في هذا المقال

على مقعدٍ انتظرنا عليه
رواية رومانسية قصيرة
لم تكن سارة تحب المطر، لكنها كانت تحب رائحة الكتب القديمة، ولذلك اعتادت أن تقضي مساء كل خميس في مكتبة صغيرة تقع في شارع هادئ بوسط المدينة.
كانت المكتبة ملاذها الوحيد من ضجيج الحياة، ومكانًا تستطيع فيه أن تنسى وحدتها لبعض الوقت.
في مساء شتوي، بينما كانت تبحث عن رواية على أحد الأرفف، سقط كتاب من يدها، فالتقطه شاب كان يقف بجوارها.
قال مبتسمًا:
«أعتقد أن الكتاب اختارك قبل ما تختاريه».
نظرت إليه باستغراب، ثم ضحكت.
كان اسمه عمر، شاب يعمل مهندسًا، ويأتي إلى المكتبة كل أسبوع ليقرأ بعيدًا عن ضغوط العمل.
تبادلا حديثًا قصيرًا عن الرواية، ثم افترق كل منهما دون أن يعرف أن تلك اللحظة الصغيرة ستغير حياته.
في الخميس التالي، وجدته سارة جالسًا قرب النافذة، يقرأ كتابًا جديدًا.
ابتسم وقال:
«كنت مستني أعرف إذا كنتِ هترجعي الكتاب ولا هتحتفظي بيه».
أجابته:
«كنت مستنية أعرف إذا كنت هتفضل تقول كلام غريب كل مرة».
ضحكا، ومنذ ذلك اليوم، أصبح لقاؤهما عادة لا يحتاجان إلى اتفاق.
كان عمر يستمع إلى أحاديثها عن الكتب والأحلام، بينما كانت هي تحب طريقته في رؤية الأشياء البسيطة وكأنها تحمل معنى عميقًا.
عرف أنها تحلم بأن تصبح كاتبة، لكنها تخاف من نشر ما تكتبه.
أما هو، فكان يحلم ببناء منزل صغير قرب البحر، يعيش فيه يومًا بعيدًا عن ضجيج المدن.
وفي إحدى المرات، سألها عن سبب حزنها الدائم.
أجابت بعد صمت:
«كنت فاكرة إن الناس اللي بنحبهم بيفضلوا معانا».
لم يسألها عن التفاصيل، لكنه قال:
«مش كل اللي بيمشي بيكون نهاية الحكاية، ساعات بيكون بداية إننا نعرف نفسنا أكتر».
لم تنسَ سارة تلك الجملة.
كانت قد فقدت والدها قبل سنوات، ثم ابتعد عنها أقرب أصدقائها في أصعب أيامها. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت تخاف من التعلق بأي شخص، وكأن قلبها يحاول حمايتها من خسارة جديدة.
لكن عمر لم يكن يشبه أحدًا عرفته من قبل.
لم يحاول تغييرها، ولم يطلب منها أن تتوقف عن الحزن، بل كان يمنحها مساحة لتكون على طبيعتها.
ومع مرور الأشهر، أصبح وجوده في حياتها يشبه ضوءًا صغيرًا في غرفة مظلمة.
وفي ليلة ممطرة، بينما كانا يجلسان على مقعد خشبي أمام المكتبة، قال عمر فجأة:
«أنا بحبك يا سارة».
توقفت عن النظر إلى المطر.
كانت تخاف من الحب، لكنها كانت تخاف أكثر من أن تفقد شيئًا جميلًا قبل أن تمنحه فرصة.
قالت بصوت هادئ:
«وأنا كمان».
ابتسم عمر، ومد يده إليها، فوضعت يدها في يده.
للمرة الأولى منذ سنوات، شعرت سارة أن قلبها لم يعد مضطرًا إلى الدفاع عن نفسه.
لكن السعادة لم تدم طويلًا.
بعد أسابيع، عُرض على عمر عمل في مدينة بعيدة، وكان عليه أن يسافر خلال أيام.
كان العرض فرصة مهمة لمستقبله، ولم يكن من السهل رفضه.
حاول إقناع سارة بأن تسافر معه بعد أن يستقر، لكنها رفضت.
لم تكن مستعدة لترك حياتها، ولا تريد أن تكون سببًا في تخليه عن حلمه.
قالت له:
«أنا مش عايزة أكون السبب اللي يخليك تندم على فرصة ضاعت منك».
أجابها:
«وأنا مش عايز أعيش حلمي وأنا حاسس إن أهم شخص في حياتي بعيد عني».
لكن القرار كان قد اتُخذ.
وفي آخر لقاء بينهما، جلسا على المقعد الخشبي نفسه.
قال عمر:
«مش عايز المسافة تغيرنا».
أجابته سارة:
«المسافة مش هي اللي بتغير الناس، اللي بيغيرهم إنهم يبطلوا يحاولوا».
وعدها أن يعود بعد عام.
في البداية، كانت رسائلهما طويلة، مليئة بالتفاصيل الصغيرة.
كان يحكي لها عن شوارع المدينة الجديدة، وعن عمله، وعن شوقه إلى المكتبة والمقعد الذي جمعهما.
وكانت هي ترسل له صفحات من روايتها، فيقرأها ويخبرها برأيه.
لكن مع مرور الوقت، بدأ انشغاله يزداد.
أصبحت رسائله أقصر، ومكالماته أقل، حتى مر أسبوع كامل دون أن يتحدثا.
حاولت سارة أن تتفهم ظروفه، لكنها كانت تشعر أن المسافة بينهما لم تعد مجرد مدن.
وفي إحدى الليالي، انتظرت مكالمته حتى منتصف الليل، لكنه لم يتصل.
فتحت دفترها وكتبت:
«أصعب أنواع الانتظار أن تنتظر شخصًا لا تعرف إن كان ينتظر عودتك أيضًا».
أغلقت الدفتر، وقررت ألا تجعل حياتها متوقفة على وعد.
عادت إلى الكتابة، وبدأت تعمل على روايتها بجدية.
وبعد أشهر، أرسلت مخطوطتها إلى دار نشر، ولم تخبر عمر.
كانت تريد أن تحقق حلمها بنفسها، حتى لو لم يعد موجودًا بجانبها.
وفي مساء الخميس، ذهبت إلى المكتبة كعادتها.
كانت السماء تمطر، وجلست على المقعد الخشبي أمامها.
فتحت كتابًا قديمًا، فوجدت بداخله ورقة صغيرة لم ترها من قبل.
كان خط عمر.
«لو في يوم حسيتِ إني بعيد، افتكري إن المكان اللي قابلتك فيه هو المكان اللي نفسي أرجع له مهما أخدتني الدنيا».
احتضنت الورقة بين أصابعها.
لم تعرف إن كانت تبكي أم تبتسم.
بعد أيام، وصلتها رسالة من دار النشر.
لقد وافقوا على نشر روايتها.
لأول مرة، شعرت أنها تستطيع أن تبدأ حياة جديدة، حياة لا تنتظر فيها أحدًا حتى تصبح سعيدة.
وبعد عام كامل من سفر عمر، دخلت المكتبة في مساء الخميس نفسه.
كانت تحمل نسخة من روايتها المنشورة.
سمعت صوتًا خلفها يقول:
«لسه الكتب بتختار لك؟»
التفتت.
كان عمر يقف أمامها، يحمل حقيبة سفر صغيرة، وعلى وجهه ابتسامة لم تتغير.
لم تستطع الكلام.
اقترب منها وقال:
«رجعت».
نظرت إليه طويلًا، ثم سألته:
«بعد كل ده؟»
أجاب:
«أنا عارف إني قصرت، وعارف إنك استنيتِ كتير. بس السنة دي علمتني إن النجاح ملوش معنى لو رجعت البيت ومفيش حد أحكيله عنه».
ثم أخرج من حقيبته نسخة من روايتها.
«قريتها كلها. وفخور بيكي أكتر مما تتخيلي».
امتلأت عيناها بالدموع.
قال عمر:
«مش جاي أطلب منك تنسي اللي حصل. أنا جاي أقولك إني رجعت، ومستعد أبني حياتي هنا. ولو لسه بتحبيني، عايز نبدأ من جديد».
صمتت سارة قليلًا.
كانت لا تزال تحبه، لكنها لم تعد الفتاة التي تنتظر وعدًا دون أن تعرف ماذا سيحدث.
قالت:
«أنا بحبك، بس المرة دي لازم نكون واضحين. مش عايزة أعيش على وعود، عايزة نعيش مع بعض فعلًا».
أمسك يدها وقال:
«وعدي الوحيد إننا نواجه أي حاجة سوا».
ابتسمت.
وبعد أشهر، تزوجا في حفل بسيط، حضره الأشخاص الذين أحبوهما.
وفي مساء زفافهما، عادا إلى المكتبة نفسها.
جلسا على المقعد الخشبي تحت المطر، ووضعت سارة رأسها على كتفه.
لم تكن الحياة مثالية، ولم تختفِ الصعوبات، لكنهما تعلما أن الحب ليس وعدًا بأن كل شيء سيكون سهلًا، بل قرار بأن يواجه اثنان الحياة معًا.
وفي الصفحة الأولى من روايتها الثانية، كتبت سارة:
«إلى الرجل الذي علّمني أن الانتظار لا يكون مؤلمًا حين نعرف أن هناك قلبًا يسعى للعودة، وأن أجمل النهايات ليست تلك التي تخلو من الألم، بل تلك التي نجد فيها طريقنا إلى بعضنا من جديد».
تمت.
تابع جديد Alya Sheta
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق