها.
٧. إرث الأصالة الباقي
عاش العم حسن حاملاً لقب "الفلاح الأصيل"، لا لكثرة ماله، بل لعظم أخلاقه وكرم نفسه ووفائه لأرضه وناسه. أصبح مجلسه تحت شجرة التوت العتيقة مدرسة يستقي منها الشباب معنى العزة والتضحية والتكافل. وظلت قصته حية تُروى، تؤكد أن الأصالة ليست مجرد كلام، بل هي غرس طيب ينبت نبتة طيبة لا تموت أبداً
تابع جديد مصطفى ابراهيم
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق